مع تزايد قضايا نواب القروض المتهم فيها 32 شخصا بالاستيلاء على أموال خمسة بنوك تقدر بمليار جنيه وهروب بعض رجال الأعمال الى الخارج بعد حصولهم على قروض من البنوك تصل قيمتها الى مئات الملايين من الجنيهات. ومع تزايد الاتهامات الموجهة للبنك المركزي المصري بعدم مزاولة دوره في الرقابة والاشراف على البنك بالصورة المطلوبة واهتزاز الثقة في الجهاز المصرفي على المستويين المحلي والدولي, بدأ البنك المركزي في اعداد تشريع جديد لاحكام الرقابة على البنك. وقد أثار التشريع الجديد ردود فعل متباينة بين أساتذة الاقتصاد ورجال الأعمال والبنوك فقد أيد البعض هذه الخطوة من جانب المركزي وأكدوا أنها ضرورة لمواجهة الفساد والحفاظ على أموال المودعين واعادة الثقة للجهاز المصرفي فيما ذهب البعض الى أننا لسنا في حاجة الى تشريعات جديدة لأن التشريعات الموجودة تمنح البنك المركزي حق الرقابة والاشراف على البنوك وطالب بتأهيل العاملين في البنوك خاصة العاملين في ادارات الائتمان. ويرى أن التشريع الجديد سيحول البنك المركزي الى وكيل نيابة أو قاضي تحقيقات وهذا ليس دوره وإنما دوره يكمن في التحقيقات الداخلية ثم احالة القضية الى النيابة. التحقيق التالي يناقش هذه القضية مع خبراء ورجال الأعمال والبنوك. في البداية يؤكد الدكتور محمد النجار أستاذ الاقتصاد بكلية التجارة جامعة بنها أن البنوك المركزية وجدت تاريخيا ـ بدءا من بنك انجلترا المركزي الذي يعد أول بنك مركزي في العالم ـ لكي تضبط تصرفات البنوك التجارية ولتشرف على السياسة النقدية والائتمانية مشيرا الى أن البنوك التجارية تهدف الى الربح وتتعامل في الائتمان قصير الأجل وقد تلحق تصرفاتها التي تركز على الربح أضرارا فادحة بالاقتصاد القومي. ويرى أن دور البنوك المركزية ملح ومطلوب للتنسيق بين عناصر العملية النقدية والعملية الائتمانية ولتحقيق الأهداف المتوخاة في مجال النقد والائتمان موضحا أن تحكم البنك المركزي في الائتمان عبر أنواع مختلفة من الرقابة موجود في كل بلدان العالم حتى في الولايات المتحدة الأمريكية زعيمة العالم الرأسمالي. ويضيف الدكتور النجار أن هذه الرقابة قد تكون كمية من خلال سعر الخصم والتغيرات في سعر الخصم وسياسة السوق المفتوحة والتغيرات في نسبة الاحتياطي وهذا كله يتحكم فيه البنك المركزي في الائتمان أي عند اقراض المستثمرين ورجال الأعمال وحتى المستهلكين الذين يشترون بنظام التقسيط, وقد تكون الرقابة نوعية من خلال التمييز في سعر الفائدة الاقراضي تبعا لاختلاف النشاط فمثلا إذا كانت الدولة تشجع مشروعات الأمن الغذائي فيتم اقراض أصحاب هذه المشروعات بسعر فائدة منخفض والعكس إذا رغبت الدولة في الحد من تجارة العملة فيتم اقراض العاملين في هذا المجال بسعر فائدة مرتفع. الرقابة المباشرة ويشير الى أن التمييز في سعر الفائدة يعد جزءا من الرقابة التي يمارسها البنك المركزي في جانبها النوعي وكذلك وضع سقوف للائتمان بحيث لايزيد الائتمان عن حد معين موضحا أن هناك نوعا ثالثا من الرقابة يتمثل في الرقابة المباشرة حيث يلجأ البنك المركزي