يتفق غالبية المراقبين على ان دول شمال اوروبا التي تشمل فنلندا والنرويج والسويد ينبغي ان تكون متصدرة العالم في مجال الهاتف المتحرك وانتشار استخدام الانترنت.لكن هذه الدول تتميز بتخلخل سكاني حيث ان السكان موزعون على نقاط متباعدة تعزلها ظلمة الشتاء والبرد القارس. كما ان هذه الدول تقع على اطراف اوروبا وتعيش بها مجتمعات عرف عنها ارتفاع الضرائب اكثر مما عرف عن رجال الاعمال والمشروعات. وتوجد بهذه الدول حكومات اشتراكية ديمقراطية ونقابات عمالية قومية من فترة طويلة, وكان الشعور السائد ان تفتقر إلى الحيوية والطاقة فيما مضى. لكن النقابات العمالية فيها الآن مثل رجال الاعمال يستثمرون في شركات التكنولوجيا الفائقة. ويقول من هم داخل هذه البلاد ان انظمة التعليم الجيدة تؤدي إلى نسبة عالية من انتشار واستخدام الحواسيب الآلية وإلى وجود حكومات مستنيرة تعرفت بسرعة على مزايا العالم الالكتروني والثورة المعلوماتية وكيف تشجعها. كما تفعل السويد عن طريق تشجيع الشركات على ان توفر للعاملين فيها حواسيب آلية في المنازل ومعفاة من الضرائب, وكذلك نشر استخدام اللغة الانجليزية كلغة عالمية للكمبيوتر. ويساعد على ذلك وجود شركات كبيرة في تكنولوجيا الحاسب الآلي والاتصالات والهواتف المتحركة مثل نوكيا واريكسون. ويقول كاي كارتونين مدير مؤسسة ايفلي للتمويل في فنلندا انها المرة الاولى التي يتصدر هذا الجزء من العالم بقية اجزاء المعمورة في شيء يهم الدنيا بأسرها. ويقول انه من المثير اننا صنعنا اسرع ماكينة ورق في العالم, لكن احداً في منهاتن او لوس انجلوس لم يهتم لذلك. ورجال الاعمال الجدد في العشرينات والثلاثينات من عمرهم, رغم ان هناك رجال اعمال في الاربعينات والخمسينات والستينات ايضا. وهناك كثير من رجالات السياسة والمصارف الاستثمارية يتركون الوظائف التقليدية ويتجهون إلى مجالات اكثر اثارة. ان ثورة التكنولوجيا المعلوماتية تغير المفاهيم الخاصة لشمال اوروبا كما تغير مزاج شعوبها ايضا. ويقول احد العاملين في البنوك الاستثمارية انه اكتشف ثقة جيدة في دول شمال اوروبا, التي لم تعد اسيرة ظلام وبرد الشتاء الطويل. تغيير في الاقتصاد السؤال المطروح هو هل تستطيع هذه الدول تغيير اقتصادها ايضا؟ في حالة السويد مثلاً, هل تستطيع تغيير اتجاه استمر لمدة 30 عاماً؟ انهم يطلقون على ستوكهولم الآن ناسداك اوروبا. والحقيقة ان تكنولوجيا المعلومات غيرت بالفعل اقتصاد هذه الدول, وتساهم شركة نوكيا مثلاً بثلث اجمالي الناتج المحلي في فنلندا, غير ان تأثير شركة اريكسون ليس بهذا الشكل في السويد ذات الاقتصاد الاكبر. لكنه لا شك ان الثروة التي تكونها اريكسون وقطاع تكنولوجيا المعلومات له اثره على اقتصاديات المدن الكبيرة والبورصة والاسعار في ستوكهولم. والاكثر من ذلك ان الشركات القيادية مثل فولفو واطلاس كوبكو وساندفيك هي في طليعة من يستخدمون الانترنت في اعمالهم. وقالت شركة اي.دي.سي الاستشارية الامريكية ان السويد فاقت الولايات المتحدة في طبيعة مجتمعها المعلوماتي. فقد لعب برنامج خفض ضريبي يمكن اهالي السويد من شراء حواسيب آلية من جهات العمل دوراً كبيراً في مكانة الصدارة للسويد في هذا المجال. وقال احد الباحثين ان فنلندا احتلت المركز الثالث والسويد المركز التاسع من حيث القدرة التنافسية على مستوى العالم. واجرى الباحث هذا البحث من خلال المعهد الدولي للتنمية الادارية وارتفعت مكانة فنلندا إلى هذا المستوى مقابل المركز الخامس عشر من اربع سنوات, والسويد من المركز السابع عشر من عامين. ويقول ستيفان جاري مدير المعهد ان هذا يثبت كيف يمكن ان يؤثر الاقتصاد الجديد على القدرة التنافسية للدول بغض النظر عن حجمها. وقد ساعد ارتفاع مستوى التعليم ورفع القيود المبكرة في وضع اهالي شمال اوروبا في مقدمة موجة التغيير في اوروبا. كما ساعد ذلك ايضا الحماس للتكنولوجيا الجديدة ووجود اعلى نسبة للانترنت في العالم واعلى نسبة لاستخدام الهواتف المتحركة, حيث تصل نسبة من يستخدمون الانترنت 