مع بداية القرن الجديد او الالفية الجديدة كما يحلو للكثيرين ان يطلقوا عليه, شهدت اوروبا تغيرات كبيرة في قطاع الشركات حيث ارتفعت قيمة وحجم عمليات الاندماج بين شركات كبرى ولم تكن تتوقع ان تشتريها شركات اخرى او تندمج معها. ولذلك ثارت مخاوف لدى شركات اخرى بانها عرضة لنفس المحاولات من شركات اخرى خاصة من خارج الحدود. اعتادت الشركات الاوروبية ان تبني حولها سياجاً لحمايتها من شركات اخرى في العالم الا انها الآن, بعد انتشار موجة اندماج وشراء وتملك الشركات انها معرضة للخطر. كانت الانظار تتجه إلى الشركات اليابانية في الثمانينات ومع افول نجم الشركات اليابانية إلى حد ما في بداية التسعينات, سرت موجة من اعادة الهيكلة بين الشركات الامريكية, وادى ذلك إلى موجة من الاندماجات والتملك, واصبح الآن هناك 13 شركة من اكبر عشرين شركة في العالم من حيث القيمة السوقية توجد في الولايات المتحدة. هل يأتي الدور الآن على الشركات الاوروبية؟ خلال فترة التسعينات تصدرت الشركات الامريكية عملية اعادة الهيكلة وخفض التكاليف وتسريح بعض العاملين لتحقيق ذلك, اضافة إلى بيع الشركات الهامشية للتركيز على النشاط الاساسي للشركة من اجل زيادة الارباح. ساعد ذلك في تحقيق طفرة كبيرة في البورصكة الامريكية في ذاك الوقت اتخذت الشركات الامريكية خطوات شجاعة وكبيرة مع ان الشركات الاوروبية كانت لا تزال على حذر ما وظلت في مكانها ولم تتقدم عملية اعادة الهيكلة بشكل ملحوظ. وظلت الشركات الاوروبية تزداد حالتها سوءاً, حيث لم تستطع تحويل تكنولوجيتها إلى اسلحة لاصطياد الاموال, في الوقت الذي كانت الالكترونيات تنتشر فيه في كل مكان من آسيا إلى امريكا. كانت المسألة تتعلق بالافتقار إلى قيادات جريئة, حيث يرأس كثير من الشركات خبرات فنية تسلقت الوظائف والمناصب من البداية, لذلك لم يكن لديهم احساس بالاسواق او الادارة العامة او التسويق. خلال فترة من التسعينات فشل قطاع الشركات الاوروبي في تحقيق ارباح كبيرة لتغطية تكاليف رأس المال. فقد تكون مستويات الارباح حالياً اعلى ما يكون مقارنة بالسبعينات لكنها لا تزال نصف مستويات ارباح الشركات الامريكية. منطقة اليورو سجلت الشركات في منطقة اليورو متوسط عائدات 14% على استثمار رأس المال خلال العام الماضي, مقابل 72% بالنسبة للشركات الامريكية, فلا عجب اذن ان الشركات الامريكية تسبق نظيرتها الاوروبية. لكن هناك تغيرات حدثت في اوروبا الآن. فسجلت عمليات اندماج الشركات ارقاماً قياسية. وبدأت الشركات تسعى إلى السيطرة الاقليمية والعالمية. وهناك طفرة كبيرة في أموال المساهمة الاولى وتمويل شراء وتملك الشركات, لأن المستثمرين ازدادوا اقتناعاً بأن اوروبا لن تستطيع ان تنافس الولايات المتحدة في الصناعات القائمة على المعلومات دون اللجوء إلى ذلك. جرت عمليات هيكلة ليس لها مثيل سابق, واصبحت الشركات التي رفضت التغير لفترة طويلة تفكر مرة ثانية استجابة لضغوط السوق. فقد باعت اسرة انجلي الايطالية نسبة 20% من اسهم فيات لشركة جنرال موتورز للسيارات. بدأ المديرون ايضا يهتمون بقيمة اصحاب الاسهم. ويقول احد الخبراء ان هذه التطورات تعتبر ثورة او تطويراً شديداً السرعة على الاقل. فما هو الدافع وراء هذه الثورة؟ انها المنافسة الشديدة التي يدفعها ارتفاع حجم التجارة والاستثمارات العالمية. تزايدت عولمة المنتجات والخدمات ولابد للمنتجات والخدمات الاوروبية ان تتنافس بشدة من اجل رأس المال. وهناك عامل آخر وراء هذه التغيرات هو صدور العملة الاوروبية الموحدة )اليورو(. لقد مهد اليورو الطريق امام ثورة مالية جعلت من اوروبا سوقاً متجانسة على غرار السوق الامريكية من حيث السلع والخدمات واصبح مستقبل الاقتصاد الضخم واعداً في اوروبا. اقتنع مديرو الشركات من خلال ذلك بان الوطن ليس هو النطاق الذي يجب ان يعملوا