يعتبر تبني الأسلوب المستقل أو ما يسمى بالاستثمار الأجنبي غير المباشر, من أقدم أشكال الاستثمارات العالمية المعروفة, فقد انطلق هذا الأسلوب في البداية من فكرة أن المصنع أو المنتج, لا يعرف شيئا عن الأسواق الخارجية, خارج حدود دولته, وخصوصـا قبل تطور المواصلات الحديثة, وأن لديه فائضا من الإنتاج يريد التخلص منه, وبيعه في أسواق خارجية, ومعروف أن هذه المنتجات تحتاج إلى صيانة وخدمة بعد عملية البيع, وهو أمر سوف يزيد مـن مصاريف وأعباء المنتج أو المصنع, فيما لو قام ببناء أو إنشاء وحدة متخصصة فيما وراء البحار لهذا الغرض, فكانت فكرة الوكالة, وما يتبعها من أشكال وصور أخرى, للتعامل التجاري كالتوزيع, والتمثيل التجاري, وغير ذلك, والتي يمنحها المنتج لإحدى الشركات أو لأحد المستثمرين المتخصصين, أو أي كيان لديه معرفة أو خبرة في نفس المجال. من هذا المنطلق, بدأت فكرة الاستثمارات غير المباشرة, وإن كانـت فيما بعد قد اختفت أو انخفضت نسبتها, بسبب رجحان كفة الاستثمارات المباشرة عن طريق إنشاء شركات تابعة أو وليدة مملوكة بالكامل للشركـة الأم, أو شركات تابعة مملوكة بالاشتراك مع رأس مال محلي, أو من خلال التواجد المستقل عن طريق فرع شركة, والذي كان قد رافق الاستعمار لدول العالم الثالث, من أجل السيطرة على مواد الخام والعمالة الرخيصة والأسواق المستهلكة. فيما بعد, ونتيجة لاستقلال كثير من الدول في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية, ونتيجة لانقسام العالم إلى عالمين, عالم شرقي بقيادة ما كان يسمى بالاتحاد السوفييتي, وعالم غربي بقيادة الولايات المتحدة, أخذت الدول الشيوعية في ذلك الوقت والدول النامية المستقلة حديثا تسن تشريعـات اقتصادية, الغاية منها الحد من تواجد الاستعمار بأي شكل من الأشكال, وكان من هذه الأشكال هو الاستثمار الاقتصادي, والمتمثل في الشركات الأجنبية المتواجدة على أراضي هذه الدول, والتي لديها امتيازات لاستغلال واستثمار الثروات الطبيعية, والمواد الخام الموجودة بهذه الدول, فانحسر الاستثمار الأجنبي المباشر, وعادت الأضواء إلى الأسلوب المستقل أو ما يسمى بالاستثمار غير المباشر عن طريق الوكالات والتمثيل التجاري والتوزيع...الخ, ولكن بصورة أكثر صرامة وشدة,وعادت بشكل منظم ومقلوب تحكمه وتنظمه قوانين واتفاقيات عالمية, فكانت الجات على النحو الذي رأينا عند استعراضنا للجات وخلفها منظمة التجارة العالمية. بعد بداية الثمانينات, وبشكل خاص, بعد أن اصبح العالم تقوده الولايات المتحدة, وتفكك ما كان يسمى بالاتحاد السوفييتي, إلى عدة دول أو دويلات, عادت الأضواء إلى الاستثمار المباشر, ولكن مع بقاء الاستثمارات غير المباشرة, تسير بخط متواز, وبنفس الزخم مع الاستثمارات المباشرة, ولكن ما الذي يدفع الدول والشركات التي تتبنى الاستثمار غير المباشر؟ لماذا الأسلوب المستقل؟ يتم اختيار الاستثمار الأجنبي غير المباشر أو الأسلوب المستقل, وتفضيله على الأسلوب الموحد من قبل الدول المتقدمة صناعيا, عادة, لأسباب عامة ومعروفة للجميع, وهذه الأسباب, منها ما يكون متعلقا بالقيود الجمركية المباشرة, وغير المباشرة المتمثلة في الرسوم المتعددة, والقيود المفروضة على الاستثمار المباشر, فكثير من الدول النامية, تحد أو لا تسمح بإنشاء شركات أجنبية على أراضيها, إلا بعد استيفاء شروط معينة كأن تكون المساهمة لمواطني الدولة لا تقل عن 51%, وقد