82% مما يجعلها الأولى عالميا محو الامية الالكترونية يقول ليف باجروتسكي وزير التجارة السويدي ان هذا يأتي نتيجة انتشار الوعي بتكنولوجيا المعلومات ومحو الأمية الالكترونية. فالحواسيب الآلية في المنازل ليست حكرا على نخبة من الناس, فهذا أمر هام جدا. ويضيف ان هذا الانتشار خلق نوعا من المستهلك المتقدم مما أدى الى التبني السريع لنشاط المصارف عبر الانترنت. ويشير جورما اوليلا مدير شركة نوكيا الى الكساد العميق الذي أصاب شمال اوروبا في بداية التسعينات ويقول ان هذا أجبرنا على التكيف مع الاقتصاد الجديد في وقت مبكر مقارنة بالدول الاوروبية الأخرى, فكان لابد ان تكون التغيرات ثورية. ولم يكن من الممكن ان تقوم ثورة تكنولوجية في المعلومات دون وجود نوكيا واريكسون, فهما تنتجان نحو 4 من كل عشرة هواتف متحركة في العالم, وتسيطران على قطاع البنية التحتية للهواتف المتحركة بنفس النسبة. وساعدت استثمارات الشركتين في الابحاث والتطوير في توسيع نطاق التجارة الالكترونية ايضا. موطن للشركات العالمية الأكثر من ذلك ان غالبية الشركات العالمية في مجال الاتصالات توجد في منطقة شمال اوروبا, ومنها سويزا الفنلندية وتليا وتلينور السويدية والنرويجية على الترتيب. وتتهافت الشركات العالمية على السويد من أجل الحصول على الخبرة خاصة في مجال الهاتف المتحرك, ومن الشركات التي أنشأت فروعا لها في مدينة كيتاني الى الشمال من ستوكهولم, وهي المدينة التي تسمى وادي الهاتف المتحرك أو وادي اللاسلكي, مايكروسوفت واوراكل وانتل. ويقول توماس جونسون المدير التنفيذي لشركة نوكيا ان لهذا دلالات هامة جدا, فالتكنولوجيا سوف تخرج من السويد وليس من الدول التي تنتمي اليها هذه الشركات, وهناك مدينة مماثلة في الساحل الغربي للسويد تسمى مدينة أبولو. ولا تنقل المجموعات الدولية عملياتها وحسب الى المنطقة بل تشتري شركات في شمال افريقيا وتقيم مشروعات مشتركة في المنطقة, وقد وقعت شركة مايكروسوفت عقدا لمشروع مشترك هام مع اريكسون في ديسمبر الماضي وأنفقت شركة انتل 25.1 مليار دولار لانشاء شركة مشتركة في الدنمارك. وقامت شركة تكنولوجيا المعلومات من اوروبا الشمالية ايضا بشراء أسهم خارج المنطقة وبعضها خارج حدود اوروبا وأصبح يطلق على هذه الشركات اسم (فايكنج) أي الغزاة الشماليون, وتهدف هذه الشركات من ذلك الى تأمين مكانة لها أمام المنافسين من بريطانيا وفرنسا وألمانيا. ومن هذه الشركات السويدية الاستشارية في الانترنت التي لها وجود حاليا في أكثر من 20 دولة اوروبية. تفوق شمال اوروبا مع انتشار ثورة الانترنت في المنطقة الى دول اوروبية اخرى ذات أسواق أكبر, يخشى البعض ان تفقد دول شمال اوروبا هذه الصدارة. الأكثر من ذلك ان نقص رأس المال والعمالة الماهرة وارتفاع الضرائب قد يدفع بعض شركات تكنولوجيا المعلومات الى البحث عن مكان آخر, ويتذمر رجال الأعمال من ارتفاع الضرائب خاصة على الأسهم. واذا انتقلت الشركات ورجال الأعمال, فهل تنتقل المهارات ايضا؟ يؤكد بنك ايبو.كوم الذي سينقل مقره الى لندن على ان هذا لن يحدث. ويقول اولا لوريتزون مؤسس هذا البنك الاستثماري عبر الانترنت ان توافر المهارات التقنية والمهندسين في السويد أعلى بكثير منه في لندن, لكن الصفقات وتدفق المستثمرين والاستثمارات أكثر في بريطانيا كثيرا. ويشدد على ان تطوير الأنظمة وهو جزء هام من العملية سوف يبقى مستوطنا في السويد, وهناك خطر آخر كما يقول جان أولسون الخبير الاستثماري بفرع البنك الألماني في لندن, هو ان الشركات قد تقرر بيع الاسهم بدلا من انشاء شركات جديدة. لكن هناك آخرين لديهم ثقة في امكانية استمرار صدارة شمال اوروبا. ويقول تيري نيمي رئيس مجموعة كايجان الفنلندية ان دول شمال اوروبا سوف تحتفظ بمركز الصدارة خلال الأعوام الأربعة المقبلة على الأقل. ويقول باجروتسكي بوزارة التجارة السويدية ان الرضا الكامل عن الذات هو الخطر الأكبر, فلابد ألا نأخذ نجاحنا على انه أمر مسلم به ونتوقف عن الركض السريع ومحاولة الاستباق.