فجر تقرير جمعية رجال الأعمال المصريين السنوي حول تقويم سعر صرف الجنيه المصري بأعلى من قيمته الحقيقية أمام العملات الأجنبية خاصة الدولار جدلاً واسع النطاق في أوساط الاقتصاديين من رجال المال والأعمال والمسئولين وتساءل الجميع حول جدوى هذا التقويم المرتفع لسعر العملة ونتائج استمرار تلك القيمة المبالغ فيها اذا صح الامر على الصادرات وضعف قدرة القطاعات الانتاجية على المنافسة. والمدهش أن يتواكب موعد صدور هذا التقرير مع عدة دعوات مماثلة لصندوق النقد والبنك الدوليين تنصح باتخاذ اجراءات ايجابية نحو تطبيق سياسات نقدية تعتمد على قواعد العرض والطلب متوقعة أن يصل قيمة سعر صرف الدولار في مصر الى 4 جنيهات في عام 2004 في الوقت نفسه لوحظ أن الدولار تخطى 360 قرشا نهاية شهر مايو الماضي. ويشير تقرير جمعية رجال الأعمال المصريين الى أن هناك خللا حادثا في سوق النقد الأجنبي أضفى سحابة قاتمة على المناخ العام للاقتصاد وامتدت آثاره الى كافة قطاعات الانتاج والخدمات وتسببت في اضطراب العلاقة بين قطاع الأعمال والقطاع المصرفي. إنحسار الصادرات طاهر الشريف سكرتير عام جمعية رجال الأعمال المصريين يؤكد أن الجنيه المصري مقيم بأعلى من قيمته الحقيقية وأن ذلك أدى الى انحسار الصادرات وضعف قدرة القطاعات المستوردة على تحقيق أرباح تساعدها على الاستمرار في العمليات الاستيرادية وحذر الشريف من عواقب تقييم العملة بأعلى من قيمتها الحقيقية. ويحذر الشريف أيضا من أن محاولات البنك المركزي الدفاع عن هذه القيمة من خلال رفع سعر الفائدة أو تقييد السيولة سيؤدي الى عواقب اقتصادية (غير مرغوب فيها) مثل ارتفاع معدلات التضخم واستنزاف الاحتياطي النقدي وحدوث أزمات مالية في الأسواق وركود حاد فضلا عن ارتفاع معدلات البطالة. وينتقد سكرتير جمعية رجال الأعمال المصريين ارتفاع سعر الفائدة المحلية على الودائع بواقع 5.0% لتصل الى 75.9% مطلع شهر مايو الماضي اذ يعتبر ذلك من السلبيات التي عانى منها السوق المصري في العام الماضي وينصح طاهر الشريف البنك المركزي بتبني سياسة واقعية من خلال الاعتراف بالقيمة الحقيقية للجنيه المصري. واستخدام الاحتياطي المتكون لديه من النقد الأجنبي في الحفاظ على هذه القيمة ومرونة تحركها حسب متطلبات العرض والطلب, واحتياجات السوق من النقد عامة. ويضيف الشريف أنه يجب أن يقوم البنك المركزي والحكومة معا بوضع تدابير من شأنها تقليل الطلب على النقد الأجنبي وزيادة المتاح منه حتى يتمكن من ادارة سوق النقد الأجنبي والمحلي على السواء بكفاءة. اعتراض ورفض وزير الاقتصاد والتجارة الخارجية الدكتور يوسف بطرس غالي يعترض على ما جاء في التقرير اذ اعتبره غير صحيح كليا إذ أن حساب قيمة العملة المحلية مقارنة للعملات الأجنبية لابد أن يدخل فيه حجم انتاجية العامل في مصر مقارنة بالمجتمعات الأخرى, ومدة الوقت الذي يمضيه العامل في مصر فعليا في العمل اضافة الى أننا نرفض تعويم سعر الجنيه إذ أن دراسة سابقة أجرتها الحكومة بمشاركة القطاع الخاص ثبت منها أن تعويم الجنيه لن يؤثر ايجابيا على الميزان التجاري الخارجي لمصر مما يقلل الفجوة في الميزان البالغة 33 مليار جنيه, وتخفيف الضغط على الدولار محليا إذ أن نحو 70% من حجم الواردات الينا والبالغة نحو 42 مليار جنيه تضم مستلزمات انتاج, وسلعا وسيطة, وآلات وسلعا رأسمالية