يكون الأمر معكوسا, ففي بعض الدول المتقدمة صناعيا, تفرض بعض هذه الدول قيودا على الشركات, فيما يتعلق بالتصدير لبعض المنتجات, وبشكل خاص لما يسمى بالتكنولوجيـا المتقدمة والسلاح, وخير مثال على ذلك الولايات المتحدة حيث ترفض إعطاء ترخيص تصدير لبعض المنتجات والأنظمة فتعمد الشركات إلى أساليب استثمار غير مباشرة, وذلك لتصرف منتجاتها وخدماتها الفائضة. وكما نعرف, فإن أي شكل من أشكال الأسلوب المستقل أو أي آلية من آلياتـه, تحتاج إلى طرفين على الأقل, فالطرف الأول, هو ما يسمى بالطرف المانح, يكون بالعادة, شركة من الشركات المتعددة الجنسيات أو العابرة للقارات, والمتواجدة في الدول المتقدمة صناعيا, ونأمل أن يكون مضاربنا من ضمنها خلال فترة وجيزة, حيث تكون الشركة الأم أو الشركـة القابضة مركزها في تلك الدولة, والطرف الثاني هو الطرف المتلقي, وهو بالعادة شركة صغيرة أو متوسطة الحجم أو مضاربا مستثمرا أو تاجرا من الدول النامية, سواء كان تاجرا فردا أو شركة تجارية متخذة شكلا من أشكال الشركة المعروفة بقوانين الشركات, وهذه الشركة إما أن تكون متخصصة في مجال معين, أو تقوم بأعمال التجارة العامة, وهي متواجدة في دولة من دول العالم, وما دمنا جزءا من هذا العالم, ومن الشرق الأوسط, ومن مجلـس التعاون الخليجي, وبشكل أخص في دولة الإمارات, فإن تصنيفنا لأشكال هذا النوع من الاستثمار, سيكون بشكل مفصل, وفق قوانين دولة الإمارات, وبشكل أقل تفصيلا, وفقا لقوانين دول مجلس التعاون, نظرا للتشابه بينها, وبشكل عام أينما اقتضى الأمر والنص, وفق قوانين بعض الدول العربية, والشرق الأوسط, والدول الإسلامية, وأي دولة أخرى في العالم, وحسب ما يقتضي الحال, ولكن كما قلنا فإن بحثنا من الناحية القانونية لهذه الأشكال, سيكون مجملا عن دول الخليج. الآليات والأشكال إن الآليات والأشكال الخاصة بالأسلوب المستقل أو ما يسمى بالاستثمارات الأجنبية غير المباشرة تدور بشكل أو آخر حول الوكالة بصورة عامة, بدءا من وكالة الخدمات والوكالة الإدارية والوكالة التجارية وما في حكمها من وساطة وسمسرة إلى الوكالة بالعمولة, ووكالة العقود والتمثيل التجاري ووكالة التوزيع. بالإضافة إلى ما سبق, فإن تفصيل الأسلوب المستقل, قد يتعلق بخصوصية السوق نفسه, وبخصوصية المنتجات أو الخدمات, وبخصوصيـة الشركة نفسها, وبالتالي فإن جميع هذه العوامـل تجتمع مع بعضها البعض, بالإضافة إلى المزايا والسلبيات لكل أسلوب من الأساليب, وهو ما يتعين على الشركة الموازنة بينها, وتفضيل وترجيح أسلوب على آخر بناء على دراسة السوق. السوق إذا كانت الأسواق التي ترغب الشركة بالنفاذ إليها, مختلفة جغرافيا وثقافيا, وموزعة على أكثر من قارة أو إقليم أو منطقة, وكان الاختلاف بيـن الأسواق واضحا وظاهرا, وكان هناك عملاء وزبائن, يقومون بالشـراء بشكل متقطع, وبكميات وأسعار متدنية أو قليلة, وهو ما يعني أن العملاء غير منتظمين بشراء تلك المنتجات, مما يجعل القيام بعمليات استثمار مباشرة, والتواجد الفعلي بذلك السوق عن طريق الأسلوب الموحد أمرا مكلفا للشـركة أو المضارب. بالإضافة إلى ما سبق ذكره, فإن الدول المضيفة يبقى لديها قيود قانونية أو إدارية أو فنية على الأعمال والعمليات الأجنبية في سوقها الإقليمي, بالرغم من أن مبادئ واتفاقيات الجات التي تهدف إلى إزالة هذه القيود, وهـو ما يعني أن على الشركة الأجنبية, أن تنظر في الخيار