أكد التقرير الاقتصادي لبنك دبي الوطني على اهمية الاستفادة من التجارب التنموية الحديثة الناجحة في مواجهة تحديات التنمية الاقتصادية بالدولة خلال الألفية الثالثة, ووضع الاقتصاد المحلي على مسار تنموي سليم. وذكر التقرير في هذا الصدد ، ان التنمية لا تتطلب فقط سد الفجوة في النواحي المادية وانما ايضا اغلاق الفجوة في المعرفة حيث ان تحسن المعرفة يؤدي الى زيادة العائد على رأس المال. كما ان الاقتصاد المحلي يجب ان ينمو بدون معزل عن المتغيرات الدولية والبيئية العالمية المحيطة به. واشار التقرير الى عدة اعتبارات اساسية: أولا: يجب ان تتحقق للاقتصاد الآليات الضرورية التي تحرره من القيود والعراقيل بحيث يستطيع أن يتطور وفق قدراته وامكاناته. هذه القدرات والامكانات يمكن التعرف عليها من خلال تركيبة الخريطة الجينية للاقتصاد. ثانيا: يجب ان يحافظ نمط النمو المتبع على البيئة التي تحدث من خلالها التعاملات الاقتصادية لكي لا تصبح العوامل البيئية عقبات امام النمو في المستقبل. وهذا يتطلب المحافظة على البيئة ومراعاة استخدام الموارد المتجددة حيث تمثل هذه القضايا اسس التنمية المستدامة. ثالثا: يجب ألا ينمو الاقتصاد في معزل عن المتغيرات الدولية والبيئة العالمية المحيطة به. ان النمو المتسارع الذي حدث على مدى الخمس سنوات الماضية في مجال عولمة الانشطة الاقتصادية والذي ترتب عليه ازالة الحواجز الاقتصادية تحت ضغط تحرير التجارة الدولية والأسواق المالية هو واقع جديد للاقتصادات النامية. لذا فإن استراتيجيات التنمية في القرن الجديد تعتبر عديمة الجدوى مالم تتغير لمعايشة واقع الاقتصاد الدولي الجديد. ان رسم الخريطة الجينية للاقتصاد واستخدامها في صياغة استراتيجية التنمية للقرن الجديد هي محاولة لادخال كل هذه الاعتبارات في العملية التنموية. على مدى مقالين سابقين من هذا التقرير تمت مناقشة خصائص ومكونات الخريطة الجينية كأجزاء لاستراتيجية تنموية. ويعتبر الاطار هو الجزء الثالث المهم لاستراتيجية تنموية مصممة لتحديات مرحلة العولمة. ذلك أنه عن طريق رسم الحدود التي توضح معالم المجال الذي يمكن للوحدات الاقتصادية ان تتعامل وتتبادل من خلاله, فإن الاطار يسهل عملية التنمية. بالاضافة الى ذلك, يقوم الاطار بتحديد كيفية ادارة الاقتصاد وموارده المختلفة لتعظيم منافع العملية التنموية. وسنقوم في هذا المقال باستكمال رسم الخريطة الجينية لسياسة تنموية ملائمة للألفية الثالثة. وعلاوة على ذلك, سيتم شرح الآليات التي تربط بين الاجزاء المختلفة للتركيبة الجينية للاقتصاد. ان الاطار الاقتصادي هو مجموعة المؤسسات, والقوانين واللوائح, والموجهات التي تنظم سلوك الوحدات الاقتصادية وطريقة تعاملها وتشرح كيف تتم ادارة الموارد المختلفة. ويمكن تصنيف العناصر الجينية للاطار في ثلاث مجموعات حسب طبيعتها: ادارة الموارد, وادارة الاقتصاد. وادارة المعرفة. ادارة الموارد: ان الموارد في اقتصاد ما لا تقتصر على الموارد الطبيعية المحسوسة فقط. ذلك ان رأس المال غير المحسوس, والذي يعرف بأنه يشمل الاصول غير الملموسة مثل رأس المال البشري, يعتبر موردا اقتصاديا مهما بشكل متزايد. وتدرك الشركات في الدول المتقدمة حقيقة ان اهم اصولها تغادر مواقع العمل كل ليلة وتذهب الى البيوت. وهذا يعني ان ما كان يعتبر خاصية محصورة على قطاعات مثل الفن والترفيه, الكتابة والنشر, والاستثمار المصرفي اصبحت تمتد الى صناعات في قطاعات اخرى. وتشمل الموارد غير المحسوسة التي تؤثر على التنمية ايضا توافر المدخلات المكملة مثل البيئة الاقتصادية جيدة الادارة والمؤسسات الكفؤة في العمل. ويعتبر اهتمام القطاع العام بتحسين جودة خدماته وكفاءة مؤسسات عملية حيوية لدعم عملية التنمية ومساندتها. وتعتبر حكومة دبي من الحكومات المشهود لها في مجهوداتها الرائدة في مجال تحسين الخدمات العامة. وعلى أية حال, فإن التركيز على الموارد غير المحسوسة لا يجب ان يقلل من اهمية الموارد الاقتصادية الطبيعية والمحسوسة كعنصر ضرورة لتسريع العملية التنموية. إن وضع الخطط الاستراتيجية لتعظيم منافع استخدام هذه الموارد يعتبر في غاية الاهمية. على سبيل المثال, تعتبر الخطط والسياسات التي تهدف الى تشجيع انشطة الادخار والاستثمار وتحمي الموارد المتجددة من القضايا الضرورية في ادارة الموارد الاقتصادية. ادارة الاقتصاد: ان