تدخل في عمليات الانتاج المحلي والصادرات. ويؤكد أن التقرير لم يحدد المقومات التي تم من خلالها تقويم سعر صرف الجنيه مقابل العملات الأجنبية والتي خرج بالنتيجة السابقة منبها أن تحرك سعر الدولار في السوق الحرة مقابل الجنيه لايعني تحرك سعر الأول مقابل الجنيه أو انخفاض سعر الأخير بدليل أن سعر الجنيه لم يرتفع مقابل باقي العملات الأجنبية مثل الجنيه الاسترليني والعملة الأوروبية الموحدة (اليورو) وفي الوقت نفسه يشهد الدولار ارتفاعا عالميا مقابل العملات الأخرى في بورصات العالم نتيجة ارتفاع سعر الفائدة عليه داخل الولايات المتحدة الأمريكية نفسها متوقعا أن تعود أسعار الصرف ثانية مع بدء عود ة المصريين العاملين بالخارج الى مصر لقضاء الاجازة السنوية أي زيادة المعروض من الدولار, وانتعاش حركة السياحة العربية الى مصر. وتحسن موارد مصر الرئيسية من العملات الصعبة من السياحة وتصدير البترول, ورسوم عبور قناة السويس. اهدار الاحتياطي ويتفق الدكتور محمد صفي الدين خربوش أستاذ العلوم السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة مع رأي وزير الاقتصاد مشيرا الى أن الترويج بأن سعر قيمة الجنيه مقومة بأعلى من قيمتها الحقيقية يخدم ما تنصح به مؤسسات النقد والبنك الدوليين منذ فترة محذرا من أن يؤثر ذلك سلبيا على نتائج مرحلة الاصلاح الاقتصادي التي اتبعتها مصر منذ عام 1991 بتحريك مؤشرات الاقتصاد الكلية من معدل التضخم (3%) وعجز الموازنة (2) إلا أن د. خربوش لايتفق مع سياسة ضخ عملات صعبة من قبل البنك المركزي من احتياطي النقد الأجنبي الذي امتص نحو 6 ملياات دولار في أقل من 6 شهور للحفاظ على سعر صرف الجنيه مقابل الدولار إذ أن ذلك من شأنه اهدار احتياطي تم تكوينه في سنوات مقترحا اتخاذ عدة تدابير من السياسات النقدية باتباع عمليات السوق المفتوحة سواء بطرح أذون وسندات خزانة حكومية أو تحريك لسعر الفائدة لامتصاص السيولة النقدية وتشجيع القطاع العائلي على الادخار فضلا عن تشجيع فرص نفاذية السلع والخدمات المحلية الى الأسواق الخارجية بتقليل الأعباء الضريبية التي يتحملها المنتج المحلي لتقليل الفجوة في الميزان التجاري والتي تتسبب في زيادة الطلب على الدولار مع تنويع المستورد لمصادر الاستيراد الخارجية وعدم تركيز معاملاتهم ومن فتح اعتمادات مستندية أو إئتمان مصرفي بعملات غير الدولار. ثبات صعب بينما يختلف الدكتور طاهر حلمي عضو المجلس الرئاسي المصري الأمريكي ورئيس مركز المصري للدراسات الاقتصادية الممول من هيئة المعونة الأمريكية مع ما سبق مشيرا الى أنه يصعب أن يكون سعر صرف الجنيه مقابل الدولار ثابت منذ نحو 8 سنوات عند نفس القيمة رغم اتجاه السوق المصري الى زيادة الناتج القومي وزيادة معدلات النمو من 2.5% الى 7% خلال الأعوام الخمسة المقبلة بدون أن يزيد الطلب على الاستيراد للسلع الرأسمالية ونقل التكنولوجيا وكل هذا طبيعيا أن يشكل عبئاً على طلب (الدولار) كما أنه يمكن أن يزيد فرص نفاذية السلع المصرية في الأسواق الخارجية تلجأ الدول النامية الى تخفيض سعر عملتها لتحسين فرص التسويق الخارجية مع نظيرتها في العالم الذي أصبح الفرصة فيه للجودة والأقل سعرا. ويحذر طاهر من أن تعود ظاهرة (الدولرة) أي تفضيل الناس الدولار عند الاحتفاظ بأموالهم بدلا من الجنيه نتيجة تذبذب العلاقة بين العملتين وعودة التباين