بالنسبة لجميع دول العالم, باستثناء أمريكا, تبدو قضية الاحتكار المرفوعة ضد شركة مايكروسوفت وكأنها شيء يخالف العقل والمنطق. فهل يمكن لدولة أخرى, غير الولايات المتحدة, أن تقوم على هدم وتفكيك أكثر الشركات نجاحا على مستوى العالم؟ فليس هناك من شك في أنه لو كانت مايكروسوفت في أية دولة أخرى بالعالم لتمت حمايتها بأفضل الوسائل الممكنة وكانت توجت كأحد رموز النجاح الفريدة في العالم وليس مهاجمتها بهذا الشكل الذي يحدث لها في الولايات المتحدة. فأكثر دول العالم تستفيد من أبطالها الاقتصاديين كعامل دفع يساعدها على اللحاق بركب التقدم والاستفادة من التطورات العالمية, فمثل هذه الشركات الكبرى كانت عاملا مهما في عمليات التنمية الاقتصادية التي قامت بها دول كثيرة مثل فرنسا واليابان وألمانيا. ففي أوروبا واليابان توجد قوانين منع الاحتكار ولكن بشكل مختلف تماما, وواقع الأمر يشير إلى أنه نادرا ما يتم اللجوء إلى تطبيق قوانين منع الاحتكار. إلا أن الأمر يختلف كليا في أمريكا, فالولايات المتحدة عندما كانت تحاول اللحاق ببريطانيا العظمى في القرن التاسع عشر لم يكن هناك وجود إلا نادرا للحكومة عند الحديث عن التعاملات الاقتصادية. وحقيقة الأمر تشير إلى أن الصلاحيات الاقتصادية التي كانت تتمتع بها الحكومة كان الغرض منها محاربة الأعمال والشركات التجارية الكبيرة التي تتسبب في رفع الأسعار والإضرار بالمستهلك. وتعتبر قضية الاحتكار المرفوعة ضد مايكروسوفت شديدة الشبه بقضية الاحتكار التي واجهتها شركة IBM_ منذ عشرين عاما. وقبل أن يتم حسم القضية ظهرت أجهزة الكمبيوتر الشخصية التي ابتكرتها الشركة, وبعد أن كانت الشركة مسيطرة على سوق أجهزة الكمبيوتر ظهر التنافس في إنتاج أجهزة الكمبيوتر الشخصية, وسقطت القضية. والشيء نفسه ينطبق على قضية مايكروسوفت, والمنافسة هذه المرة تأتي من التواجد التنافسي بين أجهزة الكمبيوتر الشخصية والهواتف المحمولة المزودة بخدمة الإنترنت, وأجهزة التلفزيون المزودة أيضا بالويب, وأجهزة الكمبيوتر المحمولة مثل بالم بيلوت واستعمال سيرفر الانترنت كجهاز كمبيوتر, وغيرها من الأجهزة المتقدمة. فقضية مايكروسوفت كانت محل نقاش قبل أن تصل إلى ساحة القضاء. فمهما كانت رؤية أية جهة في أفعال مايكروسوفت في الماضي, فإن الحل الوحيد الآن هو عدم فعل أي شيء لهذه الشركة. فسواء اليوم أم في المستقبل فإن مايكروسوفت تتواجد وسوف تظل داخل مجتمع وسوق تنافسية, فليست هناك حاجة إلى تفتيت الشركة إلى شركات صغيرة عدة ثم إعادة هيكلتها لأعوام عديدة. والأمر الأكثر أهمية في هذا الشأن هو ما كشفته القضية بشأن قصر نظر الإدارة الأمريكية تجاه قوتها الاقتصادية وطبيعة اللعبة الاقتصادية التي تخوضها مع بقية دول العالم. فإذا تم تقسيم مايكروسوفت ثم طلب من الشركتين اللتين ستنتجان عن عملية التقسيم أن تخوضا اللعبة الاقتصادية مع وجود المعوقات المعتادة فإنه ستظهر شركة أميركية أخرى لتفوز بسوق البرمجيات. فعندما حدث اندماج بين شركتي بوينج