تحقيق النجاحات في مجال النمو والانتعاش الاقتصادي يعتبر البداية في عملية التنمية الاقتصادية. ذلك ان الادارة الصحيحة والمناسبة للاقتصاد هي مطلب اولي لاستمرار عجلة التنمية الاقتصادية واستدامتها. وتتطلب ادارة الاقتصاد وضع التوليفة الملائمة من السياسات الاقتصادية وتأسيسها وتطبيقها, واستقطاب المهارات والقدرات المناسبة في تقديم الخدمات الحكومية, والتركيز على العدالة والحيادية في تنفيذ السياسات العامة. ان مكونات الادارة الاقتصادية يجب ان تكون أشمل من اللائحة التقليدية المتعارف عليها والتي تحوي تحرير الاقتصاد, والخصخصة, والاستقرار الاقتصادي. ذلك انها يجب ان تشمل تفعيل الموارد وتوزيعها ويجب ان تقيم التكاليف الاجتماعية والآثار التوزيعية للسياسات الاقتصادية. ادارة المعرفة: ان التنمية لا تتطلب اغلاق الفجوة في النواحي المادية وفي رأس المال البشري والاستثماري فقط, ولكنها تشمل اغلاق الفجوة في المعرفة. ان التكامل بين المعرفة ورأس المال يأتي من حقيقة ان تحسن المعرفة يرفع العائد على رأس المال, بينما تؤدي زيادة رأس المال الى اتاحة الفرصة لاستخدام المعرفة الحديثة التي تم اكتسابها. إن ادخال المعرفة في العملية التنموية يتطلب: (أ) ايجاد الطاقات القادرة على اكتساب المعرفة وتطويعها, (ب) الاستثمار في التقنيات لتسهيل نشر المعرفة, و(ج) توليد المعرفة وصناعاتها محليا. ومن هنا تصبح منظومة العلم في الدولة هي الآلية المسئولة عن القيام بتنفيذ هذه المهام الثلاث الحيوية في اطار استراتيجية شاملة للتنمية الاقتصادية. إن ادارة مدخلات منظومة العلم ومخرجاتها هي جوهر ادارة المعرفة في اي اقتصاد. لقد قدمنا في مقالات سابقة من هذا التقرير جزئين هامين للخريطة الجينية للاقتصاد الاماراتي: الخصائص والمكونات. فكيف ترتبط تلك الاجزاء مع الاطار لبناء اقتصاد عملي وكفء ويتميز باستجابته لتحديات عصر العولمة؟ إن هذا الارتباط يمكن شرحه من خلال شكل بياني يوضح اتجاهات الارتباط بين المكونات المختلفة. أولا: يوضح قسم البيئة للخريطة الجينية عناصر كل من البيئة الخارجية والبيئة الداخلية (والتي تمثل الخصائص). وتشمل البيئة الخارجية التطورات العالمية التي لا يمكن للاقتصاد المحلي ان يتحكم او يؤثر فيها وبالتالي يجب اخذها كمعطيات مثل قواعد منظمة التجارة الدولية ومستجدات التجارة الالكترونة. وهذا ينطبق ايضا على البيئة الداخلية, والتي يتشكل معظمها من الموارد والمعطيات الطبيعية. ثانيا: ان عناصر هاتين البيئتين تؤثر مباشرة على الطريقة التي تتم بها صياغة اطار ادارة الاقتصاد المحلي. على سبيل المثال, ان القواعد البيئية التي ستفرضها منظمة التجارة الدولية ستدفعنا الى حماية مواردنا الطبيعية. وايجاد سياسات اقتصادية صديقة للبيئة, واكتساب وتطوير معرفة تحافظ على البيئة. ثالثا: تحدد صياغة الاطار وتركيبته كيف تقوم الوحدات الاقتصادية المختلفة ومكونات الاقتصاد بالتعامل مع بعضها البعض. على سبيل المثال, ان كيفية تطور القطاع الحكومي وكيفية تعامل الافراد وكيف يطورون انفسهم سيتم تحديدها بشكل كبير بالقوانين, والتشريعات والسياسيات المكونة للاطار. ولكن يجب ملاحظة ان هذا الاثر ليس احادي الاتجاه. ذلك ان مكونات الاقتصاد يمكن ان تصادف بعض المشكلات والعوائق في القيام بأنشطتها الاقتصادية نظرا لعدم ملاءمة قوانين وتشريعات بذاتها وعدم كفاءتها وسوف يدفع ذلك الاقتصاد المحلي الى تغيير هذه القوانين والتشريعات المشكلة للاطار وتعديلها, ولكن على اية حال فإن درجة قدرة الاقتصاد المحلي على تنفيذ هذه التغييرات ستكون مقيدة بالمواجهات والمحددات المعطاة من البيئة الخارجية والبيئة الداخلية. رابعا: بعدما تصبح مكونات الاقتصاد منسجمة مع الاطار الذي يسمح لها بالتعامل والتداول بطريقة كفؤة وتنافسية ومتطورة, فإن ثمرات النمو والتنمية الاقتصادية ستبدأ بالتبلور والتحقق, وسينطلق الاقتصاد على مسار ديناميكي نحو مستويات اعلى من الانتعاش الاقتصادي وتحسن في مستوى المعيشة. إن نتائج التنمية ستكون لها آثار مباشرة على مكونات الاقتصاد وعلى تطورها خلال العملية الديناميكية, والذي سيؤثر بدوره على الاطار. وكما سبق توضيحه في الارتباطات بين الاجزاء المختلفة للخريطة الجينية, فإن نمط نمو الاقتصاد سيكون متجاوبا مع البيئة الداخلية للدولة وسيكون منسجما مع النظام الاقتصادي العالمي.