على الرغم مما يبدو في الظاهر اليوم بأن الحديث عن ضرورات التكامل الاقتصادي العربي يكاد يكون من باب التمنيات ليس الا, فاننا نجد ان هذا الحديث بات اكثر الحاحا وضرورة اليوم اكثر من أي وقت مضى. بل انه يرتقي في مستوى اهميته الى مستوى ما تواجهه الاقطار العربية من تحديات جسيمة. وعلى الرغم من ان هذه الاهمية تشمل جميع هذه الاقطار دون استثناء, الا ان اللافت للنظر, وعلى غير ما يبدو في الظاهر هذه المرة, ان هذه الاهمية تزداد وتتضاعف عند الحديث عن الدول الخليجية العربية وذلك يعود الى جملة من المعطيات والحقائق السياسية والاقتصادية والاجتماعية. فمن المعروف أن التجارة البينية بين دول مجلس التعاون لا تزال متواضعة. وكما هو معروف أيضا فان أحد أسباب ضعف نسبة التجارة البينية الخليجية هو التركيبة السلعية الخليجية وتشابه السلع المنتجة في بلدان المجلس. ويعزا ضعف التبادل التجاري بين دول المجلس ايضا لوجود معوقات عديدة تقف في طريق انسياب التجارة وتقوم لجنة التعاون التجاري ولجنة التعاون الصناعي بدراستها وتقديم المقترحات لمعالجتها. كما ان عدم اعتماد التعرفة الخارجية الموحدة حتى الآن هو بلا شك عقبة رئيسية وذات تأثيرات سلبية على التجارة الخارجية وهناك جهود حثيثة مبذولة لتوحيد التعرفة بين دول المجلس تجاه العالم الخارجي. في الجانب الاخر نجد ان الحديث حول اقامة سوق عربية مشتركة يأخذ ابعادا جدية في الوقت الحاضر بعد ان ظلت الدول العربية لاكثر من نصف قرن تتطلع الى تحقيق التكامل الاقتصادي فيما بينها. وقد انشئت من اجل تلك الغاية العديد من الاجهزة والمؤسسات وعقدت العديد من الاتفاقيات. وقد اصابت تجربة العمل الاقتصادي العربي قدرا من النجاح كما صاحبتها بعض الاخفاقات. ان الحديث عن السوق الشرق اوسطية غالبا ما يتم ربطه ـ بصورة او باخرى ـ بتدفق التمويلات الخليجية التي تسهم في اقامة مختلف المشروعات المطروحة في اطار تلك السوق. اننا نستذكر هنا موقف الامارات العربية المتحدة والذي حذر بكل وضوح من هذه المسألة وعدم جدواها, بل وخطورتها الاقتصادية. فلا يوجد هناك ما يبرر قيام رؤوس الاموال الخليجية بتمويل مشروعات تنافس وتهدد الكثير من الصناعات التي اقامتها بنفسها في بلدانها. وعوضا عن ذلك فانه بامكان دول المنطقة ان تتبنى استراتيجية ناجحة تهدف الى ربط تدفق تمويلاتها ومعوناتها التنموية في الاقطار العربية بموضوع تشجيع تصدير الكثير من السلع والخدمات المصنعة في بلدانها الى هذه الاقطار. فمن المعروف ان دول الخليج العربية ونظرا لتشابه هياكلها الاقتصادية انتج العديد منها نفس الصناعات القائمة على النفط والغاز ومشتقاتهما. كما ان هناك المئات من الصناعات الخفيفة والغذائية المتشابهة في هذه الدول. واذا ما اخذنا بالاعتبار محدودية حجم الاسواق المحلية يصبح من الطبيعي ان تبحث منتجات جميع تلك الصناعات عن اسواق خارجية. ان هذه المنتجات ونظرا لملاءمة اسعارها وجودتها بامكانها ان تجعل من الاسواق العربية زبونا رئيسيا لها خصوصا اذا ما تم اعادة صياغة البرامج التسويقية الموجهة لهذه الاسواق في اطار وجود اشكال اوثق من التعاون الاستثماري والتجاري والاقتصادي مع الدول العربية كوجود البنوك المشتركة والاتفاقيات المتبادلة لضمان الصادرات والاستثمارات ووسائط النقل والشحن والتأمين المشتركة. ان الاموال الخليجية يجب ان توجه بالدرجة الاولى الى هذه الاشكال لتخدم بصورة اكبر التوجهات التنموية الخليجية والعربية ومن ثم هدف اقامة سوق عربية مشتركة. وبهذا المعنى فان التكامل الاقتصادي العربي يصبح عنصرا رئيسيا في استراتيجية التنويع الاقتصادية والتنمية في دول الخليج العربية, وبالتالي اساسا حيويا لامنها الاجتماعي على المدى البعيد. حسين محمد