يسود قلق كبير بين السلطات التنفيذية وهيئات تنفيذ القانون في الولايات المتحدة بسبب تزايد جرائم الانترنت, وأهم هذه الجرائم اقتحام الشبكات واختراقها وتوقيف مواقع الكترونية عن العمل كما حدث في بداية العام الجاري, عندما تمكن بعض الهواة من وقف مواقع هامة وتعطيل التجارة الالكترونية عليها لعدة ساعات مما أدى الى خسائر بملايين الدولارات. لكن هناك أنواع جديدة من جرائم الانترنت ظهرت مؤخرا تمثل خطورة أكبر من ذلك لأن من يقومون بها هم من المحترفين وليس الهواة, كما انها تكلف مبالغ باهظة اضافة الى الاضرار ببعض الاشخاص الذين يضعون بياناتهم على الانترنت. من هذه الجرائم الجديدة سرقة البيانات والمعلومات الشخصية من أجل استغلالها في كسب المال مثل المشتروات ببطاقات ائتمانية مملوكة للغير وكذلك انتحال الشخصية. والمعروف ان جرائم انتحال الشخصية منتشرة منذ قديم الازل ومن قبل بداية عمل الانترنت, ولكن مع وجود الشبكة الالكترونية أصبح من السهل جدا استغلال البيانات الشخصية وحتى انشاء شخصيات جديدة من خلال استخراج بطاقات هوية بأسماء وظائف جديدة. ويستطيع من يتصفح الانترنت ان يحصل على كل أنواع البيانات والمعلومات الشخصية فيستطيع اللصوص الحصول على قروض أو شراء السلع أو تأمين الاقامة في أماكن سكن بأسماء آخرين بعد انتحال شخصياتهم. وتقول وزارة الضمان الاجتماعي انها تلقت أكثر من 30 الف شكوى عن اساءة استغلال ارقام الضمان الاجتماعي في العام الماضي مقابل 11 الف شكوى عام 1998 ونحو 7867 شكوى عام 1997. وأرجعت الوزارة هذا الارتفاع الى سهولة الحصول على هذه الأرقام من الانترنت. وقال رئيس قسم الجرائم المالية بالوزارة ان الانترنت تمكن اللصوص من جميع انحاء العالم من العمل دون ان يكشفهم أحد, ولكن يؤكد في الوقت نفسه انه لا يجب ان يخشى الناس من استخدام الانترنت, بل ينبغي توفر الحذر واتخاذ الاحتياطات اللازمة. ونشرت الصحف الامريكية قصة كيم براديوري التي تلقت مكالمة هاتفية ذات يوم من شركة بطاقات ائتمانية تحذرها من ان شخصا ما طلب بطاقة ائتمانية باسمها, لكن عنوانه لم يكن مطابقا لعنوانها. والواقع ان هذا الشخص استغل بطاقة ائتمانية باسمها فعلا وحصل على مشتروات بقيمة 500 دولار دون علمها, واكتشفت براديوري ان هناك كثيرين غيرها تعرضوا لنفس المأساة حيث قام لصوص باستغلال بياناتهم عبر الانترنت واستخرجوا بطاقات ائتمانية واشتروا بها سلعا باسماء هؤلاء الضحايا. وتقول براديوري ان البعض يستخف بهذه الجريمة, لكن الواقع انها تمثل كابوسا لأن شخصا ينتحل شخصيتك ويرتكب أعمالا باسمك دون ان تعلم. وتبدأ هذه العملية عندما يصل اللص الى بيانات شخصية على الانترنت لشخص آخر, ومن هذه البيانات العنوان وتاريخ الميلاد ورقم الضمان الاجتماعي, ويستخرج بهذه البيانات بطاقة ائتمانية أو رخصة قيادة ويستخدمها بحرية تحت اسم شخص آخر. ويتمكن هؤلاء اللصوص من استخراج بطاقات ائتمانية عبر الانترنت غالبا من خلال شركات لا تتخذ الاحتياطات الكافية والاجراءات الأمنية الصارمة عبر الشبكة الرقمية. فاذا قام أحد اللصوص بانتحال شخصية ما يستطيع ان يصنع لنفسه تاريخا