قد يعني تعبير (التلفزيون الرقمي) عند طرحه على مسمع المستهلك العادي ذلك الوضوح والنقاء الفائقين في الصورة والصوت بالمقارنة بالجيل الحالي من التلفزيونات التقليدية, ولكن الواقع فإن هذه التقنية الحديثة تعد بما هو أكثر من وضوح الصورة ونقاء الصوت وتضيف بعدا جديدا الى تجربة المشاهدة المنزلية, فهذه التقنية الجديدة ستفتح الباب أمام أعداد أكبر من الناس حول العالم للدخول الى عصر الانترنت. والتفزيون الرقمي الجديد سيقدم ما هو أبعد من مجرد نقل الصورة التلفزيونية عبر الاثير الرقمي فحسب, فإن تعبير (التلفزيون الرقمي) يعني في واقعه مجموعة من التقنيات العديدة المترابطة والتي تسمح بتحويل التلفزيون من مجرد جهاز يبث فقط الى جهاز يتفاعل مع المشاهد الذي سيصبح بامكانه على سبيل المثال المشاركة من خلال شاشة هذا التلفزيون في برامج المسابقات وايضا الحصول على معلومات من الانترنت أثناء مشاهدته للعروض التلفزيونية المختلفة. ولكن الأمر لن يتوقف عند هذا الحد مع هذه التقنية الجديدة, بل سيكون في استطاعة المشاهد ان تتم عمليات شراء لمجموعة كبيرة من المنتجات عبر الانترنت من خلال التلفزيون الرقمي ايضا. واذا خضنا في امكانيات هذه التقنية فسنجدها عديدة ومتنوعة, فقد أتاحت المجال أمام الشركات العاملة في اطار التجارة الالكترونية للوصول الى شريحة أكبر من العملاء والمشترين الذين لا يملكون أجهزة الحاسوب بسبب عدم مقدرتهم على تحمل تكلفة هذه الأجهزة أو عزوفهم عن شرائها بشكل عام. ويؤكد الخبراء انه بالامكان تحويل جهاز التلفزيون المنزلي العادي والمعروف لنا جميعا الى النموذج الرقمي وذلك بتزويده بجهاز صغير يثبت أعلى جهاز التلفزيون ولذلك أصبح يطلق عليه اسم (صندوق ما فوق الجهاز) حيث يساعد هذا الصندوق على التقاط اشارات البث الرقمية سواء من محطات الارسال التلفزيوني التي ستخدم التقنية الرقمية في ارسالها أو تلك الاشارات الصادرة عن شبكة الانترنت ثم يقوم بعد ذلك الجهاز بترجمة تلك الاشارات الرقمية الى الاشارات التقليدية التي يفهمها جهاز التلفزيون والتي تعرف باشارات (الانالوج) . ويرى المحللون ان تلك الموجة التي يشهدها العالم حاليا من ظهور التلفزيون الرقمي تشبه الى حد كبير تلك الظاهرة التي شهدها العالم مع مطلع العقد الفائت عندما تعرف العالم للمرة الأولى على الاضواء الأولى من عصر ما يسمى بـ (الانترنت) . فمنذ عام 1990 زاد عدد مستخدمي الانترنت حول العالم حتى الآن الى 172 مليون مستخدم في الوقت الذي تؤكد فيه التكهنات وصول هذا العدد الى 350 مليون مستخدم بحلول العام 2003 وبالمقارنة فإننا نستطيع ان نطالع مستقبل التلفزيون الرقمي حيث سيكون هناك أحد هذه الاجهزة داخل كل منزل من منازل الدولة المتقدمة صناعيا ليكون هذا الجهاز مرتبطا بنوع أو آخر من أنواع الخدمات التفاعلية. في الوقت نفسه أظهرت دراسات كثيرة اجراها عدد كبير من المؤسسات البحثية العالمية ان حجم التجارة الالكترونية في الولايات المتحدة خلال العقد المقبل وخاصة في مجال البيع والشراء بين الشركات والمستهلكين (بي تو سي) سيحقق نموا هائلا من 20 مليار دولار حاليا الى عدة مئات المليارات, في حين قدرت دراسة اجرتها مؤسسة (إي.ماركنز) ان حجم التجارة الالكترونية بين الشركات والمستهلكين في العالم أجمع سيقفز من 5 مليارات دولار للعام 1997 الى 100 مليار دولار للعام 2002. وقد توقع المحللون استمرار ذلك الانفجار الهائل في التبادلات التجارية الالكترونية بين الشركات والمستهلكين (بي تو سي) خلال الفترة المقبلة مرجعين الجانب الاكبر منها الى انتشار اجهزة التلفزيون الرقمي بمعدلات أكبر من انتشار جهاز الكمبيوتر الشخصي حول العالم. وفي الولايات المتحدة تشهد الساحة الاقتصادية حاليا نموا مستمرا بهذه التقنية الجديدة, فقد أعلنت شركتي (ديرك تي.في) و(اكوستار) انهما سيقومان بتطبيق تقنية التلفزيون التفاعلي بنهاية العام الحالي في الوقت الذي ستعمد فيه شركات التلفزيون المدفوع المقدم عبر الكوابل الى توسيع مجال خدماتها في هذا المجال الجديد على صعيد السنوات الثلاث المقبلة. وقد أشارت احدى الاحصاءات الى انه في الوقت الذي يصل فيه عدد مستخدمي الانترنت في الولايات المتحدة الامريكية الى 66 مليون مستخدم فإن عدد مستخدمي اجهزة التلفزيون التفاعلية لا يتعدى حاليا المليون مستخدم هناك, الا ان هذه الاحصائية توقعت بتساوي العدد في العام 2006 عند معدل نحو 115 مليون مستخدم لكل منهما. من ناحية اخرى أوضحت الاحصائية نفسها ان حجم عائدات التجارة الالكترونية الحالية داخل الولايات المتحدة والتي يتم اجراؤها عبر أجهزة الكمبيوتر الشخصي قد سجلت 30 مليون دولار في الوقت الذي كان فيه رصيد المبيعات عبر أجهزة التلفزيون التبادلي (صفر) . وأكدت الاحصائيات توقع تساوي عائدات التجارة الالكترنية من خلال الكمبيوتر الشخصي وتلك التي سيتم تحقيقها من خلال مبيعات التلفزيون التفاعلي في العام 2006 داخل الولايات المتحدة عند معدل 105 ملايين دولار. ويؤكد المراقبون ان إتمام عمليات البيع والشراء عبر أجهزة التلفزيون في المستقبل القريب سيكون لها عظيم الأثر على العالم أجمع الا ان هذا الأثر لابد وان ينظر اليه في كل بلد وفقاً لحالتها وظروفها الخاصة التي تختلف شكلاً وموضوعاً عن ظروف نظيراتها الاخرى مع الأخذ في الاعتبار القوانين والقواعد المحددة لعمليات الاعلان عبر البث التلفزيوني. وفي النهاية فان جميع الدلائل تؤكد على ان إستحداث هذه التقنية سيفتح العديد من الأبواب أمام التجارة الالكترونية وستعمل على تعزيز قدراتها في المرحلة المقبلة من الحياة الاقتصادية. وها قد شاءت الأقدار ان يعود واحد من أقدم اختراعات الانسان في العصر الحديث وهو التلفزيون ليلعب دوراً هاماً في حياته اليومية من خلال أحدث التقنيات التي طورها مؤخراً العقل البشري الذي سيبقى دائماً منبعاً لاينضب من الابتكار والابداع.