يبدو أن الأزمة الآسيوية لعام 1997 ـ 1998 قد اصبحت شيئا من الماضي. فالمراقبون السياسيون والاقتصاديون الحاليون يرون البدايات الواضحة لانتعاش ثابت وان كان لايزال هشاً. ومع الاستثناء الواضح لاندونيسيا التي ارهقتها المشكلات الداخلية, وهي احدى نتائج الأزمة الآسيوية, فان معظم الاقتصادات الأربعة والعشرين الواقعة على المحيط الهادي من المتوقع ان تظهر معدلات نمو اقتصادي قوية نسبيا لعام 2000. ووفقا لمجلس التعاون الاقتصادي الباسيفيكي, فان معدل النمو من المتوقع ان يزداد بشكل اجمالي من 3.9% في عام 1999 الى 4.9% لهذا العام, أي أن هذا سيحدث طالما ان التصحيح السوقي الأمريكي الأخير لا يجرى تكثيفه خلال ما تبقى من العام, الأمر الذي من شأنه ان يتسبب في انكماش حاد في الاقتصاد العالمي. * هل هذا التنبؤ واقعي في ضوء المؤشرات الأمريكية الأخيرة التي تظهر تباطؤا في الاقتصاد الأمريكي؟ ـ نعم انه كذلك, خاصة اذا واصلت الاقتصادات الأوروبية معدلاتها القوية للنمو البالغة حوالي 48% واذا ما اكتسب الانتعاش الياباني الاضعف بعض الزخم وتمكن بالفعل من تجاوز المنعطف حول ضغوطه وتوجهاته التراجعية الحالية, عندها سيكون من الممكن لاقتصادات الدول الواقعة على المحيط الهادي الحفاظ على معدلات نموها الراهنة. لكن هذا لا يتم بدون المشكلات الخطيرة التي لاتزال تلوح في الأفق. وفي الوقت الحالي, يتوقع ان تقود الصين الانتعاش الاقتصادي الآسيوي بزيادة قدرها 7.3% في ناتجها المحلي الاجمالي لعام 2000. وهذه الأرقام تستند الى الاحصائيات الحكومية الصينية التي تكون موضع شك من حين لآخر. ومع ذلك, فان معدلات النمو الاقتصادي لاتزال كبيرة وبحسب مراقبين أكثر حيادية, فان الصينيين يمكنهم ان يتوقعوا زيادة في النمو بنسبة 7.6% لعام 2001. ويظهر الانتعاش الصيني بوضوح ان الامكانات الانكماشية لعام 1997 ـ 1998 تعتبر اجمالية تقريبا وان القدرة الشرائية المحلية اي الانفاق الاستهلاكي الصيني قد يولد اسعارا اعلى حتى مما كان متوقعا. وتعتمد هذه الصورة على قدرة الصين على امتصاص الاستثمار الاجنبي المباشر والتدفقات الرأسمالية المطلوبة للابقاء على هذه المعدلات من النمو. وفي غضون ذلك, فان معدلات النمو الاستثنائية التي ظهرت في جميع انحاء آسيا تعتبر اكثر وضوحا في هونج كونج وكوريا الجنوبية. ففي هونج كون, تظهر معدلات النمو الاقتصادي ان الاقتصاد ينمو بنسبة 6.8% هذا العام بينما يتوقع ان تحقق كوريا الجنوبية معدل نمو حقيقيا يبلغ 8.5%. وتشير اقتصاديات آسيوية اخرى مثل ماليزيا وتايوان وتايلاند الى زيادة مشتركة بنسبة 5.3% لدولها. زيادة في متطلبات الطاقة من اجل الحفاظ على هذه الانتعاشات, خاصة في منطقة جنوب شرق آسيا, فان متطلبات الطاقة الاقليمية ستحتاج الى دفعة اضافية في مواجهة التقلبات المتواصلة في اسواق النفط العالمية. وكان وزراء الطاقة في دول رابطة دول جنوب شرق آسيا المعروفة باسم (الآسيان) قد تعهدوا في هانوي, مؤخراً, بتسريع تنفيذ خطط الرابطة الطموحة التي تقضي باقامة شبكة محلية للطاقة والغاز لتعزيز أمنها على صعيد الطاقة. وفي البيان الختامي الصادر بتاريخ الثالث من يوليو الجاري, ورد ما يلي: (اتفق الوزراء على موقف جماعي بتسريع العمل على تحقيق وتنفيذ رؤى قادة رابطة الآسيان الخاصة باقامة شبكة مدمجة للطاقة عبر دول الآسيان تتألف من شبكة للطاقة الكهربائية ومشروعات لانابيب الغاز عبر دول الآسيان. إن تطوير خطوط رئيسية للشبكة الكهربائية ومشروعات خطوط أنابيب الغاز وتسريع تدبير التمويل الدولي والمحلي