خلاله ـ بل القارة باكملها, لكن اليورو بالنسبة للذين لا يعرفون التحرك السريع يمثل تهديدا, فهو يشكل ضغوطاً على الاسعار, مما دفع بعض المصانع والشركات إلى خارج نطاق المنافسة. تخفيف القيود وكان تخفيف القيود واللوائح على الشركات من العوامل الهامة وراء التغيرات في قطاع الشركات الاوروبي. فاضطرت الشركات في مختلف القطاعات ان تتخلص من ظاهرة الاحتكار والتحول إلى صناعة نشيطة قائمة على المنافسة. وتحركت بعض الدول بشكل اسرع مما يتطلبه تنظيم المنافسة. وانخفضت اسعار المكالمات الخارجية في المانيا مثلاً بنسبة 40% خلال عامين مما اضطر شركة الاتصالات الالمانية )دويتشه تليكوم( إلى السعى للسوق الخارجية بعد ان كانت شركة احتكارية. واستيقظت صناعة الطاقة الالمانية على منافسة شديدة ادى اليها تخفيف القيود واللوائح. اعادة هيكلة الشركات الكبرى كانت هناك شركات اوروبية تقوم باعادة الهيكلة بسرعة وعمق كبيرين من اجل الحفاظ على الميزة التنافسية لاطول فترة ممكنة. ومكنت هذه العملية شركة ديملر بنز من شراء كرايسلر الامريكية من عامين. وفضلت غالبية الشركات الاوروبية ان تظل على قمة القدرة التنافسية من خلال اجراءات مماثلة. قامت هذه الشركات بتسريح العمالة وبيع بعض الوحدات الصغيرة التابعة لها. لاحظ المديرون ان ارتفاع اسعار الاسهم يحدث من خلال اعادة الهيكلة وتحسين مستويات الادارة. كما ان الصفقات التي تبرمها الشركات للاندماج او التملك تعزز من اسعار اسهمها. يقول مدير شركة اسيا براون بوفيري التي نشأت من اندماج شركتين سويسرية وسويدية, ان مديري الشركات التي لم تصرف ارباحاً للمساهمين لسنوات كانوا يفخرون بذلك في وقت من الاوقات, لكنهم الآن يتحدثون باهتمام عن اصحاب الاسهم ويضعونهم في مقدمة اولوياتهم. تقسيم التكتلات الكبرى تهدف عمليات اعادة الهيكلة في الغالب إلى التخلص من تكتلات كبيرة في الشركات التي تعاني غالباً من انخفاض اسعار الاسهم. وقد بلغت نسبة هذا الانخفاض 25% في تكتلات شركات المرافق الالمانية قبل ان تبدأ في التركيز على قطاع الكهرباء فقط العام الماضي. ويقول محللون ان اعادة الهيكلة في الفترة الماضية بدأ يؤتي نتاجه في ارتفاع عائدات الشركات حيث سجلت 4 من كل خمس شركات اوروبية العام الماضي النمو الذي توقعته, ومن المتوقع ان يفوق معدل نمو الارباح للشركات الاوروبية نظيره لدى الشركات الامريكية هذا العام. الشركات المملوكة للدولة حتى الشركات المملوكة للدولة تغيرت فيها الصورة من التشاؤم إلى التفاؤل. قللت خصخصة الشركات من عدد الشركات المملوكة للدولة. وبدأت الشركات التي لا تزال ملك الدولة تعمل لتحقيق الارباح. والسكة الحديد الايطالية التي تعاني خسائر سوف يتم خصخصتها وكذلك السكة الحديد الالمانية التي عينت مؤخراً مديراً من القطاع الخاص وليس من الحكومة. لكن رجال السياسة لا يزالون يعترضون فريق التغير ويتوخون الحذر بشكل اكبر. وقد تتحدث الحكومات الاشتراكية الديمقراطية في اوروبا لغة اليسار, لكن اعمالها تميل إلى اليمين. ورغم ما تقوله الحكومة الالمانية والحكومة الفرنسية عن بيع الشركات الوطنية, فإنهما توافقان على اجراءات لتيسير بيع هذه الشركات. قوة دفع لرأسمالية جديدة تشير هذه التطورات إلى وجود قوة دفع لرأسمالية جديدة بدأت تتطور وتتبلور. كانت الشركات الاوروبية )باستثناء بريطانيا( وخاصة في شمال اوروبا تمارس عملها بأسلوب يختلف عن اسلوب الشركات الامريكية والبريطانية. كانت تعمل باسلوب اقل شجاعة ومنافسة, وتركز على العدالة الاجتماعية, وتحيط نفسها بسياج قوى من القوانين لحمايتها حتى تأمن خطورة المنافسة الجديدة. هناك من يؤيد ومن يعارض هذا الاسلوب. ويعتقد كثيرون ان هذا هو الاسلوب البديل للقوة المالية والاجتماعية التي تعتمد عليها الشركات الامريكية. ويعتقدون ان هذا الاسلوب يسمح بتدريب العمالة