وماكدونالدز دوجلاس, تدخلت سلطات منع الاحتكار الأوروبية بسرعة وطلبت من بوينج أن تتخلى عن عقودها الاحتكارية مع بعض خطوط الطيران الأميركية, ثم قامت الحكومات الأوروبية بمد شركة إيرباص بالأموال اللازمة التي تمكنها من تصميم طائرة ضخمة جديدة تستطيع منافسة طائرة بوينج ,747 وبالتالي توجيه ضربة قاصمة لأرباح بوينج. واستغلت إيرباص هذا الدعم الحكومي واستطاعت أن تظهر كقوة مسيطرة في عالم صناعة الطائرات وزادت حصتها في السوق عن تلك التي كانت تملكها بوينج. ويمكن للمرء أن يراهن على أنه لن تكون هناك قضية احتكار أوروبية واحدة ضد إيرباص إذا حدث وبلغت هدفها في السيطرة على السوق, ولن تكون هناك أيضا أية قضية احتكار أمريكية ضد الشركة لأن القوانين الأمريكية ذات صبغة قومية فقط. فالاتحادات الأجنبية العاملة داخل الولايات المتحدة لديها حصانة في تعاملاتها, سواء في مجال النفط أم الماس وخلافه. وعلى النقيض, نجد أن الاندماج الذي أعلن عنه بين يونايتد والخطوط الجوية الأمريكية أدى إلى رد فعل سريع من السلطات الأوروبية لمنع الاحتكار بعزمها على التحقيق في الأمر. والأمر الذي لاشك فيه هو أن المنافسة العالمية في الاقتصاد الجديد أمر صحي وحتمي, إلا أن الولايات المتحدة لا يمكنها أن تحمي ريادتها عن طريق التحكم والسيطرة على قطار التكنولوجيا, وهذا هو ما يتم فعله الآن في هذه القضية, فالأمريكيون وصلوا إلى قناعة بأن قطار التكنولوجيا سوف يسير بشكل أسرع إذا تم تقسيم مايكروسوفت ثم إعادة تنظيمها بعد ذلك. فإذا ما أراد الأمريكيون أن يحافظوا على المستويات الجيدة التي وصلوا إليها في مجالات الاتصالات والكمبيوتر والفضاء فإنه لا يمكنهم كبح جماح الشركات التي يمكنها أن تنافس بشراسة والعمل على وقف نشاط شركات أخرى, أمريكية كانت أم أجنبية. فكبح جماح مايكروسوفت يمكن أن يشبع رغبة الأمريكيين في السيطرة والإمساك بزمام الأمور, وبالطبع سيرضي منافسي مايكروسوفت, إلا أنه في الوقت نفسه يعتبر وصفة لمن يريد أن يشغل مركزا ثانويا في اقتصاد عالمي جديد لا يتحمل وجود إلا الأقوياء والذين يشغلون المراكز القيادية. فإذا امتلكت أمريكا النية للمحافظة على مركزها القيادي في صناعة الاتصالات والبرمجيات فإنها ستحتاج إلى شركات في المستقبل تتمتع بالقدر نفسه من العدوانية والقوة التي تشكل صحيفة الاتهام الموجهة لمايكروسوفت. فالتعامل بقوة واللعب مع المنافس بشراسة هو أصل اللعبة, فالمباريات الاقتصادية بين الشركات والمؤسسات لا تتحدث عن العدل, فالأقوى والأصلح والأكثر استعدادا فقط هو الذي يستمر ويقود الآخرين ويقذف بهم خارج المنافسة. و(البقاء للأصلح) هو تعبير في الواقع اخترعه الخبير الاقتصادي سبينسر في القرن التاسع عشر, واستعان به داروين في كتابة (أصل السلالات) , فإيذاء الشركات الأخرى لا يمكن أن يكون قلب القضية التي تتم مناقشتها. وفي بداية مناقشة القضية اعترف ممثل الحكومة بأن المستهلك لم يتضرر من مايكروسوفت. لستر ثرو ـ العميد السابق لكلية سلون الأمريكية للإدارة