ورؤوس الأموال لتحقيق مشروعات الطاقة هذه تعتبر جميعها ضرورية لثبات وأمن امدادات الطاقة في المنطقة. قمة الدول الثماني وينعقد المؤتمر السنوي لمجموعة الدول الصناعية الثماني المعروفة باسم (جي ـ 8) وينعقد حاليا في اوكيناوا باليابان. ويحظى هذا المؤتمر باهتمام كبير نظراً لحاجة الدول المشاركة لمعالجة القضايا العديدة التي تواجه الاقتصاد العالمي. وعلى رأس هذه القضايا, خاصة بالنسبة للدول الآسيوية, قضية الانتعاش الاقتصادي الضعيف في اليابان. وفي هذه المرحلة, يعتقد معظم الاقتصاديين ان الانتعاش في اليابان يعتبر في أفضل الأحوال هشا وأن كل ما تأمل به هو أن يستمر الاقتصاد الياباني في النمو بنسب ضعيفة تتراوحا ما بين 1 ـ 2%. غير ان الاحصائيات الأخيرة الصادرة عن وكالة التخطيط الاقتصادي اليابانية تظهر ان الانفاق الاستهلاكي منخفض, وأن مبيعات التجزئة تشهد انخفاضا والانتاج الاجمالي لا يبلي بلاء حسنا. وباستثناء الارقام الايجابية للصناعات الانشائية, الذي هو ثمرة خطط الانفاق المالي الحكومي الهائل, فإن باقي فروع الاقتصاد لا تبلي بلاء حسنا كما هو متوقع. ولاتزال توجهات الركود قوية تماما مما يدفع البعض في آسيا إلى القلق بشأن استمرار انتعاشهم الاقتصادي. وفي اجتماع سبق القمة عقد في فوكويوكا باليابان, عبر تجمع لمسئولين ماليين آسيويين عن مخاوفه بشأن توجه الاقتصادات الآسيوية. وقد دعا جميع المشاركين اليابان والصين بأخذ زمام المبادرة الاقتصادية على صعيد تعزيز ليس فقط النمو الاقتصادي في المنطقة وإنما ايضا بذل الجهد التعاوني المطلوب للنمو الاقتصادي. وخاطب وزير المالية التايلاندي, تارين نيمانهيمندا, الجمهور قائلا: (اعتقد, من حيث التعاون الآسيوي, انه لوضع طبيعي ان توفر اليابان والصين هذه القيادة) من أجل محرك النمو الاقتصادي الآسيوي. وتعتبر اليابان في وضع جيد بالأخذ بعين الاعتبار حجم الاقتصاد, ومع الأخذ بعين الاعتبار الحقيقة القائلة بأن اليابان هي الدولة الوحيدة في آسيا في مجموعة الدول الثماني. ومن المؤيدين لفكرة الدور القيادي للصين واليابان نائب وزير المالية في كوريا الجنوبية أوم راك ـ يونج, الذي علق قائلا: (إذا استخدمت اليابان سلطتها باعتبارها أكبر اقتصاد في آسيا لقيادة النمو الاقليمي, عندها لن يكون لدينا شكوك (حول قدرة آسيا ليس فقط على الحفاظ على هذا الانتعاش وانما ايضا قدرتها على تحقيق معدلات النمو التي لم تشهد سوى في فترة الثمانينات وبداية التسعينيات. وخاطب ندوة فوكويوكا قائلا بأن كلا من الصين واليابان يجب ان تكونا أكثر نشاطا وفاعلية في وضع الأخيرة لباقي دول آسيا. وقد تردد هذا الموقف على لسان متحدثين آخرين من رابطة الآسيان كذلك. غير انه لاتزال هناك العديد من المشكلات المهمة التي تواجه الدول الآسيوية في المستقبل القريب. فقد ذكر رئيس بنك التنمية الآسيوي تادو تشينو في الندوة أن التحدي الرئيسي للدول الآسيوية هو (أن الحرب على مستويات الفقر المدقع التي لاتزال قائمة في انحاء آسيا. فهناك حوالي 900 مليون شخص في جنوب شرق اسيا وحدها لايزالون يعيشون على دخل يقل عن الدولار الواحد في اليوم وحوالي 70% من سكان المنطقة لايمكنهم الوصول الى المرافق الصحية. وقال تشينو إن هذه الصورة الصاعقة (تهدد قدرة آسيا على الاستفادة من الامكانات الاقتصادية وتقوض الدعامة الاجتماعية والاستقرار) . والشخص الذي عزز هذا الموقف حول هذه المشكلات الصعبة كان نائب وزير المالية في كوريا الجنوبية أوم الذي صرح قائلا: (في مواجهة نزعات العولمة, فان أملي الصادق