بشكل جيد والحفاظ على مستقبل الشركات على المدى الطويل. لكن مديرو الشركات يتساءلون الآن عن الاسلوب البديل لذلك. الا ان هذا السؤال ليس جيداً لأن اوروبا ليست دولة واحدة متجانسة ـ بل عدد من الدول تمتاز كل منها في صناعة معينة على الدول الاخرى. شركات العائلات مثلاً تتركز في ايطاليا والشركات الهندسية في المانيا والشركات التي تعمل في التكنولوجيا الفائقة تتركز في الدول الاسكندنافية. لذلك تختلف صور الاقتصاد الاجتماعي بين هذه الدول. هناك في هولندا مثلاً بورصات تسود فيها صناديق المعاشات مثل بريطانيا وتشبه فرنسا من حيث قوانين الشركات وتشبه المانيا في اشياء اخرى. في المانيا مثل تسود تقاليد القيادة الجماعية وفي اسبانيا لا تمثل النقابات العمالية في مجالس ادارة الشركات كما يحدث في المانيا. هذا التنوع يجعل من الصعب التعميم. ويشير إلى آن قطاع الشركات الاوروبية لن يكون موحد الملامح كما هي الحال في الولايات المتحدة. لكن السوق الاوروبية اقتربت بدرجة اكبر من طبيعة السوق الامريكية خلال العامين الماضيين. لكن هذا التشابه كان مختلف الدرجات بين الدول الاوروبية. وكانت معارك اندماج الشركات الاوروبية اقرب إلى ما حدث في الشركات الامريكية في الثمانينات. تغيرات في البورصات الاوروبية وعقب اطلاق اليورو اكتسبت الاسواق المالية الاوروبية صفات البورصات الامريكية والبريطانية, وهناك تطورات جديدة تسري في البورصات الاوروبية باكملها. فظهرت بورصة نيوير في المانيا على غرار البورصة الامريكية واثارت اهتمام المدخرين والمستثمرين العاديين. وفاق عدد اصحاب الاسهم في هذه البورصة لشركات التكنولوجيا الفائقة عدد اعضاء النقابات العمالية في المانيا لاول مرة. يساهم ذلك في تقويض النظام السابق الذي كانت تعتمد في ظله الشركات على التمويل من البنوك, والاتجاه إلى الحصول على رأس المال من البورصة. وتتركز اعين اصحاب الاسهم وتراقبها عن كثب, وهذا لم يكن يحدث من قبل. قبل ظهور هذا النمط من البورصات بدأ الفراغ في الملكية في الشركات الاوروبية يمثل ضغطاً على مديري الشركات. وتسبب الاخفاق في اصلاح نظام المعاشات في ان تفقد دول مثل فرنسا وايطاليا والمانيا قاعدة محلية من المؤسسات الاستثمارية, فكان على الشركات ان تسعى إلى مستثمرين في اماكن اخرى من الصناديق الاستثمارية في امريكا وبريطانيا, بما يعني تبني الاعراف المحاسبية الامريكية والبريطانية. ويوضح ذلك أسباب تدفق الاستثمارات الاجنبية على الاسواق الاوروبية في السنوات الأخيرة. في بورصة ميلان مثلا يأتي 40% من حجم التداول من مستثمرين من الخارج, ويمتلك مستثمرون من امريكا وبريطانيا أكثر من ثلثي أسهم الشركات الفرنسية الكبيرة. كما تستورد الشركات الاوروبية الوسائل الامريكية والبريطانية من خلال جيل جديد من المديرين, وكثير منهم تعلموا في الولايات المتحدة ولهم خبرة في الاستثمارات العالمية, هؤلاء المديرون يضعون أصحاب الأسهم على رأس أولوياتهم. الشركات الاوروبية لديها رصيد خبرة بالتأكيد كان لدى الشركات الاوروبية خبرة ايضا تعلمها لمنافسيها في اجزاء اخرى من العالم, وأمثال تلك الشركات سواتش للساعات وبنيتون للملابس, لكن هذه الشركات عليها ان تطبق الكثير من القواعد. وقد وضعت أقدامها على الطريق الصحيح, وساعد في ذلك العملة الاوروبية الموحدة ونمو أسواق الأسهم. وبدأت الهياكل القديمة القوية التي كانت تعوق التطور الانهيار وظهر كثير من الشركات التي تتمتع بقوة جديدة. واذا حافظت الشركات الاوروبية على مكانتها الرائدة في مجال الهاتف المتحرك, سوف تجعل الشركات الامريكية تحاول الاقتراب منها جاهدة في مضمار سباق الاقتصاد الجديد. لقد بدأ الحديث الآن عن التحدي الاوروبي, وقد يكون في ذلك بعض المبالغة, لكن الواضح ان الفجوة بين الشركات الاوروبية والامريكية تضيق شيئا فشيئا.