جديدا عن طريق تسديد فواتير شهرية بالبطاقة الائتمانية ويكون له أحقية في طلب قروض أو شراء سيارة بالتقسيط أو ايجار عقارات. وتقول هيئات وشركات البطاقات الائتمانية ان نسبة انتحال الشخصية ضعيفة جدا مقارنة بمئات المليارات التي تنفق عبر البطاقات الائتمانية سنويا. كيفية كشف اللصوص تقول هذه الشركات ان التعرف على اللصوص والمنتحلين أمر سهل حيث تقوم كثير من هذه الشركات بانشاء قواعد بيانات بمساعدة المخابرات حتى يستطيعوا تبادل المعلومات والمواقع الجغرافية للشخصيات والأماكن التي تتم فيها جرائم تزوير وتزييف البطاقات الائتمانية وانتحال الشخصية. ونادرا ما يواجه المستهلكون خسائر مالية بسبب جرائم انتحال الشخصية لأن البنوك والتجار هم الذين يتحملون الخسائر. ومن ناحية اخرى فإن شركات اصدار البطاقات الائتمانية حريصة على مراقبة العادات الشرائية للعملاء ويلاحظون أي تغيير في هذا السلوك من حيث عدد وحجم الصفقات بسهولة. لكن الضحايا لا يزالون يقولون انهم ينبغي ان يواجهوا الأمر بواقعية لأن لصوصا غير معروفين يتعدون على حساباتهم وينتهكون خصوصياتهم فضلا عن شن حملة واسعة النطاق لالغاء البطاقات الائتمانية التي استخرجها اللصوص بشخصيات غيرهم. وفي قصة براديوري اتصلت بالشركات الثلاث التي تتعامل معها بعد التحذير الذي تلقته لاسقاط المصروفات التي أنفقها منتحل شخصيتها ببطاقتها الائتمانية, لكن الوكالات الثلاث طلب تقريرا رسميا عن واقعة التزييف والانتحال. وعندما طلبت براديوري التقرير من الهيئة التي حذرتها, حصلت عليه بعد عدة أشهر. وتعترف براديوري ان الشركة التي حذرتها اكتشفت الواقعة بسرعة, لكنها في الوقت نفسه جعلت من السهل جدا على اللص ان يستخرج بطاقة ائتمان عبر الانترنت باسمها, ولم تعلق الشركة على ذلك, لكنها أكدت ان بيانات العملاء تتمتع بسرية كاملة وان لديها اجراءات لمكافحة الغش والتزييف. الكونجرس الامريكي يجب ان يتدخل أوصت اللجنة الفيدرالية الامريكية للتجارة بأن تقوم هي بالاشراف على حماية خصوصية المستهلكين على الانترنت, فيما يعد تغيرا عن موقفها السابق بأن تقوم شركات الانترنت بهذه المهمة. قدمت اللجنة هذه التوصيات للكونجرس الامريكي وشملت طلبا بتشديد التشريعات التي تسمح للجنة بتنظيم عمل الشركات التي يتكون منها الاقتصاد الرقمي. وقالت مصادر قريبة من اللجنة أن تلك التوصيات جاءت بناء على دراسات وابحاث اجرتها وأكدت ان الشركات التي تدير مواقع على الأنترنت لم تؤمن الخصوصية الكاملة للمستهلكين. ويسمح التشريع الذي طالبت به اللجنة الفيدرالية بتطبيق وتنفيذ مبادىء عادلة في مجال المعلومات من أجل تنظيم هذه الصناعة بحيث تكون مثل مبادىء التقارير المالية والائتمانية. وتشمل تلك اللوائح تعريف المستهلكين بسياسات وانواع الحماية التي تطبق في المواقع الالكترونية ومقدرة المستهلكين على معرفة المعلومات التي تحتفظ بها الشركات بخصوصهم من اطراف اخرى حتى يتسطيعوا اتخاذ الاحتياطات اللازمة في الوقت المناسب. وتريد اللجنة ايضا ان تقوم بتنظيم حصول اطراف اخرى على هذه المعلومات. وقالت مصادر اللجنة ان احدث دراسة على الانترنت