هو أن يستوعب وزراء مالية الدول الثماني الرسالة من مناقشاتنا) . كما انه اشار الى ان الفجوة في الدخل تتسع حول العالم والقيم الاجتماعية يجري تقويضها والبيئات تخريبها. المعضلة اليابانية إن احدى القضايا الرئيسية المطروحة على قمة اوكيناوا هي حالة الاقتصاد الياباني. وسيناقش الرئيس كلينتون والرئيس الروسي فلاديمير بوتين وقادة انجلترا وفرنسا وألمانيا وايطاليا وكندا واليابان المضيفة هذه المسألة الى جانب تأثير التجارة الالكترونية كذلك. وقد تحدث وزير الخزانة الأمريكية لورنس سومرز عن هذا الوضع قائلا إنه (على الرغم من ان الصورة الاقتصادية العالمية تعتبر مشجعة بوجه عام) إلا ان وزراء المالية من المتوقع ان يدفعوا اليابان لتعيد مضاعفة جهودها للخروج من ركودها الاقتصادي. لقد اظهرت اليابان علامات على الخروج من اعمق ركود لها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وفي الوقت الحاضر, لا يزال الاقتصاد معتمداً على الصب الهائل للانفاق من جانب الحكومة بسبب البطالة القريبة من رقم قياسي والأجور المنخفضة التي تركت المستهلكين اليابانيين مترددين في انفاق اجورهم التي كسبوها بصعوبة. وفي الواقع ان الولايات المتحدة والدول الأوروبية تريد ضمانات مطلقة من الحكومة اليابانية بأنها ستواصل حملتها المكثفة للانفاق العام. والخطر الكامن في هذا النهج هو أن نسبة الدين الياباني للناتج الاجمالي تصل الى 130%, وهورقم عال جدا لايمكن الحفاظ عليه وفقا للعديد من الاقتصاديين. والحكومة اليابانية تغرف عميقا في الدين واحتمال تنامي ذلك الدين يعتبر حقيقيا في ظل عدم وجود أي عوائد جديدة من زيادة الضرائب التي تدخل الى خزائن الحكومة. ويصر آخرون مثل ريتشارد كو, كبير اقتصاديي معهد نومور للبحث, على ان نسبة الدين للناتج المحلي الاجمالي لاتشكل تهديداً للانتعاش الاقتصادي الياباني وأن اليابان ينبغي عليها ان تواصل انفاق الأموال الحكومية لتحفاظ على الانتعاش الحالي الضعيف. والقضية الأساسية الأخرى تتمثل في ما اذا كان يتعين على بنك اليابان (البنك المركزي الياباني) أن يرفع معدل الفائدة البالغ صفراً. لوراتايسون, مستشارة اقتصادية سابقة لادارة كلينتون, وعميدة حالية لكلية بيركلي للتجارة في جامعة كاليفورنيا اخبرت محطة بي. بي. سي نيوز بأن (الدليل على ثبات الانتعاش الياباني دليل ضعيف. وبالتالي, ومن وجهة نظر براجماتية محضة, فان من الصعب فهم الداعي في هذا المنعطف للتخلي عن سياسة معدل الفائدة الصفري) . * ما الذي يعنيه كل هذا؟ ـ لاتزال اليابان تكافح لتشق طريقها للخروج من حالة الركود, التي بدأت في أواخر الثمانينات عندما قام بنك اليابان برفع معدلات فائدته بسرعة على امل كبح (الاقتصاد المتضخم) في اليابان. وبدلا من الاكتفاء بكبح فقاعة سوق الأسهم وفقاعة قطاع العقارات, فان الرفع السريع لمعدل الفائدة في عام 1989 تسبب في حالة بيع هائلة للأسهم المطروحة على مؤشر نيكي الياباني الذي كان يحوم حول 40000 نقطة مما ادى الى تنخفيض اسعار الاسهم الى مستوى منخفض يبلغ 12000 خلال العامين الماضيين وجعله يبقى الآن في حدود 17000 الى 20000. وأدى هذا الى فقدان 50% من قيمة العملة الورقية, ولكن الاهم من ذلك, هو انه سبب انعداما للثقة بين المنتجين اليابانيين والمستهلكين في المؤسسة المالية في البلاد. ولتصحيح هذه المشكلة الادراكية, عمل بنك اليابان على تنخفيض معدلات فائدته الى مستوى قياسي يبلغ 0.5% في عام 1995 في محاولة منه لتوفير اموال رخيصة أو سيولة نقدية للأسواق. وفي العام الماضي, انتهج