شهدت الصحافة المالية الامريكية مؤخراً زيادة كبيرة في الاحصائيات الجديدة التي تظهر ان الاقتصاد الامريكي بدأ في التباطؤ. غير ان هناك بعض المخاطر التي تنتظر ليس فقط الاقتصاد الامريكي وانما الاقتصاد العالمي برمته الذي يعتمد على صحة الاقتصاد الامريكي. وتقول التقارير ان ارتفاعا آخر في معدل الفائدة قد يتسبب بتحول مفاجىء غير متوقع, وفقاً لمصدر في وزارة المالية. ودار صراع خلف الكواليس حول مقدار رفع معدلات الفائدة أو في الواقع حول ما إذا كان يتوجب رفع معدل الفائدة من اصله. وهل سيكون لذلك تأثيراكثرضرراً مما هو متوقع ام لا. غير ان الصراع الرئيسي كان بين اولئك الذين يريدون زيادة كبيرة اخرى وبين اولئك الذين يعارضونها. وقد ذكر احد خبراء الاقتصاد البارزين ان الصراع الرئيسي هو بين اولئك الذين يريدون زيادة في الفائدة بمعدل 0.25% فقط مقابل (صقور التضخم) الذين يريدون زيادة بمعدل 0.5%. وقد برزت مجموعة اخرى وهي اقلية في الاحتياطي الفيدرالي تذهب إلى القول بأن (التضخم قيد السيطرة) وانه ينبغي ألا تكون هناك زيادة في هذا الوقت. ومن اجل الفهم الكامل لآلية عمل هذه العملية من الضروري فهم حقيقة ان قرار الاحتياطي الفيدرالي يعتمد على النشرات الحكومية للاحصائيات الاساسية. وهذه الاحصائيات تتراوح بين مؤشر اسعار المستهلك وانتاجية العمل والنفقات ونفقات الطاقة والغذاء والناتج الصناعي وارباح الانتاجية والناتج المحلي الاجمالي. ويؤخذ بعين الاعتبار ايضاً تأثير (الاقتصاد الجديد) على الاقتصاد الكلي وكذلك تأثير العجز التجاري وقيمة الدولار وتدفقات رأس المال على أسواق الاسهم واسواق الائتمان من بين اسواق اخرى. ومن وجهة النظر المتعلقة بالتضخم, اي النفقات على المستهلكين, فإن أهم مؤشر هو مؤشر اسعار المستهلك. ومؤخراً نشرت وزارة العمل ووزارة التجارة في الولايات المتحدة ارقام مؤشر اسعار المستهلك لشهرمايو الماضي. وللوهلة الاولى اظهر المؤشر ان اسعار المستهلك الامريكية ارتفعت اقل من المتوقع في مايو. لقد كسب مؤشر اسعار المستهلك بالكاد 0.1% بعد عدم التغيير الذي اظهره في ابريل, وفقاً لوزارة العمل الامريكية. وعلى الرغم من ان مؤشر اسعار المستهلك ارتفع مقارنة بعام مضي بنسبة 3.1%, الا انه عندما اصدرت وزارة العمل احصائيات فبراير السنوية كان مؤشر اسعار المستهلك قد زاد بنسبة 3.7%. وهذا يعني انه كان هناك انخفاض بنسبة 0.6% في مؤشر اسعار المستهلك منذ فبراير. وبحسب مصدر في مجلس الاحتياطي الفيدرالي الواعي للتضخم, فإن المجلس يرى ارقام مؤشر اسعار المستهلك على انها تشير بوضوح إلى ان التباطؤ بدأ يأخذ مجراه. ووفقاً للين ريزر, كبيرة الاقتصاديين في ادارة (بنك اوف امريكا كابتال) فإن (التضخم يظل مقيداً. فالشركات لا تزال تواجه مقاومة كبيرة لرفع الاسعار في السوق) . ان كون احصائيات مؤشر اسعار المستهلك اخفض مما كان متوقعاً لشهر مايو إلى جانب البيانات التي تظهر تباطؤاً في المبيعات المتعلقة بالمنازل والسيارات والسلع الاستهلاكية الاخرى وانخفاضاً في عدد الوظائف التي توجدها الشركات الامريكية فإن هذا من شأنه ان يمنح صناع السياسة في الاحتياطي الفيدرالي سبباً كافياً للامتناع عن رفع الاسعار هذا الشهر. واضافت ريزر إلى ملاحظاتها ان (الارقام الموحدة تظهر اقتصاداً متوسط الحجم, الامر الذي يبقي الاحتياطي