عبر علاقاته المباشرة بالبنوك التجارية الى تقديم النصح لها أو تحذيرها أو تحفيزها لاتجاه معين, وقد يكون ذلك في صورة شفوية أو اتصالات هاتفية بالمسئولين فيها وليس بالضرورة أن يكون في صورة مكتوبة. ويخلص الدكتور النجار الى أن البنك المركزي بدأ يفكر في اعداد التشريع الجديد حينما أدرك أن عملية الائتمان تتضمن الكثير من التجاوزات فضلا عن أن الضمانات سواء كانت شخصية أو عينية لايعتمد عليها بالاضافة الى وجود ظاهرة تنفرد بها مصر دون سائر بلاد العالم وهي ظاهرة الشيك كأداة ضمان مع أن الشيك في كل دول العالم وسيلة دفع أي أداة لنقل ملكية النقود من محرر الشيك الى المستفيد منه فالشيك ليس نقودا ولا ضمانا وإنما هو نقل ملكية مال من شخص الى آخر, وهذه الظاهرة أفقدت البنوك القدرة على استرجاع أموالها من بعض المقترضين الذين ليست لديهم أصول يستطيع البنك الاستيلاء عليها وبيعها عند الضرورة ليسترد أمواله. وهكذا أصبحت الأصول نوعا من الخداع وهذا أفسد ادارات الائتمان بالبنوك. ويضيف لهذا كله رأى البنك المركزي أن يضع ضوابط فيما يتعلق باستخدام الشيك كضمان للاقتراض من البنك وهذا فعل يستحق عليه البنك المركزي الشكر والتقدير لأنه يقوم بواجبه على خير وجه. ويرى أن المعترضين على التشريع الجديد من رجال الأعمال وغيرهم يريدون الاقتراض بدون ضمانات وهذا مرفوض لأن البنك المركزي فيما اتخذوا وفيما سوف يتخذ من اجراءات يقوم بدوره الطبيعي الذي لايجوز الاعتراض عليه أو إثارة الشغب حوله. سد الثغرات ويرى الدكتور صلاح الدسوقي رئيس المركز العربي للادارة والتنمية أن إصدار تشريع جديد لأحكام رقابة البنك المركزي أصبح مسألة ضرورية بعد اكتشاف بعض الثغرات في النظام المصرفي استطاع البعض النفاذ من خلالها والاستيلاء على أموا ل المودعين بالاضافة الى أن هذا التشريع تقتضيه التطورات الكبيرة التي شهدتها المؤسسات المالية خلال السنوات العشر الماضية وظهور شركات الصرافة التي لابد وأن يكون لها تأثير على دور البنك المركزي في الرقابة على سوق النقد والتعاملات المصرفية بأشكالها المختلفة مما دفعه لاتخاذ اجراءات تسمح له بتحقيق الأهداف المنوطة به. ويؤكد أنه يؤيد اتجاه البنك المركزي ما دامت التعديلات الجديدة تستهدف سد الثغرات التي كشفت عنها الممارسة خلال المرحلة الماضية خاصة وأن الاحصائيات والتقارير تؤكد تزايد حجم الفاقد في الاقتصاد القومي خلال المرحلة الماضية نتيجة هروب كثير من الأموال خارج مصر واستخدام القروض المصرفية استخداما سيئا يهدر أموال المودعين والمال العام مشيرا الى أن البنك المركزي مطالب بالتصدي لكل هذه الظواهر وتضييق الخناق عليها حتى لاتستمر. ويضيف قائلا وبجانب دور البنك المركزي في هذا المجال يجب تنشيط دور الأجهزة الرقابية الأخرى من أجل الحفاظ على سلامة الجهاز المصرفي ووقايته من الانهيار الذي يوشك أن يتعرض له. لأن ما ينشر الآن عن حالات الاقراض غير الصحيح وهروب الكثيرين بقروض بلغت قيمتها المليارات يهز الثقة في الجهاز المصرفي ككل مما ينذر بعواقب وخيمة بدأت بوادرها في اهتزاز الثقة بالجنيه