طوال الخمسة عشر عاما الماضية عمل صندوق النقد الدولي على نحو متواصل على زيادة دوره في تحقيق نمو اقتصادي عالمي سريع وزيادة متواصلة في مستويات المعيشة داخل الدول الفقيرة الأعضاء في الصندوق, حيث قام منذ أكثر من عقد من الزمن بتقديم تسهيلات، إقراضية مشروطة بهدف مساعدة الدول في مجهوداتها نحو تعديل أوضاعها وهياكلها الاقتصادية والعمل على مواجهة الإرهاصات والتوابع الاجتماعية التي تنتج عن برامج التعديل وإعادة الهيكلة. وعلى الرغم من أنه كانت هناك زيادة ملحوظة في معدلات النمو وتحسن في الأوضاع والمؤشرات الاجتماعية الرئيسة فقد ظل الفقر خطرا داهما رئيسيا استمر في الزيادة والتفاقم على نحو كبير في بعض أجزاء من العالم. من هذا المنطلق قام الصندوق في الأشهر الأخيرة, وبالتعاون مع المجتمع الدولي, بتبني الصيغة المعدلة للمبادرة الخاصة بالدول المثقلة بالديون, والتي من شأنها تعميق إسهام الصندوق في تخفيف العبء من على هذه الدول, وذلك من خلال تقديم تسهيلات أكبر وأوسع في سداد الديون إلى الدول ذات الدخل المنخفض, وهو الأمر الذي يساعد في النهاية على خفض وطأة وحدة الفقر في هذه الدول. ويصاحب هذه التسهيلات تقديم قدر مناسب من المساعدة الفنية التي من شأنها مساعدة هذه الدول على القيام ببرامج التعديل المناسبة. وفي هذا الصدد أود أن أؤكد أن الهدف الرئيسي يظل هو الخفض المتواصل لمعدلات الفقر, وبالتأكيد تشير تجارب الدول التي قامت بإصلاحات ناجحة إلى أن التنفيذ المتواصل والمنتظم لسياسات التعديل يعتبر من المتطلبات الأساسية لنيل ذلك الهدف الرئيس المشار إليه آنفا. ويتطلب بلوغ ذلك الهدف, زيادة الحوافز أمام الدول المعنية كي تقوم بالإصلاحات اللازمة, ومما لاشك فيه يمكن للدول الصناعية أن تسهم في ذلك الأمر عن طريق منح مساعدات أكبر وفتح أسواقها أمام الدول النامية. وبدورها لا تحتاج الدول النامية إلى التمسك بسياسات الاقتصاد الكلي وحسب, ولكن أيضا عليها تنفيذ سياسات هيكلية تساعدها على تنفيذ عمليات التغيير والتعديل وتشجيع الدول المتطورة على تقديم يد المساعدة. الأمر يتطلب الاستفادة بأكبر قدر ممكن من الموارد المالية, وبالطبع فإن القدر الكبير من العنف الذي اجتاح مناطق كثيرة من العالم ـ لاسيما أفريقيا ـ أمر في غاية الخطورة, وقد أدى إلى ابتلاع كمية كبيرة من ثروات وموارد هذه الدول. وقد أظهر التاريخ أهمية الوصول والمحافظة على درجة عالية ومناسبة من الإدارة والمسئولية فيما يتعلق بتنفيذ السياسات إذا كانت هناك نية لزيادة الاستثمارات المحلية والخارجية. والشق الثاني من حديثي يتعلق بكيفية إدارة فترة التحول من الاقتصادات ذات التخطيط المركزي, فمن الواضح خلال العقد الماضي أن عملية التحول والانتقال التي مرت بها اقتصادات الدول الاشتراكية ذات التخطيط المركزي كانت معقدة للغاية وصاحبتها تغيرات ذات تأثيرات كبيرة على العلاقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية داخل كل دولة من هذه