أخذت أساليب الضغط التي تمت ممارستها على الدول المصدرة للنفط من أجل زيادة إنتاجها وخفض الأسعار أشكالا متعددة منها التهديدات السياسية, وكان الهدف من هذه الضغوط هو ترويج فكرة أن الارتفاع في أسعار النفط كان سببا رئيسياً في حالات التضخم التي ظهرت في أماكن عديدة في العالم, إضافة إلى كونها تهديدا خطيرا لمعدلات النمو الاقتصادي في الدول المستوردة للنفط. وبدأت أصابع الاتهام تتجه إلى منظمة الأوبك في هذا الصدد. إلا أن المرء عليه فقط أن ينظر إلى الإحصاءات والأرقام التي أوردها صندوق النقد والبنك الدوليان, إلى جانب منظمات أخرى, كي يدرك أن تلك المحاولات ما هي إلا مساع لغسل المخ وتسير خلافا لواقع الأمور. فقد كانت هناك تأكيدات على أن الارتفاع في أسعار النفط منذ شهر مارس 1999 يمكن أن يزيد من معدل التضخم العالمي بنسبة تتراوح من 25.0% إلى 3.0%, وقد قام صندوق النقد بتقدير هذا التضخم في العام 1998 بنسبة 8.5% على الرغم من أن أسعار النفط كانت قد وصلت إلى أقل معدلاتها في ذلك الوقت, وقدر أيضا معدل التضخم بنحو 6% في العام 1999. وعلى الرغم من أن أي مصدر ضغط يتعلق بحجم التضخم يكون غير مرغوب فيه بأية حال من الأحوال, فإن السؤال يظل: لماذا كل هذه الجلبة بسبب ربع أو ثلث في المائة زيادة في التضخم في الوقت الذي لم يكن هناك أي رد فعل عندما وصل معدل التضخم إلى 8.5%؟ هل هناك ما يمكن تسميته بتضخم طبيعي وآخر غير طبيعي كما هي الحال مع معدل الكوليسترول الجيد ومعدل الكوليسترول السيئ؟ ففيما يتعلق بالدول الصناعية على وجه الخصوص كان للانتعاشة التي حدثت في أسعار النفط العام 1999 تأثير كبير, والسبب الرئيسي لذلك هو أن حصة النفط في واردات دول منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي انخفضت من 13% العام 1980 إلى 4% فقط العام ,1999 وذلك بسبب انخفاض أسعار النفط التي خسرت بالدولار ثلثي قيمتها أثناء هذه المدة. وعلى الوجه الآخر نجد أن الانتعاشة التي حدثت في أسعار النفط من 25 دولارا إلى 30 دولارا للبرميل كان لها تأثير أكبر وأهم على الدول النامية ولكنه لم يكن تأثيرا دراماتيكيا في الوقت نفسه. فبعض المراقبين انتهز الفرصة ليسلط الضوء على التهديدات التي تشكلها هذه الزيادة على هذه الدول وما يمكن أن تحدثه من تضخم وتأثير سلبي على الانتعاش الاقتصادي في عدد من هذه الدول, لاسيما دول جنوب شرقي آسيا. إلا أن الأمر المهم هو أن الأزمة الآسيوية التي حدثت في الفترة 1997 ـ 1998 وقعت أثناء مرحلة انخفضت فيها أسعار الطاقة بدرجة استثنائية, ولذا فإنه لا يمكن توجيه أصابع الاتهام للدول المصدرة للنفط بأنها سبب الأزمة أو أن هذه الدول تقوم بهدم الانتعاشة الاقتصادية لهذه الدول. والحقيقة الثانية أن دول الأوبك هي أيضا دول نامية تحتاج إلى دعم وتنشيط اقتصاداتها. وعادة ما توصف هذه الدول بأنها الرجل الثري للعالم المعاصر على الرغم من أن الناتج المحلي العام للفرد بها لم يتعد 910.1 دولار العام 1999 في مقابل ما يتراوح بين 850.19 و740.36 دولارا في الدول الصناعية. وعلى الرغم من الزيادة في أسعار النفط, فإن صادرات هذه الدول من النفط كانت تقدر بما يعادل 152 مليار دولار العام ,1999 وهو ما يعادل 7.2% فقط من صادرات النفط في العالم والتي وصلت قيمتها العام الماضي إلى 542.5 مليارات دولار. وإحدى الآراء الأخرى التي كانت تروج وتؤيد إحداث زيادة في إنتاج النفط تمثلت في أن الزيادة التي يبحث عنها كان مطلوب منها ليس فقط إشباع حجم الطلب الحالي ولكن أيضا تمكين الدول الصناعية من دعم احتياطياتها. وعلى الوجه الآخر نجد أن الدول الصناعية تمنح دعما لزراعها كي يقللوا من إنتاج الحبوب والمواد الغذائية الأخرى كي لا تنخفض أسعارها عالميا في الوقت الذي تواجه الشعوب في دول كثيرة من العالم خطر المجاعة والموت جوعا. وبدورها لم تتجرأ الدول النامية على مجرد مناقشة مثل هذه السياسة, فكونها تفتقد الدعم والثقل السياسي فإن ذلك يمنع هذه الدول من مجرد طلب دعم وتقوية احتياطياتها من المواد الغذائية التي تحتاجها بشدة. ونجد أن النتيجة هي أن تموت أعداد كبيرة من شعوب هذه الدول كل يوم بسبب نقص الغذاء. وفي المقابل نجد أنه لم يحدث قط أن مات أحد في الدول المستوردة للنفط بسبب نقص إمدادات النفط في الأعوام 1973 و1980 ـ 1981. ليس ذلك فحسب, فهذا النقص في واردات النفط شجع هذه الدول المستوردة على إحداث عملية ترشيد لاستهلاكها من النفط. ونجد أن الزيادة في أسعار الوقود داخل الولايات المتحدة, على الرغم من أنها لم تصل إلى المستويات العالية في الدول الصناعية الأخرى, أصبحت قضية أساسية تدخل في نطاق حملات انتخابات الرئاسة هناك, فالضغوط التي مارسها الحزب الجمهوري على حكومة كلينتون أدت بالأخيرة إلى زيادة ضغوطاتها على الأوبك. فقبل خمسة أيام فقط من انعقاد مؤتمر الأوبك في السابع والعشرين من مارس الماضي وافق مجلس النواب الأمريكي على مشروع قانون يطالب الرئيس كلينتون بأن يوقف المساعدات الأمريكية ومبيعات الأسلحة للدول الأعضاء في الأوبك, وواقع الأمر يشير إلى أن مبيعات الأسلحة تحقق فوائد للصناعة الأمريكية تفوق بكثير الفائدة التي تجنيها الدول المستوردة لهذه المبيعات. وبدافع يصب في مصلحتها السياسية والداخلية فقد جعلت واشنطن المناقشات التي تدور حول أسعار النفط تأخذ شكلا محيرا ومربكا لجميع الأطراف, وذلك عن طريق تحويل أسلوب الضغط الذي تمارسه إلى منطقة أصلا لا تملكها هي, والخاسر الكبير في هذه اللعبة وهذه المواجهة التي أوجدتها أمريكا هي الدول المصدرة للنفط. د. نقولا سركيس ـ رئيس المركز العربي للدراسات البترولية بباريس