بتأثير الارتفاع المطرد للعجز التجاري للولايات المتحدة, وصل عجز حسابها الجاري الى أعلى مستوى عرفته على الاطلاق, سواء من حيث ما يمثله كحصة من اقتصادها أو من حيث قيمته بالدولار. فإلى أى مدى يمكن للولايات المتحدة الاستمرار في إنفاق أكثر مما تكسب وأن تدعم في نفس الوقت عودة النمو العالمي؟ تتمتع الولايات المتحدة حاليا برواج اقتصادي يغذي تزايد عجزها الجاري. ففي ظل أسعار الصرف الحالية, لابد وأن تؤدي القوة الاقتصادية للولايات المتحدة, مع النمو البطىء للطلب في انحاء كثيرة اخرى من العالم, الى زيادة اتساع العجز التجاري للولايات المتحدة, فالى اي مدى يمكن للعجز التجاري مواصلة مساره الحالي دون الإضرار باقتصاد الولايات المتحدة أو بالاقتصاد العالمي؟ فبدون اجراء اصلاحات هيكلية في الولايات المتحدة وفي الخارج وبدون تخفيض مهم لقيمة الدولار, وبدون اجراء تغيرات مهمة في دورة الأعمال, سيستمر العجز التجاري وعجز الحساب الجاري في الاتساع حتى يبلغ مستوى لايمكن تحمله, ربما بعد سنتين أو ثلاث, لقد اتسع العجز التجاري للولايات المتحدة الان الى حد انه حتى لو تحقق نمو اقتصادي عالمي يؤدي الى انتعاش صادرات الولايات المتحدة, فلابد لوارداتها ان تنخفض في نفس الوقت انخفاضا مؤثرا حتى يمكن للثغرة ان تضيق. فلكي ينكمش العجز التجاري بدرجة مهمة, ولنقل مثلا على مدى سنتين, يقتضي الأمر ان تنمو الصادرات بضعف معدل نموها في التسعينيات, حين بلغ معدل النمو في المتوسط 5.7 في المئة في السنة, وان ينخفض معدل نمو الواردات إلى النصف من 11 في المئة الى 5.5 في المئة في السنة. وفضلا عن ذلك, فإن الولايات المتحدة بعد ان ظلت. مدة عشرين عاما, تتلقى تدفقا لرؤوس الأموال, سرعان ما ستواجه بأعباء أكبر بكثير لخدمة الدين. وعند نقطة معينة, إما ان يصبح وضعها من صافي الاستثمار الدولي سلبيا بحيث يمثل, مع ما ترتبط به من زيادة في تكاليف الخدمة, عبئا على اقتصادها اثقل مما يحتمل, وإما, وهو الارجح, ان يقرر المستثمرون العالميون ان اصول الولايات المتحدة اصبحت تمثل في حوافظ اوراقهم المالية حصة كبيرة بما يكفي لدفعهم الى التوقف عن الحصول على المزيد منها, مما يدفع اسعار هذه الاصول, بما في ذلك اسعار الفائدة واسعار صرف الدولار, إلى حركة تصحيحية تعكس تغيير المواقف تجاه الاسواق. فتغير قيمة الدولار بمفرده قد يضيق الثغرة التجارية لبعض الوقت, ولكن سرعان ما سيتجه العجز الى الاتساع من جديد. وستتطلب اعادة العجز, في كل من الحساب التجاري والحساب الجاري للولايات المتحدة, الى مسار يمكن احتماله اجراء اصلاحات هيكلية, في الولايات المتحدة وفي البلدان الشريكة لها تجاريا, كي تشجع نموا عالميا اسرع, وترفع معدلات ادخار الاسر في الولايات المتحدة, وتعد العمال في الولايات المتحدة اعداداً افضل لتقبل التغيرات التكنولوجية في الاقتصاد العالمي, وتفتح اسواقا جديدة للولايات المتحدة وخاصة في مجال الخدمات. العجز ليس مشكلة الآن لقد زادت حدة الاتجاه التصاعدي للعجز التجاري للولايات المتحدة نتيجة للأزمة المالية في آسيا, ولما ترتب عليها من آثار امتدت الى امريكا اللاتينية وأوروبا. وارتفعت قيمة الدولار, مع تدفق رؤوس الاموال الباحثة عن ملاذ آمن الى الولايات المتحدة, بينما عمد بنك الاحتياطي الفيدرالي للولايات المتحدة الى تخفيض معدلات الفائدة لمواجهة الصعوبات المالية العالمية والمحلية, وتسارع نمو الناتج المحلي الاجمالي مما دفع الى زيادة الواردات. وفي نفس الوقت تردي نمو صادرات الولايات المتحدة كنتيجة للتباطؤ الاقتصادي على نطاق العالم ولقوة الدولار. وللعجز التجاري بعض السمات الايجابية. فقد كان من بين العوامل التي دفعت نمو اقتصاد الولايات المتحدة نمو الانتاجية الذي كان هو ذاته مدفوعا بارتفاع