الدول. وفي كل دولة من هذه الدول كانت إجراءات الإصلاح الرئيسة تتضمن إحداث استقرار في الاقتصاد الكلي وتحرير للأسعار والأسواق وأيضا للأنظمة التجارية والبورصة وإعادة الهيكلة والخصخصة وإعادة صياغة دور الدولة وتصحيح سلبيات السوق. وكما يعرف الجميع فقد كان صندوق النقد والبنك الدوليان والمنظمات القومية والدولية الأخرى, ولاتزال, عناصر مشاركة فعالة في المساعدة على حدوث هذه التغيرات والتحولات التي مرت بها هذه الدول. والدرس الرئيسي الذي تعلمناه من هذه العمليات هو أن الاستقرار المالي ما هو إلا شرط ضروري لعملية النمو وأن التقدم الشامل على جميع جبهات ومجالات الإصلاح الهيكلي هو أمر لا غنى عنه لإحداث نمو مستديم ومتواصل. وفي هذا الصدد نجد أن أكثر تلك الاقتصادات نجاحا هي تلك التي قامت بخطوات إصلاحية أكبر وأسرع. ولقد واجه الصندوق في هذا الصدد تحديات عديدة, فعلى سبيل المثال نجد أن عدم توافر الإدارة السليمة مثل فشل الحكومات في عدم التدخل بشكل سلبي في الأنشطة الاقتصادية وعدم توفيرها للحماية القانونية اللازمة قد أدت إلى تأخير وإعاقة العديد من الإصلاحات, وذلك بسبب ما تحدثه هذه السياسة الإدارية الفقيرة من ثني المستثمرين عن العمل داخل الدولة ومنع وإعاقة تدفق الأموال. وهذا الأمر يدفعني إلى الحديث عن دور القطاع الخاص في منع وحل الأزمات, فليس هناك من شك في أن أسواق رؤوس الأموال الخاصة هي المحركات التي من شأنها رفع معدلات النمو في جميع أرجاء العالم, وأن التعاون بين الحكومات والجهات المقرضة بشأن تنفيذ السياسات الاقتصادية والوصول إلى تقييم جيد وفعال للمخاطر من شأنه الوصول إلى النتائج المرجوة. ومن هنا تأتي الحاجة إلى الوصول إلى صيغة تعاون بين الدول المقترضة والقطاع الخاص, وأيضا القطاع العام الرسمي للدولة, بهدف الوصول إلى قواعد عامة يتم تطبيقها في حال حدوث أزمة, على أن تراعي هذه القواعد جميع الأطراف. ويعتبر مد الأسواق بقدر شامل ودقيق ومتواصل من المعلومات من العناصر الحيوية لإصلاح النظام المالي العالمي. وبدوره يقوم الصندوق بإصدار سلسلة كبيرة وضخمة من المعلومات إلى الجمهور كما هي الحال عندما يقوم الصندوق بتقييم سياسات الدول الاقتصادية, وفي المقابل يجب على الدول المقترضة من الصندوق في هذا الشأن أن تعلن لشعوبها التزاماتها السياسية. وفي الفترة المقبلة سيقوم الصندوق بتحديد ما إذا كانت التسهيلات الحالية التي يتم منحها تشبع حاجات ومتطلبات الدول الأعضاء. وفي هذا الصدد سيكون هناك عدد من المبادئ التي ستحكم عمل الصندوق مثل الحفاظ على قدرة الصندوق على التجاوب بسرعة وعلى نحو فعال مع المشكلات المتعلقة بميزان المدفوعات في الدول ومواصلة دعم الإصلاحات التي تهدف إلى حل المشكلات الهيكلية, لاسيما تلك المتصلة أو القريبة من نطاق خبرة وعمل الصندوق. وبوجه عام سيقوم الصندوق بالعمل على عدم تشجيع الاعتماد غير العقلاني على موارده وتشجيع الدول على الاعتماد على رؤوس الأموال الخاصة.