في سعر الصرف للجنيه في السوق الحرة عن البنوك ثانية مثلما كانت في الثمانينات مطالبا عقد لقاء يضم حكوميين وممثلين عن القطاع الخاص وخبراء اقتصاد يبحثون القيمة العادلة لسعر صرف الجنيه مقابل الدولار وتوحيد أسس هذا التقييم خصوصا أن أي مستثمر يفكر في اقامة مشروع استثماري في أي بلد يحكم قراره بالاستثمار عدة عوامل بينها مدى ثبات سعر صرف العملة المحلية مقابل باقي العملات الأجنبية, ومعدل استرداده لرأس المال علما أنه يستورد معدات مشروعة بالعملة الصعبة وعن طريق السوق المفتوحة أي أن ينزل السوق المحلي مشتريا للعملات الصعبة أو يأتي بها من الخارج. تحفظ وتعويم رئيس الشعبة العامة للمستوردين باتحاد الغرف التجارية مصطفى زكي يتحفظ على أن قيمة الجنيه أعلى من قيمتها الحقيقية اذ أن تعويم الجنيه لن يجني من ورائه حسبما يروج البعض زيادة فرص الصادرات في الخارج إذ أن هيكل الواردات المصرية غالبيته مكونات أساسية وسلع رأسمالية تدخل في العملية الانتاجية, وأن النهج الاستيرادي غير الر شيد من قبل بعض رجال الأعمال والمستوردين شكل في وقت من الأوقات ضغطاً مضاعفاً على طلب العملات الصعبة واذا كان غالبية المعاملات الخارجية يفضل المستورد اجراءها بالدولار لثبات نسبي لسعر صرفه وعالمية التداول به تسبب في زيادة الضغط على الدولار في وقت عانت السوق المصري مثلما عانت أسواق دول نامية كثيرة من وراء انهيار دول جنوب شرق آسيا وتراجع الطلب فيها على الاستيراد, ونزول سعر البترول لأدنى مستوى له 9 دولارات للبرميل, وتراجع عوائد السياحة بعد حادث الأقصر عام 1997. وشدة المنافسة مع قناة السويس تسبب كل السابق من ظروف فيما شهدته سوق الصرف الأجنبي في مصر من تذبذبات وصلت بسعر صرف الدولار من 335 قرشا الى 355 قرشا حاليا. ويؤيد زكي ما قامت به الحكومة من اجراءات مؤخرا لتخفيف عبء الضغط على طلب الدولار بضرورة أن يدبر المستورد جزءاً نقدياً من الاعتماد المستندي عند استيراد سلع وسيطة وتصل الى تغطية 100% من قيمة الاعتماد عند استيراد سلع استهلاكية علما أن هناك 7 مليارات جنيه استهلكتها شركات المحمول والأجهزة في الفترة السابقة في استيراد معدات وسنترالات وشبكات تقوية محطات من الخارج والاكسسوارات الخاصة بالمحمول. مخاطر وتضخم ومن جهته يقول مستشار وزير الاقتصاد والتجارة الخارجية المصري الدكتور محمود محيي الدين: أننا لن نلجأ الى طبع بنكنوت جديد لفض الطلب على الدولار وتحريك السوق إذ أن ذلك يحمل مخاطر جمة نحو زيادة نسبة التضخم, وزيادة عجز الموازنة فضلا عن أننا ملتزمون دوليا مع مؤسسات النقد الدولي والبنك على عدم طبع بنكنوت لا يقابله ناتج قومي محلي. ويقلل محيي من خطورة استنزاف جزء كبير من الاحتياطي النقدي الأجنبي في الفترة الماضية من قبل البنك المركزي للتأثير على سعر صرف الدولار في السوق المحلي أو ثبات سعره إذ أن الاحتياطي الحالي البالغ 16 مليار دولار يعادل واردات مصر لمدة 8 شهور قادمة من السلع والمنتجات الأساسية وهي معدل آمن دوليا وأن دور الاحتياطي في مثل هذه الظروف كأداة تدخل في سعر الصرف المحلي كما أن عدم الاقتراب منه يفقد أهمية وجوده كاحتياطي أصلا. ويضيف مستشار وزير الاقتصاد أن الاحتياطي شهد زيادة في شهر مايو الماضي قدرها 2.1 مليار دولار عن الفترة السابقة حيث بلغ 2.17 مليار دولار الاحتياطي النقدي