بلغ معدل نمو الاقتصاد الاندونيسي 2.3% خلال الربع الأول من العام الجاري وهو اقل من التوقعات التي قالت ان معدل النمو قد يتراوح ما بين 4 و 6%, مما يزيد الشكوك بين مسئولي الحكومة بأن الاضطرابات الاجتماعية تهدد انتعاش البلاد اقتصاديا. وتوقع المسئولون الاندونيسيون ان يكون معدل النمو الاقتصادي قريبا من 6% مدفوعا بارتفاع الصادرات وارتفاع الاستهلاك المحلي وارتفاع اسعار البترول. وكانت التوقعات في صالح الرئيس عبدالرحمن واحد الذي تولى السلطة العام الماضي, لكنه تعرض لانتقادات مؤخراً بسبب ادارته السياسية وشبكة علاقاته العامة. لكن الحكومة اشارت الى ان النمو الاقتصادي الذي تحقق يدعو للتفاؤل, الا ان ادارة الاحصاء انتقدت الحكومة بسبب اخفاقها في تسريع الانتعاش الاقتصادي. وقال رئيس الادارة ان الاضطراب السياسي والعيوب القانونية والوضع الامني اعاقت النمو الاقتصادي الذي كان ينبغي ان يتحقق فعلا. وتسببت الاحصاءات المعلنة الى جانب الاضطرابات الاجتماعية في انخفاض سعر العملة بنسبة 3% امام الدولار الامريكي في الفترة الماضية. وادت اضطرابات وتظاهرات في الحي الصيني الى اثارة مخاوف بشأن المشكلات الامنية وانخفض مؤشر البورصة ايضا 2% في تلك الفترة. لكن المحللين يقولون ان هناك جانبا من الاحصاءات يدعو للأمل حيث تحسنت الاستثمارات واتجاهات الصناعة التحويلية مما يدعو الى الاعتقاد بأن النمو والانتعاش سوف يستمر ان اذا استمر هذا الاتجاه. وقالت الاحصاءات ان الاستثمارات ارتفعت 11.7% كما سجلت الصناعات التحويلية نمواً بنسبة 7.2%, وسجل الانتاج الزراعي ارتفاعا بنسبة 15.3% مقابل نفس الفترة من العام الماضي. وقال خبير اقتصادي في العاصمة جاكرتا ان الاقتصاد يتقدم من عدة جوانب بغض النظر عن المشكلات التي تواجه الحكومة غير ان بعض المحللين تساءلوا عما اذا كان الانتعاش الاندونيسي المدفوع بارتفاع الاستهلاك سوف يستمر. وسجلت مبيعات السيارات والدراجات النارية ارتفاعا خلال الاشهر الماضية فيما يدل على ان الاندونيسيين عادوا للانفاق عقب عامين من الاضطرابات السياسية والاقتصادية, لكن الحكومة تعاني عجزا في الميزانية في محاولة لدفع عجلة الاقتصاد الذي تأثر بشدة بديون الشركات ونظام البنوك الذي يفتقر الى الملاءة المالية. خلافات بين صفوف الحكومة ازدادت الخلافات بين وزراء الحكومة الذين جاءوا من عدة احزاب سياسية متنافسة, بسبب تعديلات اجريت في المناصب قيل انها بسبب الفساد, وقال اخرون انها تهدف الى احكام سيطرة الرئيس على الامور ولكي تكون له اليد العليا. وبعد انخفاض سعر الروبية قال مسئولون ان الحكومة لا ينبغي ان تتدخل لرفع سعرها وقال آخرون ينبغي ان تتدخل الحكومة وكان صندوق النقد قد وافق على الافراج عن قروض قيمتها 400 مليون دولار مما اعطى املا بسيطا للعملة المحلية. غير ان التوقعات بارتفاع سعر العملة المحلية الاندونيسية لاتجد ما تستند اليه لاثارة التفاؤل. انخفضت الروبية مؤخراً الى 8500 روبية لكل دولار مقابل المستويات التي سادت قبل الازمة الاسيوية عام 1997 وكانت 2400 روبية لكل دولار. وعدلت الحكومة الاندونيسية توقعاتها بشأن نمو الاقتصاد الوطني وهو الذي كانت تتوقع ان يصل الى 4% خلال العام الجاري. واتهم احد مستشاري الرئيس الزعماء السياسيين بأن التنافس الشديد بينهم هو سبب الاضرار التي لحقت بالاقتصاد وزعزعة الثقة لدى المستثمرين الاجانب. واتهم البعض تصريحات وزراء في الحكومة بأنها السبب في مخاوف المستثمرين حيث قال وزير الاقتصاد انه لا يرى جدوى من الاستثمار الاجنبي, لكنه عاد وادعى انه كان يقصد انه يفهم مخاوف المستثمرين. توقعات لاتزال قائمة يتوقع كثيرون ومن بينهم مسئولون بالحكومة ان اندونيسيا قد تسجل معدل نمو يصل الى اكثر من 4% خلال العام الجاري, مما يجعل المراقبين يعتقدون ان الاقتصاد الاسيوي الذي اصيب بأكبر نكسة له, لايزال على طريق الانتعاش. لكن افراج صندوق النقد الدولي عن 400 مليون دولار قروض لاندونيسيا يراه البعض على انه بادرة جيدة, حيث كان القرض معلقا لاتهام الصندوق لاندونيسيا بأنها اخفقت في اجراء