الآخر, وهو الأسلوب المستقل, وبشكل خاص, إذا ما كان هناك قنوات توزيع من خلال وسطاء أو وكلاء أو موزعين مؤسسين تأسيسا جيدا, وملائما, ولهم الخبرة في تلك الأعمال, وحائزين على مستوى معين من الجودة. ويمكن أن يضاف إلى ما سبق أيضا, مسألة الثقافة من حيث تجانسها أو عدم تجانسها مع الثقافات الأخرى, حيث يلعب وجود موزع من نفس الثقافة, دورا مركزيا وهاما من حيث توفير شبكة من العلاقات والأمن والثقة به, بالنسبة للمستعمل النهائي, هذا من حيث السوق, ولكن ماذا بشأن المنتجات نفسها؟ المنتجات تكون منتجات الشركة في أحيان كثيرة, وفق نموذج معين, موحدة ومعممة بالنسبة لجميع الأسواق ولجميع الأذواق, وهو ما يعرف بـ Standard Product بحيث لا يكون هناك حاجة لتغيير المنتج باختلاف الأسواق, وعلى سبيل المثال كوكا كولا, فالمنتج واحد بأي سوق من الأسواق العالمية, وشفرات الحلاقة جيليت... وغير ذلك, بالتالي فإن عدم الحاجة إلى تعديل أو تغيير في مواصفات المنتج, وشكله, وعبوته, يجعل من تبني واستعمال الأسلوب المستقل أو الاستثمار الأجنبي غير المباشر, مفضل على الأسلوب الموحد أو الاستثمار المباشر.. حيث يقوم بتلك الأعمال الوكيل أو الموزع أو المرخص له. ومسألة وجود أو عدم وجود خدمة للمنتج, سواء قبل البيع أو بعده, أو كون خدمة ما بعد البيع غير ضرورية للمنتجات, تؤثر في اختيار الأسلوب, وفي هذه الحالة يكون الأسلوب المستقل, هو الأسلوب المفضل على غيره. قد لا تحتاج المنتجات إلى التخزين أو المخازن أو مواصفات معينـة, فتؤثر مسألة الحاجة إلى التخزين من عدمها في مسألة اختيار الأسلوب, وكذا الأمر بالنسبة لعمليات النقل, قد لا تحتاج المنتجات إلى عمليات نقل خاصة بها, أو قد تكون من المنتجات المخزنة في ذهن وذاكـرة المستهلك, والتي تسوق نفسها بنفسها, فإذا توافرت مثل هذه الخصائص في منتجات الشركة أو أحد منتجاتها, فإن الشركة تؤثر استعمال وتبني الأسلوب المستقل أو ما يسمى بأسلوب الاستثمار الأجنبي غير المباشر. بناء على ما سبق, فإن طبيعة المنتجات ونوعها, مسألة مهمة في القرارات الاستراتيجية الخاصة باختيار الأسلوب المفضل لدخول السوق. طبيعة وحجم الشركة قد تكون الشركة شركة ناشئة, وليس لها خبرة في الأسواق العالمية أو السوق المستهدف, كمضاربنا الذي مازال في مرحلة الطفولة, وليس له خبرة في العولمة. إن عدم توفر الخبرة في العولمة, والأسواق المستهدفة, يؤدي إلى تدني مستوى المصداقية والسمعة للشركة, وهو ما يعني, ألا خيار إلا بتعيين من يملك الخبرة, ومن له مصداقية, وسمعة, وتأثير على العملاء في السوق المحلي. وتؤثر موارد ومصادر الشركة في مسألة الاختيار بين الأسلوبين, فقد تكون الشركة ذات موارد محدودة أو غير متوفرة, لدخول الأسواق بشكل مباشر, عن طريق تأسيس شركات تابعة أو مكاتب بيع أو وحدات تجميع أو تخزين, وجميع هذه المسائل يرافقها استثمارات ومصاريف, قد تصل في بعض الأحيان إلى مبالغ كبيرة. بالتالي, فإن استعمال الأسلوب المستقل, يكون ملائما في هذه الحالات, وذلك عن طريق تعيين موزع أو وكيل أو مرخص له. ثانيا: آليات الأسلوب المستقل الوكالة المدنية من المعروف, أن الوكالة, عقد من العقود الواقعة على العمل, وقد نصت عليها معظم القوانين المدنية والتجارية في العالم, وفي الدول العربية والإسلامية, ومن ضمنها قانون المعاملات المدنية بالامارات رقم 5 لسنة 1985 في المواد من (924) إلى (961) حيث