معدلات الاستثمار وبالقرارات الاستثمارية السليمة وبالعولمة. وربما يرجع الى العولمة الفضل في تحقيق حوالي نصف الزيادة الاخيرة في نمو الانتاجية, وذلك بتأثير النمو في الاسواق الخارجية, وزيادة المنافسة في الاسواق المحلية بين الموردين الاجانب, وكسر سلسلة القيمة الخاصة بالانتاج ونقلها الى مرافق في بلدان اخرى. كذلك فإن تحقيق نمو أكبر في الانتاجية يزيد من امكانات تحقيق توقعات المستثمرين الاجانب بالحصول على مردود اكبر من استثماراتهم. نتيجة لذلك اصبحت الولايات المتحدة, بفضل النمو السريع للانتاجية, ذات جاذبية فائقة للمستثمرين المحليين والدوليين على السواء. وانعكس ذلك في التكالب المتزايد على اصول الولايات المتحدة. ففي ,1998 كان 45 في المئة من سندات الديو الدولية الموجودة من قبل و57 في المئة من الاصدارات الجديدة للسندات, مقومة بالدولار. وكانت سندات حكومة الولايات المتحدة تمثل حوالي 40 في المئة من اجمالي سوق السندات العالمية, سواء كانت تجارية او صادرة عن دول. وسوف تحافظ الولايات المتحدة تقريبا على نصيبها في الأسواق المالية على نطاق العالم, اذا تم استثمار حوالي 50 في المئة من الزيادة المتوقعة في القيمة الاجمالية للمحافظ المالية على مستوى العالم, في اصول تابعة للولايات المتحدة ان حجم وتركيبة تدفقات رؤوس الاموال الاجنبية الى الولايات المتحدة يساعدان على استمرار تزايد العجز فالالتزامات المالية الخارجية الصافية للولايات المتحدة, ممثلة في اجمالي السندات الباقية دون تسديد (حوالي تريليون ونصف دولار) وفي صافي مدفوعات خدمة الدين (حوالي 25 مليار دولار), قليلة اذا قيست بحجم اقتصادها الذي يبلغ تسعة تريليونات دولار. والولايات المتحدة تقترض, بعملتها المحلية وحدها تقريبا. فأكثر من 90 في المئة من دينها الخارجي للبنوك بالدولار, واضافة الى ذلك فإن معظم تدفقات رؤوس الاموال الخاصة الى الولايات المتحدة تتمثل في استثمارات مباشرة واستثمارات في الحوافظ. واذا قام المستثمرون الاجانب ببيع ما يحوزونه من اسهم وسندات فالارجح ان يترتب على ذلك هبوط اسعارها, ما يجعلهم اكثر تمسكا بها مقارنة بالمقرضين المصرفيين مثلا). واخيرا فإن حصة كبيرة من الصفقات الدولية يتم تقييمها وتنفيذها بالدولار, مما يحافظ على الطلب الدولي للدولار مرتفعا, وعلى الطلب على سندات يمكن للولايات المتحدة ان تحمل على عاتقها قدرا من العجز الخارجي اكبر مما يتحمله بلد تتكون التزاماته, بصفة اساسية, من قروض مصرفية محددة تعاقديا وقصيرة الأجل وبعملات أجنبية. استمرار العجز يتطلب تغييرات هيكلية ومع ذلك لا يمكن للولايات المتحدة ان تحيا الى الابد بما يجاوز امكاناتهم في المدى الطويل, كما ان اصولها لن تظل محتفظة بتفضيل مستثمري العالم لها. فعلى اساس معدلات الصرف الحالية وبافتراض استعادة نمو مستدام في الاقتصاد العالمي, بحلول عام 2005 سيصل حجم العجز في الحساب الجاري الى حوالي 600 مليار دولار, وهو ما يزيد على 5 في المئة من الناتج المحلي الاجمالي. ويمثل هذا المبلغ حجما كبيرا من الاصول, المقومة بالدولار, تعرضه الولايات المتحدة على المستثمرين الدوليين, كما يمثل حصة من الناتج المحلي الاجمالي لم يسبق لها مثيل (بالنسبة للولايات المتحدة). ولتجنب وضع يتعذر فيه احتمال عبء العجز في المستقبل, يتعين بالضرورة البدء الآن في الاصلاحات الهيكلية. ولم يكن المناخ الاقتصادي للولايات المتحدة في اي وقت انسب مما هو عليه الآن لمباشرة هذه الاصلاحات ـ بما فيها زيادة معدلات الادخار الاسري للولايات المتحدة واعداد العمال فيها لتقبل التغيير. ولم تكن الاصلاحات في الخارج ـ بما في ذلك تحرير الاسواق والحد من الحواجز التجارية, وخاصة في قطاع الخدمات والقطاع المهني ـ بمثل هذه الضرورة في اي وقت.