الاصلاحات الاقتصادية. ولا يزال القطاع المصرفي الاندونيسي ضعيفاً ويعاني من تراكم الديون المعدومة للشركات التي تحتاج لاعادة هيكلة. وهناك فساد في النظام القضائي, حتى ان احد المسئولين في الحكومة اقترح الاستعانة بقضاة من الخارج للفصل في قضايا افلاس البنوك لكن الحكومة لم تقبل الاقتراح بالطبع. وكان صندوق النقد الدولي قد حذر من ان عدم اتمام الاصلاحات الاقتصادية قد يؤثر على الدفعة التي اكتسبها النمو الاقتصادي في البلاد. واندفع بعض وزراء الحكومة لاتخاذ اجراءات اساسية ووعدوا بتنفيذ مجموعة اخرى منها في وقت لاحق. تشمل هذه الاجراءات مجالات تتخذ فيها خطوات لاعادة هيكلة بنوك الدولة واصلاح مجموعة مبادرة جاكرتا الخاصة التي فشلت من قبل في الاسراع بمحادثات اعادة الهيكلة بين الشركات المدينة والدائنين لها. وقال احد كبار المستشارين الاقتصاديين ان ما فعله صندوق النقد الدولي عندما علق بعض القروض كان عبارة عن جرس انذار. وحاولت اندونيسيا في نادي باريس للدائنين اعادة هيكلة ديون قيمتها 1.2 مليار دولار مستحقة على الحكومة. وقال احد الدبلوماسيين الغربيين ان الحكومة الاندونيسية لم تكن في موقف تحسد عليه وان لم يتمن ابداً ان يكون عضواً في الوفد الاندونيسي, في اشارة إلى صعوبة المفاوضات. وقال محللون ان الفترة الماضية اثبتت ان اندونيسيا بإمكانها تحقيق تقدم في الاصلاحات التي تريد اجراءها اذا رغبت في ذلك. وقال مصدر في معهد الدراسات الدولية ان هناك جهوداً كبيرة تبذل خلال الفترة الماضية. لكن المنتقدين يتساءلون لماذا لم يتم تنفيذ خطوات الاصلاح المطلوبة حتى يفرج صندوق النقد الدولي عن كل القروض في موعدها؟ يعود كثير من اللوم على فريق من الوزراء مسئول عن الشئون الاقتصادية ويرأسه وزير تنسيق الشئون الاقتصادية ويضم ايضا وزيري المالية والاستثمار. لكنهم جميعاً وزراء جدد وبعضهم غاضب مما يعتبره تدخلاً من صندوق النقد الدولي. وقال مصدر مالي دولي ان هناك نوعاً من الرضا عن الذات لأن النمو خلال الربع الاخير من العام الماضي كان جيداً. وهناك شعور عام بأنه لا داعي للتسرع. غير ان طابع التفتت في الحكومة يدعو إلى القلق ويمثل مشكلة فكان الرئيس عليه ان يعين وزراء من كل الاحزاب السياسية مقابل نجاحه في الانتخابات. ينتمي وزير التنسيق الاقتصادي ووزير الاستثمار إلى الحزب الوطني الذي ترأسه نائبه الرئيس ميجاواتي سوكارنو يوتري وينتمي وزير المالية إلى مجموعة اسلامية منافسة برئاسة رئيس البرلمان. هذا التنافس السياسي ينعكس على السياسة الاقتصادية, حيث يقال ان وزير الاستثمار بذل جهوداً كبيرة من اجل السيطرة على قطاع البنوك التي كانت تستخدم في الماضي في ظل الرئيس سوهارتو, كنوع من ادوات السيطرة السياسية, لكن وزير المالية فاز في هذه المنافسة وخسر في منافسات اخرى. وانتشرت شائعات في جاكرتا بأن الرئيس الذي طالما اراد ان ينقي الحكومة سوف يقيل بعض افراد المجموعة الاقتصادية. وقال مسئول ان التحذير وجرس الانذار السابقين من صندوق النقد الدولي قد وفرا له الفرصة الذهبية لذلك. ولم ينتظر الرئيس حتى تصويت البرلمان على ادائه السياسي لتجنب انتقاد الاحزاب التي ينتمي اليها من يريد اقالتهم, لكنه فعل ذلك بأسرع مما يتوفع المراقبون السياسيون. وتأمل مؤسسات الاقراض الخارجية ان تزداد سرعة الاصلاحات الاقتصادية بعد ان اجرى الرئيس التغيرات التي كان يريدها. لكن لا يزال هناك نوع من المخاطرة كما يقول المستشارون لأن المسئولين السياسيين قد يحاولون افراغ الاصلاحات من روحها ولا ينفذون الا نصوصها فقط لاسباب سياسية. وكان تعيين المسئولين في المناصب الحكومية العليا والشركات معركة كبرى, حيث حاول اصحاب النفوذ والمصالح الاحتفاظ بنفوذهم. وتريد الاحزاب السياسية بناء موارد تعطيها سيطرة سياسية قوية قبل انتخابات عام 2004. وقال خبير اقتصادي محلي انه لا يمكن انكار ان اسباباً سياسية كانت وراء هذه التغيرات الاخيرة, لكن لابد من تذكير الحكومة بالاخطاء الماضية, لان شغل المناصب الهامة لابد ان يقوم على الكفاءة والخبرة الاقتصادية وليس لاسباب اخرى.