المصري وانخفاض قيمته في الأسواق المالية وتآكل احتياطي مصر من النقد الأجنبي وحالة الركود التي اجتاحت الأسواق وغير ذلك من مظاهر تؤثر على معدل التنمية تأثيرا سلبيا, ويشير الى أنه اذا استهدف التشريع الجديد ذلك كله دون أن يتجاوزه الى مزيد من الروتين والعمل البيروقراطي والرقابة الشكلية فواجبنا جميعا أن نؤيده لكن المحظور الوحيد أن تتجاوز التعديلات حدود سد الثغرات وتنطلق الى فرض قيود شكلية تؤثر سلبيا على حرية التعامل وقدرة الجهاز المصرفي على القيام بدوره في تنمية الاقتصاد القومي. ولا يفرق الدكتور الدسوقي بين البنوك الحكومية والبنوك الخاصة في درجة الرقابة عليها من جانب البنك المركزي ويرى أن المسألة ليست الخاص والعام وإنما نظام مصرفي لابد أن يحظى بثقة الناس في الداخل والخارج لذلك لابد أن تتناول التعديلات الجديدة دور الرقابة ومسئوليتها عن تسرب الأموال وتهريبها خلال السنوات الأخيرة, وما يهمنا هو سلامة الجهاز المصرفي وعدم تعريضه للوقوع في أيدي الأجانب بحجة ضعف أدائه وحمايته من الخصخصة من خلال تقوية دور البنك المركزي وتفعيل الجهاز المصرفي وسد الثغرات. وحول التخوف من أن يتحول البنك المركزي الى وكيل نيابة أو قاضي تحقيقات يقول الدكتور الدسوقي النيابة تتولى التحقيق في الجرائم والبت فيها إما بتحويلها الى القضاء أو يحفظها فدورها لاحق وتال لوقوع الجريمة أما البنك المركزي فدوره يسبق وقوع الجريمة وهو يعمل على منع وقوعها. وبالتالي فهو لن يقوم بدور النيابة أو القضاء لأن وجود النيابة لاينفي وجود رقابة قبل وقوع الجرائم وهذا موجود في كل النظم المصرفية في العالم. ويضيف أن دور البنك المركزي هو ضبط الاداء المصرفي في مرحلة من مراحله المختلفة وقيامه بسد الثغرات ليس معناه أن يتحول الى نيابة ولا أظن أن التشريع الجديد سوف يسمح له بالقيام بدور النيابة أو القضاء مشيرا الى ضرورة ألا تكون لدينا حساسية تجاه أدوار من هذا النوع بحجة حرية السوق وغير ذلك لأن مثل هذه الادعاءات أضرت بالاقتصاد المصري. مستشار للبنوك ويشير محمد جابر محمد نائب رئيس البنك الوطني للتنمية السابق وعضو مجلس ادارة بنك القاهرة الى أن التشريعات والقوانين الموجودة منذ السبعينات تمنح البنك المركزي حق الرقابة والاشراف على البنوك وتوجيهها الى مجالات الاستثمار التي يرى المركزي أنها أكثر فائدة للاقتصاد القومي. وكذلك تعطي هذه القوانين البنك المركزي حق المناقضة في التسهيلات التي تمنحها البنوك للعميل إذا كان لدى العميل مشكلات مع البنوك الأخرى. ويؤكد أن البنك المركزي له سلطة قوية وما يقترحه تعمل به البنوك فهو بمثابة مستشار للبنوك التي لاتستطيع منح قروض كبيرة إلا بعد الرجوع الى ادارة المخاطر في البنك المركزي لتتعرف على مراكز العملاء ومديونياتهم للبنوك الأخرى وأوضاعهم المالية بحيث يستطيع كل بنك اتخاذ قرار الاقراض بناء على مركز العميل. ويرى أننا لسنا في حاجة الى تشريعات جديدة خاصة وأن الدكتور عاطف عبيد رئيس الوزراء واسماعيل حسن محافظ البنك المركزي أكدا أن المشاكل التي تتعرض لها البنوك لاتزال