تضمنت هذه النصوص تعريف عقد الوكالة, وشروط صحتها وأنواعها, كالوكالة المطلقة والمقيدة, والعامة والخاصة, والمعلقة على شرط, والمضافة إلى وقت في المستقبل, وبعد ذلك نظمت هذه النصوص آثار الوكالة, ومنها التزامات الوكيل, كصلاحية التصرف, وبذل العناية في التنفيذ, وإعلام الموكل بالمعلومات اللازمة والضرورية, وتنظيم أعمال تعدد الوكلاء, والوكالة بالخصوص, وصلاحية توكيل الغير, وإضافة التصرف إلى الموكل, وحقوق عقد الوكالة, والغاية منه, وصلاحيات الوكيل بالقبض أو بالحقوق, وتصرفات الوكيل بالبيع, ثم نص فيما بعد على التزامات الموكل, وهي أداء الأجر, والوفاء بالنفقات والحقوق وضمان الضرر, وأخيرا نص على كيفية إنهاء الوكالة, وذلك بإتمام العمل, أو بانتهاء المدة, أو وفاة الموكل أو عزل الوكيل من قبل الموكل. وأحكام عقد الوكالة في قانون المعاملات المدنية الإماراتي, مستمدة, من القانون المدني الأردني, والمستمد بدوره من مجلة الأحكام العدلية, التي كانت سارية في عهد الإمبراطورية العثمانية, ونصت مصادر الشريعة الإسلامية على الوكالة؛ فالوكالة في الشريعة الإسلامية جائزة سواء بالقرآن الكريم أو الحديث الشريف ولا يكاد يخلو قانون أي دولة في العالم من تنظيم الوكالة, فهي من المسائل الضرورية لحياة الناس, فالحاجة داعية إليها, ولأنه لا يمكن لكل واحد فعل ما يحتاج إليه, ولهذا, فلقد أجمعت الأمة عليها (المذكرة الإيضاحية لقانون المعاملات المدنية بالامارات), وبالتالي فلا غنى عن الأسلوب المستقل, فالعمل من خلال وسطاء ووكلاء ليس اكتشافا غربيا أو جديدا, فهو موجود وقديم قدم الإنسان على هذه الأرض. تنطبق الوكالة على النحو المتقدم على التصرفات والأعمال المدنيـة, ولكن ليست الأعمال التجارية, فالوكالة التجارية تختلف أحكامها, لكونها تتعلق بأمور تجارية, ومعلوم أن اعتبار العمل تجاريا, يرتب التزامات أكثر مما لو اعتبر مدنيا, وينظم أحكام الوكالة التجارية قانون الوكالات التجارية, والقانون التجاري, أو ما يسمى بقانون المعاملات التجارية, ولكـن فيما لو وجدت مسألة, ولم يوجد نص يحكمها في قانون الوكالات التجارية, أو القانون التجاري, أو قانون المعاملات التجارية, فإن القوانين المدنية أو قانون المعاملات المدنية, بوصفه الشريعة العامة للقوانين, يصبح واجب التطبيق, وترد المسألة إلى نصوص قانون المعاملات المدنية لمعرفة حكمها فيه, وهذا ما يجعلنا, نلقي نظرة سريعة على أحكام الوكالة في قانـون المعاملات المدنية, فيما بعد. الوكالة التجارية كان لا بد من التعريف بالوكالة بشكل عام, ولتمييزها عن الوكالة التجارية, ومعروف أن مدار بحثنا, هو الوكالة التجارية بصورها المختلفة, كآلية من آليات الأسلوب المستقل أو ما يسمى بالاستثمار الأجنبي غير المباشر, والتي تعتبر بحق هي أكثر الآليات المعروفة والمحببة, لدى المستثمرين في العالم وفي الشرق الأوسط, والخليج العربي تحديدا, وخصوصا أن قوانين الوكالات التجارية في معظم هذه الدول, تجمع على أن من يمارس هذا النشاط, يجب أن يكون من رعايا الدولة ذاتها, وهو ما يحقق الحماية القانونية للسوق الوطنية, ويحقق للوكلاء أيضا الحماية التجارية, عن طريق قطع الطريق أمام المنافسين الأجانب على مزاولة هذه الأعمال, إن مزاولة أعمال الوكالة التجارية, قد يكون لها مردود مادي جيد للوكيل, ولكن مردودها المادي بالنسبة للاقتصاد القومي ليس بالكثير, حيث أنها تنمي الاقتصاد