حدد الخبراء ثلاثة أنواع من المفاوضات يعتمد اختيار أحدها على الاشياء التي يسعى المفاوض للحصول عليها وعلى الملاحظات التي كونها عن الشخص أو الاشخاص الذين يتفاوض معهم. ويقف على قمة الأنواع الثلاثة أسلوب من التفاوض درج الناس على استخدامه لأنه كما يبدو من أول وهلة الأسلوب الذي يتلاءم أكثر من غيره مع المزاج الانساني ومع ذلك فان النوعين الآخرين هما الأكثر انتشاراً واستخداماً. ـ مفاوضات تعتمد على النزاع والمواجهة والمنافسة ويلجأ المفاوضون عادة لاجراء هذا النوع من المفاوضات حينما يركزون على تحقيق أهدافهم فقط دون اي اهتمام بما قد يحصل عليه الطرف الآخر من المفاوضات. وينظر معظم الناس لعملية التفاوض من هذه الزاوية اي بعبارة اخرى ينظرون للمفاوضات على أساس انها مناسبة ممتازة للحصول على ما يريدون إلا ان الأمر الذي يثير الاستغراب هو ان هذا النوع من المفاوضات التصادمية قد بدأ يفقد الأرض التي يقف عليها ويتراجع لأنه قد ثبت انه لايأتي دائما بما يشتهي المفاوضون. ـ مفاوضات تقوم على التفاهم والتعاون للحصول على الأهداف المشتركة للطرفين. وينبغى هنا اتخاذ جانب الحذر والتيقظ والتدبر وذلك لانه دائماً ما يكون هناك أشخاص يستغلون هذا التفاهم والتعاون ويلجأون لطرح وجهات نظر زائفة وهلامية لزيادة مكاسبهم. فعلى سبيل المثال يمكن ان تقود المقترحات ووجهات النظر التي يطرحها المفاوض الماكر الى اشاعة جو من الألفة الوهمية والتعاون المشترك والثقة بحيث يتمكن هذا المفاوض في النهاية من استخلاص كل المعلومات التي يرغب فيها بما في هذا الحد الادنى من الطلبات والخطط البديلة وذلك بعد ان يبدو وكأنه يرغب فعلاً في الخروج بحلول ترضي الطرفين في الوقت الذي يكون فيه ـ في حقيقة الامر ـ يسعى لاستخلاص تلك المعلومات لاستخدامها ضد الطرف الآخر الذي سيظهر عندها وكأنه دجاجة بللها المطر وأصابتها الرياح الباردة. ـ مفاوضات تهدف لحل المشكلات بحيث ينظر اليها على انها مشكلات لابد وان يتفق الطرفان على ايجاد حلول مرضية لها. ولايتأتى هذا إلا بانتهاج مبدأ يمكن من خلاله طرح العديد من المقترحات والبدائل التي تستجيب لأهدافها ومصالحها وتنسجم معها. والان أي شكل من أشكال المفاوضات تختار؟ ان معظم المفاوضين المهرة والمتمرسين يفضلون ذلك النوع من المفاوضات والتعاون بدلاً من مفاوضات (لي الذراع) إلا في حالة واحدة وهي عندما تتم المفاوضات مع شخص لن يلتقوا به مرة اخرى على الاطلاق وحول موضوع لن يتكرر. وفي هذه الحالة بالتحديد سيجد ذلك الشخص نفسه وهو يجلس أمام وحش هائج لايهمه شىء سوى سحقه للحصول على أفضل النتائج بصرف النظر عن أهداف ومصالح ذلك الشخص. ان أفضل الاتفاقيات وأكثرها فائدة وتحقيقاً للأهداف على المدى البعيد هي تلك التي يتعاون فيها الطرفان على مواجهة مشكلة مشتركة وايجاد الحلول التي تنسجم ومصالحهما المتبادلة وتستجيب لها وينطلقان سوياً من المواقف التالية: ـ ماذا يجب علي ان أعرض؟ ـ كم يساوي هذا العرض؟ ـ كيف يمكن ان أحصل على القيمة التي تتناسب مع العرض الذي سأقدمه؟ ولكي يتمكن المفاوض من تحديد الاستراتيجية التفاوضية من بين الاشكال الثلاثة للمفاوضات عليه أولاً اجراء تقويم شامل للموقف وذلك بالاجابة على الاسئلة العشرة التالية: ـ كيف ينظر الطرف الاخر للموقف؟ ـ ما هو الشيء الذي أرغب في الحصول عليه؟ ـ ما هو الشيء الذي يرغب الطرف الآخر في الحصول عليه؟ ـ ماهي الجوانب التي يمكن ان يتم التوصل لاتفاق حولها؟ ـ ما هي الحلول (الخيارات والبدائل) التي يحتمل ان تكون مفيدة للطرفين؟ ـ ما هي التنازلات التي يمكن ان أقدمها؟ ـ ما هي التنازلات التي أتوقعها من الطرف الآخر؟ ـ ما هي حدود صلاحياتي وصلاحيات الطرف الآخر؟ ـ ما هي القوة التي تتوفر لي والتي تتوفر للطرف الاخر؟ وقد يخلط البعض بين المفاوضات بأساليبها وآلياتها وقوانينها المتعارف عليها وبين المساومة. والفرق بين هذين المفهومين (التفاوض والمساومة) شاسع وكبير. فالمساومة هي ان ما يحصل عليه أحد الطرفين يعني خسارة مباشرة للطرف الآخر بدون أي شكل من أشكال التعويض. وبعبارة اخرى ان حجم (الكعكة) لا يتغير فهناك جهة رابحة وجهة خاسرة. وعليه فإن الطرفين يتقاسمان نفس الهدف وهو الحصول على اكبر قطعة من الكعكة كما في حالة البيع والشراء حيث يحاول كل طرف من الاطراف الحصول على افضل سعر. وعلى سبيل المثال اذا كان السعر المحدد سلفاً لبناية من البنايات هو مليون درهم مثلاً واستطاع المشتري الذي يمتلك موهبة كبيرة في المساومة الحصول عليها نظير تسعمائة الف درهم. فإن الفرق في هذه الحالة سيذهب إلى جيب المشتري بدلاً من جيب البائع, أي ان ما يكسبه احد الاطراف يعتبر خسارة بالنسبة للطرف الآخر وذلك بخلاف المفاوضات التي تعتمد على التفاهم والتعاون حيث يعمل الطرفان على زيادة حصتهما من الكعكة وذلك على الرغم من ان المحصلة النهائية تكون في مصلحة الطرف الذي يستطيع التهام اكبر قطعة. واذا اخذنا هذا في الاعتبار فإنه يفضل في بعض الاحيان اتاحة الفرصة للطرف الآخر ليحصل على المزيد ان كان هذا يسمح لنا بزيادة حصتنا من الكعكة. ولتسهيل عملية المفاضلة بين المفاوضات التي تعتمد على النزاع وتلك التي تستند إلى التفاهم والتعاون يفضل اجراء تقويم شامل للموقف وطرح اسئلة مثل: هل يبدو الجو العام متوتراً ويمكن ان يتحول إلى مواجهة؟ ام ان هناك رغبة مشتركة لمواجهة المشكلة معاً وايجاد حل لها؟ ولتحديد نوعية المفاوضات والاختيار بين المفاوضات التصادمية وتلك القائمة على التفاهم والتعاون يمكن اعداد استمارة من جانبين يتضمن الجانب الايسر معلومات عن المفاوضات التصادمية تشمل الاشياء التي تريد الحصول عليها (بصرف النظر عن طلبات واهداف الطرف الآخر) واذا ما كانت المفاوضات ستجري حول موضوع لن يتكرر ومع شخص لن نقابلة مرة اخرى وشخصية الطرف الآخر (عنيد ومتصلب) والسلطات الممنوحة له والجو العام للمفاوضات (محايد ام سلبي). واما الجانب الايمن فيحوي معلومات حول المفاوضات التي تعتمد على التفاهم والتعاون مثل الاشياء التي نرغب في الحصول عليها (مواضيع متكررة) وطبيعة العلاقات التجارية الحالية وشخصية الطرف الآخر (سلس ومرن) والسلطات والصلاحيات المشتركة والجو العام (محايد ام حميم) وتساعد هذه العملية كثيراً في تقويم طبيعة المفاوضات المقبلة التي سنجريها. ويضاف إلى هذا عنصر توقيت المفاوضات والذي يلعب دوراً مهماً في عمليات التفاوض وذلك نظراً لان المفاوضات التي تعتمد التفاهم والتعاون تستغرق وقتاً طويلاً ولكن نتائجها النهائية ستكون من مصلحة