بنك اليابان أول سياسة لا تفرض معدل فائدة ابداً بهدف تحفيز النمو الاقتصادي. وكان أمله من وراء ذلك ان يؤدي هذا الى مساعدة البنوك اليابانية على الايفاء بجزء من القروض التي جرتها الى ازمة عميقة, وتملك البنوك اليابانية حوالي اربعة تريليونات دولار على شكل ديون مصرفية معدومة, أي قروض غير قابلة للسداد تسببت في افلاس العديد من البنوك والمؤسسات المالية. وقد ساعدت سياسة الاقراض بدون فائدة في تخفيض تكلفة الاقتراض للحكومة اليابانية التي تتحمل عجزا هائلا من أجل انفاق المزيد من مشروعات الاشغال العامة. ولكن بعد ستة اشهر من الركود المتواصل, بدأ الاقتصاد الياباني يظهر علامات على النمو. وعلاوة على ذلك, فان الشركات اليابانية تصبح اكثر تفاؤلا حول آفاقها المستقبلية. وعلى نحو يثير المفارقة, فان حقيقة انه يبدو أن هناك انعاشا ثابتا يشجع بنك اليابان على انهاء سياسته المتعلقة بفائدة الصفر. ويبدو الآن ان المسألة هي متى وليس اذا كان بنك اليابان سيتخلى عن سياسته النقدية المتعلقة بـ(فائدة الصفر) . وأعلن وزير المالية كيتشي ميازاوا ان البنك المركزي الياباني سيتخلى عن سياسته. وكان ميازوا قد تنبأ في البداية ان النمو في السنة المالية الحالية سيكون اعلى على نحو مريح من 1%, وهو المستوى المستهدف من قبل الحكومة, وأن هذا يبرر قرار بنك اليابان برفع معدلات الفائدة من الصفر. غير ان هذا القرار الواضح لا ينسجم مع سلطات المالية والبنوك المركزية في دول مجموعة الثماني. ويقول كبير اقتصاديي مؤسسة آي أن جي بارينجز, ريتشارد جيرام: (يبدو ان باقي العالم غير مقتنع بأن الاقتصاد يتعافى, على الرغم من ان اشياء مثل استطلاع الأعمال للشركات اليابانية (المسمى تانكان) يقول ان هذا هو اسرع نمو منذ اواخر الثمانينات لدرجة أنك قد تتبنى موقفا بأن قيام بنك اليابان برفع معدلات الفائدة لايمكن ان يكون خطوة ايجابية بالنسبة للدول السبع الأخرى الاعضاء في مجموعة الثماني. ولهذا فقد ظننت بأنها ستمارس بعض الضغوط عليهم لكي لا يرفعوا معدلات الفائدة. ولكنني اتوقع ايضا ان يرد بنك اليابان بنفس الطريقة التي ردوا بها على الضغط المحلي, الا وهي تجاهل الأمر. على جبهات أخرى من شركائها في مجموعة الدول الثماني, وهذا سيتضمن دعوات من جانب الولايات المتحدة لليابان بتحفيز الطلب الاستهلاكي ومن أوروبا بمعالجة المستويات المتفجرة للديون بعد عقد من الانفاق التحفيزي الهائل. * إذن ما الذي سيحدث؟ ـ من المفهوم بشكل واضح ان الحكومة الجديدة بقيادة ليوشيرو موري ستواصل طرحها للعروض المالية المحفزة التي يطالب بها شركاء اليابان في مجموعة الثمانية. غير ان بنك اليابان سيعمل في النهاية على رفع معدل الفائدة من الصفر. وبالتالي, من أجل الحيلولة دون تفجر ازمة دبلوماسية كارثية في اوكيناوا, فان من المرجح ان ينتظر اليابانيون من أجل رفع معدلات الفائدة واضفاء مظهر التجاوب مع ضغوط الدول الأخرى لانفاق المزيد. * ومع ذلك, هل ستفاجيء اليابان الحشد المجتمع؟ ـ ربا تقوم بذلك, وحسبما يقول مراقبون مطلعون ومقربون من رئيس الوزراء الياباني المنتخب حديثا, فان اليابان تريد طرح المشكلات التي اثارتها الدول الآسيوية في ندوة فوكويوكا وأن ترأس النقاش حول تأثير تقنية المعلومات على الدول والثقافات المعنية. وعلاوة على ذلك, فإن اليابان بالتعاون مع الصين ستتقدم بهيكليات سياسية بديلة للترتيبات الحالية لمجموعة الثماني من خلال برامج صندوق النقد والبنك الدوليين. وبعبارة اخرى, قد تكون هذه قمة مهمة للغاية. واشنطن ـ ليوسكانلون