التجاري الهامشي, وليس الاقتصاد الصناعي الحقيقي, وقد تتعرض لكثير من الانتقادات التي تصنفها بغير حق تحت بند الاحتكار, وهذا يجعل بعض الأصوات تنادي بإلغاء الوكيل الحصري والوحيد لتعارضه مع اتفاقيات الجات, وهو برأينا ليس كذلك. من الممكن الاستفادة من أعمال الوكالة في أنموذج مضاربنا, فإنها من الممكن, أن تنقله من مركز المتلقي الوكيل, إلى مركز المنتج المانح, ومن الموزع إلى المنشأ, ومن المنشأ إلى القيام بأعمال التجميع, ومن التجميع إلى الابتكار والتصنيع, فهناك نماذج كثيرة, استطاعت أن تنتقل مـن تاجر إلى وكيل إلى مصنع, ونعتقد أن هذه المسألة تحتاج إلى رؤية استراتيجية طويلة, يجب أن تكون في ذهن وذاكرة مضاربنا. من المعروف أن الوكالة التجارية بجميع أنواعها وصورها سواء كانت الوكالة بالعمولة, ووكالة العقود أو وكيل المبيعات ووكالة التوزيع, والممثل التجاري, والسمسار, وجميع هذه الأنواع تدور بفلك الوكالة التجارية وأعمال التوسط, والتي تدعو إليها الحاجة العملية, فلا يعقل أن يقوم مستثمر أو تاجر بجميع أعماله, وخصوصا إذا ما كان كيان اقتصادي صناعي ضخم, على شكل شركة مصنعة لمنتجات, أو تقدم خدمات, أو شركة مقاولات....الخ, فالأسواق كبيرة, وكثيرة, وبعيدة, وتكلفة إنشاء فروع أو وحدات تسويقية تابعة للشركة الأم مكلفة, واستخدام مسوقين وبائعين أمر مكلف, والقيود القانونية على تأسيس مثل هذه الوحدات في الدول النامية, كثيرة ومتعددة, وهذا ما يجعل آلية الوكالة التجارية, من أشهر آليات الاستثمار غير المباشر سواء بين الدول الصناعية, وهي الدول المانحة, أو الدول النامية, وهي الدول المتلقية. ولتمييز الوكالة التجارية عن غيرها بالنسبة للوكالات غير التجاريـة ـ ولا مشاحة من التسمية ـ فالأولى أن نسميها وكالات مدنية, ولكنها ليست بوكالات مدنية, بل هي وكالات من نوع خاص, والتي سنتعرض لها في هذا الفصل, والوكالات غير التجارية, عدة أنواع, وإن كانت تلتقي عند مضمـون واحد, ومنها وكالة الخدمات الوطنية (الكفالة سابقا) ووكالة الخدمات المحلية, وتنفرد بهذا المفهوم بعض الدول الخليجية, كدولة الإمارات العربية المتحدة, والمملكة العربية السعودية, ومضمون هذه الوكالات, أن الوكيل غير مسئول عن الديون والالتزامات, ولا يقوم بأي أعمال, إلا ببعض الخدمات المتعلقة بالرخصة, وتأشيرات العمل والزيارة, وقد أوجب القانون تعيين وكيل مواطن بالنسبة للشركة الأجنبية, الراغبة بفتح فرع لها بالدولة, أو مكتب تمثيل, ووكيل خدمات محلي, بالنسبة للمهنيين والحرفيين الأجانب, الراغبين بالاستثمار في إمارة من إمارات الدولة, فتنظمها الأوامر المحلية, من حيث تعيين وكيل الخدمات. من المعروف أن الوكالة التجارية بجميع أنواعها وصورها سواء كانت الوكالة بالعمولة, ووكالة العقود أو وكيل المبيعات ووكالة التوزيع, والممثل التجاري, والسمسار, وجميع هذه الأنواع تدور بفلك الوكالة التجارية وأعمال التوسط, والتي تدعو إليها الحاجة العملية, فلا يعقل أن يقوم مستثمر أو تاجرا بجميع أعماله, وخصوصا إذا ما كان كيان اقتصادي صناعي ضخم, على شكل شركة مصنعة لمنتجات, أو تقدم خدمات, أو شركة مقاولات....