اثبتت انه لايزال هناك مشكلات خطيرة بين مواقع الانترنت الكبيرة والصغيرة على السواء, حتى ان الاعضاء قرروا انهم لا يستطيعون الانتظار حتى تقوم شركات هذه المواقع بتنظيم نفسها. ولاحظت اللجنة ان هناك مجالات لا تستطيع الشركات والمواقع تنظيمها. واصدرت في يونيو 1998 تقريرا حول الخصوصية على الانترنت وذكرت ان التجار عبر الانترنت لا يستخدمون الاجراءات الحمائية الكافية لحماية خصوصية المستهلكين. واوصت اللجنة الكونجرس بان يصدر تشريعا لحماية خصوصية معلومات الاطفال والكبار عبر الانترنت. وضغطت اللجنة من قبل على شركة ديل كليك للاعلان على الانترنت حيث قررت الشركة دمج سجلات البيانات التي جمعتها عن المستهلكين الذين يتجولون عبر الانترنت والتي تضم معلومات 80 مليون مستهلك وتودعه لدى شركة اخرى لاقامة قاعدة بيانات, وبالفعل لم تستطع الشركة تنفيذ هذا المشروع بسبب ضغوط اللجنة. كما دعم البيت الأبيض فحص القضايا ذات العلاقة بالخصوصية عبر الانترنت وطالب الرئيس كلينتون بتشديد هذه الفحوصات. إنشاء شخصيات جديدة استطاعت سوزان كولينز رئيسة لجنة فرعية في مجلس الشيوخ حققت في استخراج بطاقات هوية مزيفة عبر الانترنت, أن تستخرج رخصة قيادة جديدة وبطاقة تثبت انها ضابط في القوات المسلحة الأمريكية عبر الانترنت. ودهشت من سهولة استخراج هذه البطاقات عبر الشبكة الالكترونية. فيستطيع مستخدمو الانترنت من خلال رسوم بسيطة او حتى مجانا استخدام برامج تمكن من استخراج شهادات ميلاد ورخص قيادة وبطاقات هجرة وغيرها, وبشكل شديد الاتقان لا يلاحظ احد انه تزوير او تزييف. وتقول كولينز ان التزوير ليس امراً جديدا, لكنه مع استخدام الانترنت اصبح هناك فرص هائلة متاحة امام هواة التزييف وانتحال الشخصيات والوصول الى موارد مالية هائلة, لم تكن متوفرة من قبل ظهور الانترنت. وليس هناك احصاءات عن هذه القضايا من تزوير وتزييف البطاقات عبر الانترنت, لانها لا تكتشف الا عندما يلقى القبض على احد حاصليها وبالصدفة. ويقول مصدر مسئول ان 30% من الاوراق المزيفة استخرجت عبر الانترنت خلال العامين الماضيين, مقابل 1% قبل هذين العامين. واضاف ان المواقع التي تستخرج هذه البطاقات تحقق ملايين الدولارات من العائدات سنويا. ويقول ان التزييف او التزوير الان اصبح اكثر سهولة بمئات المرات عن ذي قبل, ويسبب ذلك قلقا كبيرا لهيئات تنفيذ القانون. وتبحث لجنة سوزان كولينز اصدار وتحديث تشريعات لتشديد العقوبات على استخراج واستخدام الاوراق المزيفة, التي تتراوح عقوبتها الآن ما بين 3 و 25 عاما في السجن حسب طبيعة الجريمة وملابساتها. وناشدت اللجنة هيئات تنفيذ القانون تشديد الرقابة على مواقع الانترنت والاهتمام بهذا النوع من الجريمة الحديثة في عصر الاقتصاد الرقمي. وتقول كثير من الشركات التي تدير هذه المواقع انها تديرها بهدف تجديد البطاقات والأوراق الشخصية وأن تزييف هذه الاوراق جريمة يعاقب عليها القانون, وانهم يضعون عبارة (أوراق غير حكومية) على هذه الأوراق, لكن لجنة الكونجرس اكتشفت انه يمكن ازالة هذه العبارة بسهولة شديدة فتبدو الأوراق المستخرجة بهذه الطريقة حقيقية تماما.