الأجنبي, وزيادة حجم الودائع في البنوك زادت من 227 مليار جنيه الى 346 مليار جنيه في نهاية مارس 2000 مقارنة بنفس الفترة من العام السابق وزيادة حجم الودائع الدولارية الى 46 مليار دولار علما أن هامش سعر الفائدة على الادخار بالجنيه المصري مقابل الدولار مازال مابين 3 الى 4% لصالح الأول مما يستبعد معه تحول المواطنين الى الادخار بالدولار بدلاً من الجنيه خاصة في ضوء جني عوائد بالجنيه أفضل لهم. معادلة وكمية الدكتور محمود أبوالعيون نائب محافظ البنك المركزي يقول أنه من الصعب القول أن هناك توازنا في سوق مهنية للنقد الأجنبي وبالتالي يصعب أن تكون الكمية المطلوبة في أحد الأسواق معادلة للكمية المعروضة في ذات السوق وهي ذات لحظة التعامل ونتيجة لذلك يمكن أن يكون سعر صرف الدولار مقابل الجنيه الاسترليني في سوق لندن مختلفا عن سعره في سوق نيويورك أو في سوق طوكيو متسائلاً هل اختلاف سعر صرف عملتين في الأسواق المختلفة أمر ضروري وهل يمكن أن يكون هذا الاختلاف كبيرا ومستمرا. ويحمل المضاربين اختلاف أسعار صرف الدولار مقابل الجنيه أن يتقيدوا اختلاف سعر صرف عملتين بين سوقين أو أكثر لتحقيق الربح مثلما يشهد الريال السعودي وقت الحج والعمرة من كل عام في مصر يرتفع سعره مقابل الجنيه في الأيام العادية نظرا لزيادة الطلب عن المعروض منه في الوقت نفسه. ويعترف أن انخفاض سعر صرف عملة مقابل باقي العملات أو دفع عدد أكبر من الوحدات مقابل نفس الوحدة من العملة المحلية يعني أن سعر العملة المحلية (الجنيه) انخفض أمام الدولار نتيجة الاضطرار الى وضع عدد أكبر من الجنيه مقابل الحصول على الدولار بالشراء. إلا أن أسعار الصرف عرضة للتقلب ويتم في مصر تلقائيا في سوق الصرف الأجنبي, بدون تدخل حكومي من أي جهة تعوق تفاعل قوى العرض والطلب. ويضيف أبوالعيون أن ما يحدث في السوق بين الدولار والجنيه أمر طبيعي ومنطقي مع آلية السوق اذ كلما زاد الطلب على هذه العملة (الدولار) عن عرضها يؤدي الى ارتفاع سعرها مقابل العملة الوطنيه (الجنيه) والعكس صحيح. سوق حرة محمد حسن الأبيض رئيس الشعبة العامة لشركات الصرافة في اتحاد الغرف التجارية يقول.. أن الدولار والجنيه يربطهما سوق حرة حسب العرض والطلب وأن وصول الدولار الى 355 قرشا بدلا من 347 قرشا مطلع الشهر الماضي مايو 2000 ما هي إلا تعبير عن ذلك نتيجة وجود ملايين المعروض من الدولار والطلب عليه لصالح الأخير ويتوقع أن يزداد الطلب على الدولار خلال 4 أسابيع المقبلة نتيجة اقبال الناس على حجز المصايف خارج البلاد وعمرة المولد الشريف وقبل عودة المصريين العاملين بالخارج مع منتصف شهر يونيو المقبل 2000 الذي يبدأ معه زيادة المعروض من الدولار عبر السائحين العرب والمصريين وضخها في شريان الاقتصاد نافيا وجود أي مضاربات من قبل الشركات على سعر الدولار . ليس من المنطق أن يكون هناك ممارسات مضاربة على الدولار في وقت لاتسيطر شركات الصرافة سوى على 10% من حجم التداول الاجمالي بالسوق وقيمته 3 ملايين دولار يوميا والباقي 90% يتم عبر البنوك ويحظر القانون المصري احتفاظ أي شركة صرافة بأكثر من 30% من رأسمال التشغيل بالعملات الصعبة على أن يورد يوميا الباقي الى البنك المركزي دون الاحتفاظ به في حساب أي شركة علما أن غالبية رأسمال الشركات ـ 130 شركة ـ لايتعدى مليون جنيه بما فيه تكاليف التشغيل والتأسيس.