الخ, فالأسواق كبيرة, وكثيرة, وبعيدة, وتكلفة إنشاء فروع أو وحدات تسويقية تابعة للشركة الأم مكلفة, واستخدام مسوقين وبائعين أمر مكلف, والقيود القانونية على تأسيس مثل هذه الوحدات في الدول النامية, كثيرة ومتعددة, وهذا ما يجعل آلية الوكالة التجارية, من أشهر آليات الاستثمار غير المباشر سواء بين الدول الصناعية, وهي الدول المانحة, أو الدول النامية, وهي الدول المتلقية. ولتمييز الوكالة التجارية عن غيرها بالنسبة للوكالات غير التجارية ـ ولا مشاحة من التسمية ـ فالأولى أن نسميها وكالات مدنية, ولكنها ليست بوكالات مدنية, بل هي وكالات من نوع خاص, والتي سنتعرض لها في هذا الفصل, والوكالات الغير تجارية, عدة أنواع, وإن كانت تلتقي عند مضمـون واحد, ومنها وكالة الخدمات الوطنية (الكفالة سابقا) ووكالة الخدمات المحلية, وتنفرد بهذا المفهوم بعض الدول الخليجية, كدولة الإمارات العربية المتحدة, والمملكة العربية السعودية, ومضمون هذه الوكالات, أن الوكيل غير مسئول عن الديون والالتزامات, ولا يقوم بأي أعمال, إلا ببعض الخدمات المتعلقة بالرخصة, وتأشيرات العمل والزيارة, وقد أوجب القانون تعيين وكيل مواطن بالنسبة للشركة الأجنبية, الراغبة بفتح فرع لها بالدولة, أو مكتب تمثيل, ووكيل خدمات محلي, بالنسبة للمهنيين والحرفيين الأجانب, الراغبين بالاستثمار في إمارة من إمارات الدولة, فتنظمها الأوامر المحلية, من حيث تعيين وكيل الخدمات. قبل البدء باستعراض أحكام الوكالة التجارية, وصورها المتعددة, و أن نميز بين الوكالة التجارية وأنواعها المتعددة, ينبغي أن نميز بين الوكالة التجارية وصورها من جهة, وما يسمى بوكالة الخدمات الوطنية, والتي كانت سابقا تسمى (كفالة) , وذلك لإزالة اللبس والغموض, الذي قد يحدث في ذهن القارئ, وكذلك سوف نميز ونستعرض, بشكل سريع أيضا الوكالة بالنسبة للإدارة أو ما يطلق عليها بمشكلة أو معضلة الوكالة: وهي النزاع والخلاف والتعارض ما بين الإدارة والمساهمين, ومسئولية الإدارة كوكلاء عن المساهمين أو الشركة, وهي مسألة ذات أهمية بالغة في الوقت الحاضر, نظرا لازدياد عدد الشركات المساهمة والشركات ذات المسئولية المحدودة. ونبدأ أول ما نبدأ, بمراجعة نظام (وكالة الخدمات الوطنية) . تنفرد دولة الإمارات العربية المتحدة, بشكل خاص, ودول الخليج بشكل عام, بما يسمى بنظام (الكفالة) , وهو باختصار ضرورة أن يكون للشخص الأجنبي- سواء كان شخصا طبيعيا أو شخصا معنويا- والذي يرغب بالاقامة بالدولة من أجل العمل أو لغاية أخرى, كفيل من أحد مواطني الدولة, ولمزيد من الإيضاح ولإزالة اللبس ولتمييز الكفالة عن الكفالة المعروفة بالقوانين المدنية, فإنه ينبغي أن نعرف أن كلمة (كفيل) باللغة العربية لها دلالة أخرى حسب نص المادة (1056) من قانون المعاملات المدنية, وهي (ضم ذمة شخص هو الكفيل إلى ذمة المدين في تنفيذ التزامه) وعليه ينبغي أن نفرق بين كلمة Sponsor وبين كلمة Guarantor , وكان ينبغي أن تترجم كلمة Sponsor باللغة الإنجليزية إلى كلمة (مكافل) باللغة العربية وليس (كفيل) والمكافل كما وردت بالقاموس المحيط تعني (المجاور المحالـف المعاهد) وهذا برأينا يستقيم مع معنى كلمة Sponsor ومركزه التعاقدي والقانوني, وكان على المترجمين أن يراعوا ذلك, وخصوصا أن اللغة العربية, تضيق من نطاق الترادف, وتوسع من التغاير فيكون الأساس هو التغاير وليس الترادف. بالرغم من تفرد هذه الدول بهذا النظام, فإننا لا نقوم ببحثه من الناحية التاريخية وتطوره التاريخي, ولكن ما ينبغي التنويه إليه في هذا المجال, أن هناك عدة اعتبارات اجتماعية واقتصادية وتاريخية وتنظيمية وسياسية, أدت إلى إفراز هذا النظام