الفيدرالي على اهبة الاستعداد) . وعلى نحو مهم, قالت وزارة العمل في تقرير متصل بالموضوع ان متوسط الاجور الاسبوعية المعتدلة للتضخم انخفض في مايو بمعدل 0.3% بعد ارتفاعه في ابريل بمعدل 0.4%. وهي علامة جيدة على ان التضخم يتناقص. وبالاضافة إلى ذلك, فإن اسعار الطاقة التي تستحوذ على حوالي عشر مؤشر اسعار المستهلك انخفضت بمعدل 9.1% في مايو في أعقاب انخفاض مماثل في شهر ابريل. ومن جهة اخرى, فان أسعار البنزين المثيرة للجدل ارتفعت بمقدار خمسة سنتات لتصل الى متوسط 5.1 دولار للجالون الواحد في مايو. وهذا المؤشر على زيادة هامشية يأتي على الرغم من الارتفاع في اسعار النفط الخام خلال العام الماضي والتي تضاعفت تقريباً. ومع ذلك, فان أسعار البنزين لاتستحوذ سوى على ما يزيد قليلاً عن 3% من مؤشر أسعار المستهلك. ويعتبر مؤشر أسعار المستهلك أوسع مقياس حكومي للنفقات بالنسبة للسلع والخدمات. فحوالي 55% من مؤشر اسعار المستهلك تغطي الاسعار التي يدفعها المستهلك للخدمات التي تتراوح بين الزيارات الطبية واجرة الركوب في الطائرات وتذاكر لحضور الافلام السينمائية. أما السلع التي تتراوح بين الغذاء والملابس والسيارات واللوازم فتستحوذ على الباقي. ومن هذه الاحصائيات الجديدة, نجد ان أسعار المواد الغذائية التي تستحوذ على حوالي 20% من مؤشر أسعار المستهلك ارتفعت بنسبة 5.0% في مايو بعد ان ارتفعت بنسبة 1.0% في الشهر الذي سبقه. وفي التصنيفات الاخرى, ارتفعت نفقات الرعاية الطبية بمعدل 3.0% ولم تتغير المشتريات من العقاقير بينما ارتفعت نفقات الاسكان بمعدل 3.0% ونفقات المواصلات انخفضت بمعدل 5.0%. الانتاجية الصناعية ان الأمر الذي فاجأ جميع الاقتصاديين البارزين هو ان الانتاج الصناعي حقق زيادة في شهر مايو على نحو يعاكس توقعات عدد من التقارير الاقتصادية الاخرى التي تظهر نمواً أبطأ. وقال الاحتياطي الفيدرالي ان انتاج المصانع ومؤسسات النفع العام والمناجم ارتفع بمعدل 4.0% في مايو متباطئاً عن مكسب الـ 7.0% الذي حققه في ابريل, إلا انه مع ذلك يظل أعلى مما كان متوقعاً. وكان اقتصاديون جرى استطلاع رأيهم من قبل شركة تحليلات مالية تدعى تومسون جلوبال ماركتس قد تنبأوا بأن ينخفض الانتاج بمعدل 3.0% في مايو. ان ما يذهب اليه اولئك الاقتصاديون الان هو ان البيانات الجديدة التي نشرها الاحتياطي الفيدرالي توحي بأن نشاط التصنيع سيشعر بالأثار الكاملة لزيادات الاحتياطي الفيدرالي لمعدل الفائدة خلال العام الماضي. وان الأمر الذي ربما لايقيسه هؤلاء الاقتصاديون على نحو ملائم حسب مصدر في الاحتياطي الفيدرالي تأثير التقنيات الجديدة على التحسين الكلي لانتاج التصنيع. فقد ارتفع الانتاج في المصانع بنسبة 3.0% في مايو مع زيادة الانتاج من السلع المتينة بنسبة 7.0% حتى عندما انخفض انتاج السلع غير المتينة بنسبة 2.0%. وقد صدم قطاع التعدين العديد من الخبراء والذي شهد زيادة في الانتاج بنسبة 3.0% وعلاوة على ذلك, فان نسبة الطاقة الصناعية الكلية قيد الاستخدام ظلت ثابتة عند 1.82% من أصل 100%. وأظهرت تقارير الانتاجية الصناعية لشهر مايو ان استغلال مصنع ما لطاقته أو المعروفة فنياً باسم (استغلال الطاقة) في معظم مناطق الولايات المتحدة يستمر في كونه تحت المستويات التي (كانت تقليدياً مصحوبة بتضخم مرتفع) وتوحي معدلات