في الاطار المعقول وأنه لاخوف على أموال المودعين. رغم الأموال التي تم تهريبها لأن البنوك لديها مخصصات لمواجهة حالات التعثر والتهرب من السداد. فالبنوك تحصل على نسبة 5.0% من مجموع الأرباح والودائع كنسبة لتأمين مخاطر القروض والسلفيات بحيث يقوم البنك في حالة افلاس عميل أو اتخاذ اجراءات قانونية ضده بوقف حساب الفوائد عليه حتى يستطيع البنك تأمين الودائع. ويوضح أن دور البنك المركزي في الرقابة والاشراف لايختلف بالنسبة للبنوك الحكومية عن البنوك الخاصة فكل البنوك لديها أجهزة اشراف وتفتيش ورقابة على ادارة الائتمان سواء كان البنك حكوميا أو استثماريا, أما البنك المركزي فله الاشراف العام وعندما يستشعر وجود خطر في بنك أو عندما تقدم له شكاوى ضد بنك يقوم بارسال مجموعة من المفتشين للتأكد من صحة الشكاوى. وحول ضرورة الحزم في مواجهة ظاهرة تهريب الأموال الى الخارج يقول محمد جابر لابد من وجود نظام صارم في منح الائتمان وتفعيل القوانين الموجودة ومحاسبة القائمين على منح الائتمان حسابا صارما لتجنب منح كبار المسئولين والوزراء السابقين وذوي النفوذ قروضا بدون ضمانات وبذلك تصبح ادارة الائتمان قادرة على السيطرة على منح القروض والبنك المركزي له الدور الأكبر في ذلك كله حيث يجب عليه أن يعمل على سد الثغرات التي تظهر من وقت الى آخر في منح التسهيلات والقروض. ويخلص الى أن البنك المركزي من حقه ـ خاصة بعد المشكلات التي ظهرت مؤخرا ـ أن يضع نظاما صارما يطبق على الجميع دون استثناء حفاظا على أموال الدولة وأموال العملاء. اختيار العاملين ويرى عبدالستار عشرة الأمين العام لاتحاد الغرف التجارية أن القوانين القائمة تعطي البنك المركزي حق الرقابة وهناك ادارات للرقابة والتفتيش في البنك المركزي وجميع البنوك تقوم بدورها, مشيرا الى أن البنوك ليست في حاجة الى قوانين جديدة وإنما في حاجة الى نظام وحسن اختيار للأفراد العاملين فيها خاصة العاملين في ادارات الائتمان والرقابة. ويشير الى أن القروض التي لاتسدد ترجع إما الى سوء التقدير للمشروع والعميل ودراسة الجدوى والضمانات المقدمة وإما ترجع الى تواطؤ ممن يمنح الائتمان لصاحب المشروع أو لرجل الأعمال. ويضيف أن من حق البنك المركزي أن يراقب لكننا لسنا في حاجة الى اصدار قوانين جديدة فالقوانين لن تحل المشكلة, لكن الحفاظ على أموال البنوك ضرورة لأنها أموال المودعين وهي أموال عامة مشيرا الى أن البنك المركزي ليس من حقه إحكام الرقابة على البنوك الخاصة وإنما يقدم لها استشارات لتوجيه الاستثمارات الى مشروعات معينة. أما في حالة حدوث مشكلة بين بنك وعميل فيتم ابلاغ البنك المركزي للتحكيم وانهاء المشكلة. ويؤكد على ضرورة وجود نظام ورقابة داخلية في كل بنك وإحسان اختيار للعاملين. ويخلص أمين عام اتحاد الغرف التجارية أن محاولة البنك المركزي سد الثغرات بتشريعات جديدة متشددة لن يحل المشكلة, وإنما لابد أن تكون هناك جهود لاصلاح المناخ العام وتفعيل القوانين القائمة والتصرف وفق الضوابط والمعايير الموجودة والابتعاد عن الاستثناءات. القاهرة ـ ضياء الدين أحمد