الفريد من نوعه وإن كنا قد بحثنا هذا الموضوع بشكل مفصل وعلى أساس بحث علمي من ناحية إدارة علاقة الوكيل (الكفيل) بالشركة الأجنبية في رسالة ماجستير بالإدارة العامة. ما ينبغي الإشارة إليه, أن هناك اختلافات في مسألة هذه الوكالة بيـن دول الخليج, وسوف نشير هنا إلى دولة البحرين والمملكة العربية السعودية بشكل عابر, ثم سيكون بحثنا منصبا على دولة الإمارات العربية المتحدة. بالنسبة لدولة البحرين, فلقد نصت المادة 281 فقرة 7 من البند 1 من قانون الشركات البحريني, الصادر بالمرسوم رقم 28 لسنة ,1975 بأنه يتوجب أن يكون للشركة الأجنبية, وكيل بحريني تاجر سواء كان فردا أو شركة, ويكون هذا الوكيل -كفيلا لها- ولم تبين هذه المادة مسئولية الكفيـل, وهو ما يعني أن مسئوليته مطلقة, لأن المطلق يجري على إطلاقه. أما بالنسبة للملكة العربية السعودية, فلقد نصت المادة (1) من اللائحة التنفيذية لنظام الوكالات التجارية, على أنه (بالنسبة لوكالات الخدمات المقصورة, في نظام العلاقة بين المقاول الأجنبي ووكيله السعودي, فينطبق بشأنها الأحكام المدونة بالنظام المذكور ثم عاد وزير الاقتصاد, وقرر بالقرار الوزاري بشكل صريح, على أن تخضع وكالات الخدمات التجارية للأحكام المنصوص عليها في نظام الوكالات التجارية, وهذا لا يعني أن الخدمات غير التجارية مشمولة بنظام الوكالات التجارية.) إن أهمية هذا النظام, تنبع من حقيقة, أن دولة الإمارات العربية المتحدة وغيرها من دول الخليج, هي دول جاذبة للاستثمارات وللعمالة الفنية وغير الفنية, ويكاد يكون مستحيلا على أي شركة أجنبية أو مستثمر أجنبي, أن يؤسس عملا أو نشاطا تجاريا أو أن يفتح فرعا لشركته, بدون الدخول مع أحد مواطني الدولة سواء كان شخصا طبيعيا أو شركة مملوكة بالكامل لمواطني الدولة, بعلاقة تعاقدية, وقد أصبحت هذه العلاقات التعاقدية تعـرف بما يلي: ـ اتفاقية وكالة الخدمات الوطنية, بشأن فروع الشركات الأجنبية وقد كانـت تسمى في السابق باتفاقية الكفالة. ـ اتفاقية تعيين وكيل خدمات محلي بِشأن الحرفيين والمهنيين. سوف يقتصر بحثنا في هذا الموضوع على ما يلي: ـ اتفاقية تعيين وكيل خدمات محلي. ـ اتفاقية الوكالة الوطنية. ـ عدم مسئولية الكفيل. ـ مسئولية الكفيل. ـ التوفيق بين المسئولية وعدم المسئولية, وإزالة التعارض بين النصـوص (بين المسئولية وعدم المسئولية). ـ الأساس القانوني لهذا التوفيق. اتفاقية تعيين وكيل خدمات محلي ينظم (اتفاقية تعيين وكيل خدمات محلي) قوانين وأوامر محلية خاصة, بكل إمارة معينة, كالأمر المحلي رقم (63) لسنة 1991 في شأن ترخيص المهنيين والحرفيين في إمارة دبي, وتقتصر على الأشخاص الطبيعيين من ذوي الاختصاص بحرفة أو مهنة معينة, وتقوم على عمل اتفاق بين شخص طبيعي أجنبي, وشخص مواطن بموجب اتفاقية تسمى (اتفاقية تعيين وكيل خدمات محلي) أو بين عدة أشخاص طبيعيين أجانب, يؤسسون بينهم شركة أعمال مدنية تخضع لقانون المعاملات المدنية, وتقتصر أعمال وكيل الخدمات المحلي, على المساعدة بالخدمات اللازمة, لاستخراج الترخيص, واستخراج تأشيرات العمل, وغيرها من الأذونات مـن بعض الدوائر, ولا يسأل الوكيل عن أي التزامات مالية, ويكون ذلك مقابل نسبة معينة من الأرباح أو مبلغ سنوي مقطوع. قد يدور سؤال حول مسئولية الوكيل, هل وكيل الخدمات المحلي غير مسئول قانونا؟ هذا السؤال الذي سنجيب عنه, بعد استعراض اتفاقية الوكالة الوطنية, وذلك نظرا لأوجه الشبه بين الوكالة الوطنية واتفاقية تعييـن وكيل خدمات. اتفاقية الوكالة الوطنية لفرع شركة أجنبية بالنسبة لاتفاقية الوكالة الوطنية, فإن المادة (314) من القانون الإماراتي الاتحادي الخاص بالشركات التجارية رقم 8 لسنة ,84 وتعديلاته, ينظم مسألة ترخيص الشركات الأجنبية ويحدد شروط الترخيص, ومن ضمن الشروط التي تضمنتها المادة المذكورة, أن يكون للشركة الأجنبية وكيل مواطن (.... ويشترط لمنح الترخيص المذكور أن يكون للشركة وكيل من مواطني الدولة, فإذا كان الوكيل شركة, فيجب أن يكون لها جنسية الدولة وجميع الشركاء فيها من المواطنين, وتقتصر التزامات الوكيل تجاه الشركة والغير على تقديم الخدمات اللازمة للشركة دون تحمل أية مسئولية أو التزامات مالية تتعلق بأعمال الشركة أو نشاط فرع الشركة أو مكتبها في الدولة أو الخارج....) . قد لا يكون استعمال لفظ وكيل بالمعنى الذي قصده المشرع, استعمالا موفقا, حيث أن مدلول لفظ (وكيل) قد ينصرف إلى الوكالات التجارية, سواء كانت وكالة عقود أو وكالة العمولة أو وكالة توزيع أو وكالة مبيعات, وهي جميعها عبارة عن صور لعقد الوكالة, وبالتالي كان ينبغي عدم استعمال لفظ (وكيل) واستعمال لفظ (مكافـل) , والذي يعني المعاقد المعاهد كما جاء بالقاموس المحيط. ووضح من النص المذكور آنفا, أن الوكيل المواطن غير مسئول عن أي التزامات مالية, تتعلق بأعمال الشركة داخل الدولة أو خارجها. انتفاء مسئولية الكفيل (الوكيل الوطني في الواقع أن النص المذكور آنفا, وكذلك النصوص القانونية الأخرى في القوانين المحلية والأوامر المحلية, المنظمة لما يسمى (بوكيل الخدمات المحلي للمهنيين والحرفيين) يقطع بشكل واضح, أن الكفيل غير مسئول عن ديون والتزامات فرع الشركة الأجنبية, أو المستثمر الأجنبي وهذه نصوص حملت كثيرا من الناس, وخصوصا المستشارين القانونيين الأجـانب المتواجدين بالدولة, على الجزم أن الوكيل المواطن ووكيل الخدمات (الكفيل) , لفرع الشركة أو مكتب التمثيل غير مسئول بشكل مطلق, وأدى ذلك عند مناقشة بنود أي اتفاق, وخصوصا بند المقابل, الذي يتسلمه المواطن نظير الكفالة, إلى تخفيض المقابل, بحجة أنه غير مسئول عن أي شيء, بموجب نص المادة 314 من قانون الشركات التجارية الإماراتي. قد يكون هذا صحيحا, بالنسبة للأعمال التي تقوم بها الشركة أو الشخص الأجنبي (المستثمر) مع الغير من القطاع الخاص والتعاملات اليومية في السوق, ولكنه بالتأكيد ليس صحيحا بالنسبة لعلاقة فرع الشركة الأجنبية أو المستثمر الأجنبي مع الهيئات, والدوائر الحكومية المحلية, والوزارات الاتحادية, حيث أن مراجعة النصوص القانونية, تشير إلى أنه مسئول ليس فقط ماليا, بل أيضا جزائيا, فكيف نستطيع أن نوفق بين هذا التعارض بخصوصية مسئولية الكفيل؟ مسئولية الكفيل (الوكيل الوطني) باستعراض القانون الاتحادي رقم (6) لسنة 1973م في شأن الهجرة والاقامة, نجد أن المادة (16) تلزم الشخص الذي يستخدم أجنبيا, أن يقدم إلى دائرة الهجرة أو الشرطة إقرارا على نموذج معين خلال 48 ساعة من وقت التحاق الأجنبي بخدمته. وتقرر المادة (12) من القرار الوزاري رقم (17) لسنة 1976م, في شأن تجديد وإصدار تأشيرات وأذونات الدخول وإجراءات منحها, الشروط الواجب توفرها, ومن ضمنها, أن يكون له- أي (للأجنبي) كفيل مقيم في البلاد سواء كان مواطنا أو أجنبيا. وتحدد المادة (13) من نفس القرار المذكور آنفا, التزامات