الاستغلال البالغة أقل من 82% ان المصنعين لديهم مجال كاف لزيادة الانتاج دون التسبب في تأخيرات في الانتاج أو إعاقات له. وهذه المسألة في التصنيع تعتبر في صميم الجدل الدائر في الولايات المتحدة حول (ما يسبب التضخم وتأثير الاقتصاد الجديد على قطاع التصنيع) . وقد تحدث المحافظ لورنس ماير من الاحتياطي الفيدرالي في نادي بوسطن للاقتصاد حول مسألة (الاقتصاد الجديد يلبي الطلب) . وفي خطابه الذي اصدر فيه انكارا يقول: (دعني اذكركم بأن الآراء التي تم التعبير عنها حول استشراف المستقبل وحول السياسة النقدية هي آرائي. وانا لا أتحدث بالنيابة عن مجلس المحافظين او اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة. ومضى ماير يقول: (إن مختبرنا للاقتصاد الجديد هو الولايات المتحدة مع الاخذ بعين الاعتبار ان هناك دليلاً ضئيل خارج الولايات المتحدة على وجود حتى هذه التعريفات الصنيعة للاقتصاد الجديد) . وقال ماير ان (هناك تعريفات اوسع واضيق للاقتصاد الجديد. فالنسخة الضيقة تعرف الاقتصاد الجديد من حيث تطورين رئيسيين: أولا, الزيادة في الحد الاقصى لمعدل النمو الثابت للاقتصاد, وثانيا, الانتشار وازدياد اهمية تقنية المعلومات والاتصالات. ويفترض ان يكون الاخير هو المساهم الرئيسي في تسريع انتاجية العامل, وذلك بالمقابل, هو المصدر الرئيسي للزيادة في النمو الشائع في الناتج المحلي الاجمالي الحقيقي. والتطور الثا لث ذو العلاقة هو زيادة ممكنة في معدلات الاستغلال الثابتة للاقتصاد, وخاصة انخفاض في معدل التضخم غير المتسارع للبطالة. ان ما يتحدث عنه ماير هو وجهة النظر التي يثيرها دائما حول تأثير التقنية الجديدة على الناتج المحلي الاجمالي الحقيقي وتأثيرها على العمالة كذلك. ويمضي في خطابه قائلا: (إنه لايزال هناك شك كبير حيال النمو الشائع في الانتاجية بما في ذلك احتمال ما اذا كان يتسارع, خاصة اذا ما أخذنا بعين الاعتبار الفترة القصيرة التي شهدت نموا عاليا ومتصاعدا للانتاجية الهيكلية. وتعمل اسئلة مهمة حول قياس الانتاجية على مفاقمة هذا الشك) . وهناك ايضا شك كبير حول كم من الوقت سيستمر نمو الانتاجية العالي. فعلى سبيل المثال, يمكن فهم الفترات التي تشهد نموا اكثر سرعة بأفضل صورها على انها تحول الى مستوى اعلى من الانتاجية التي تعتمد على تطورات تقنية رئيسية. وتعتبر مسألة المثابرة أكثر أهمية لتقييم الآفاق المالية على مدى اطول ـ بما في ذلك ايفائية الضمان الاجتماعي ـ من اهميتها لقرارات السياسة النقدية التي يتم اتخاذها في اطار عام او عامين) . وبعبارة اخرى, هل يعنى المعدل الحالي العالي للنمو في اقتصاد الولايات المتحدة ان الولايات المتحدة تعمل على تحويل نفسها من دولة ذات اقتصاد يعتمد على قاعدة صناعية الى دولة يعتمد اقتصادها على التقنية العالية تشكل فيها تقنيات الكمبيوتر والاتصالات وتقنيات (المعرفة المكثفة) الاخرى جوهر الاقتصاد بكامله. ومع الاخذ بعين الاعتبار التحسينات الجارية في الانتاجية فإن المستفيد كان التحسن الهائل في قاعدة الضرائب الامريكية الذي ولد فائضا في الموازنة الحكومية مما اتاح لبرنامج التقاعد المعروف باسم الضمان الاجتماعي ان يواجه مستقبلا اكثر ثقة. لكن اذا كانت هذه الحسابات خاطئة, فان العواقب على الاقتصاد الحقيقي والتأثير على الاقتصاد العالمي سيكونان هائلين.