الطرفين. ومن المهم للغاية الاقرار دائماً بأن هناك قدراً من النزاع وقدراً آخر من التعاون والتفاهم في كل مفاوضات تجريها ومن غير المنطقي الاعتقاد بامكان ازالة عناصر النزاع تماماً او تجاهل امكان التفاهم والتعاون وذلك لأن المفاوضات في ابسط تعريفاتها انما هي لقاء بين طرفين وعلى اسس تعاونية وذلك ليعملا معا لحل مشكلة ما بشكل من الاشكال (النزاع او التعاون) وما يجب علينا استيعابه هو انه يمكن دائماً ان نحقق ما نريد (واكثر) وذلك بتعلم كيفية تقليص وتحجيم النزاعات والصراعات. ويمكن دائماً تجاوز وتفادي الدخول في نفق مظلم او اللعب غير المستمر والانتصارات الشخصية والفردية ومثلها من النتائج غير المفيدة والتي يمكن ان تنشأ عن النزاع والتصادم في المفاوضات باعطاء المزيد من الاهتمام بالعوامل التالية: ـ دراسة مصالح واهداف الطرف الآخر ومحاولة النظر للاشياء من وجهة نظره. ـ تحديد الحلول والخيارات والاتفاقيات التي يمكن ان تكون في مصلحة الطرفين وذلك قبل بدء المفاوضات. ـ التركيز على المصالح المشتركة خلال المفاوضات. ـ محاولة الاهتمام بمشاعرنا الخاصة وبمشاعر الطرف الآخر ايضاً. وبعد تحديد اهدافنا واهداف الطرف الآخر تبدأ عملية تحديد الاهداف المتفق عليها والاهداف التي نختلف مع الطرف الآخر حولها (نقاط الاتفاق ونقاط الاختلاف) وذلك بحسب درجة اهميتها. ويساعد وجود قائمة تحوي النقاط المتفق عليها والنقاط الخلافية تحت متناول يدنا خلال المفاوضات على تذكير الطرف الآخر خلال اللحظات الحرجة من المفاوضات بأننا نشترك في بعض الاهداف. الامر الذي يسهل إلى حد ما التوصل لاتفاق. والاشارة لهذه الاهداف المشتركة تضيف المزيد من التماسك والقوة للمناقشات والمداولات. وتعمل على تخفيف حدة التوتر والنزاع وتضفي روحاً من التعاون على اجواء المفاوضات وتشيع التفاهم بين الاطراف المتفاوضة كما تسمح بتطوير وتعزيز قاعدة الاهداف المشتركة. ويعتمد المفاوضون المهرة على تحديد جوانب القوة والمميزات التي تجعلهم يتفوقون على الاشخاص الذين يتفاوضون معهم ولا يتركون اي ملاحظة تمر دون انتباه وهم يدركون تماما ان العرض يجد القبول التام من الطرف الآخر ويعود بالفوائد المرجوة عند طرحه في الوقت المناسب اي في الوقت الذي يبدأ فيه لعاب الطرف الآخر يسيل لاي عرض من العروض حتى لا يخرج من المفاوضات خالي الوفاض. ويضاف الى هذا تحديد جوانب القوة والمميزات التي تتوفر للطرف الآخر. وهم حين يقومون بهذا لا ينسون ترك كل الاحتمالات مفتوحة لانهم ببساطة لايدركون كل ما يريده الطرف الآخر ولا يتظاهرون بهذا بل يتعاملون مع المسائل بموضوعية تامة واضعين اهدافهم ومصالحهم في مرتبة متقدمة. إن اختيار نوعية المفاوضات متروك لحصافة وخبرة المفاوض فهو يستطيع دائما التأثير في اية مفاوضات يشترك فيها. وقد يرغب احد المفاوضين في التركيز على المنافسة وهو بهذا الاختيار يوجد موقفا تفاوضيا تصادميا يقوم على النزاع والمواجهة او قد يفضل اختيار المفاوضات التي يسودها التفاهم وروح التعاون ويعمل على ايجاد اجواء تفاوضية مواتية. ولكننا يجب الا نغفل مطلقا عن انه دائما ما تتاح لنا فرصة الأخذ بزمام المبادرة وتحدي نوعية وشكل المفاوضات وذلك بدون الحاق الضرر بالاخرين او التقليل من تأثيرنا الخاص.