في غضون ايام من تقلده منصب وزير الخزانة الأمريكية قبل عام, وضع لاري سومرز كل ثقله وراء حملة تهدف الى الاطاحة بكبير الاقتصاديين جوزيف سيتجليتز من منصبه المتنفذ.واشارت الخلفية لما يمكن ان يعتبر من قبل الكثيرين قضية أخرى من قضايا تآمر واشنطن الى العيب الكامن في الجانب الأكبر من سياسة الخزانة الامريكية الحالية, وإلى السبب الذي جعل الدعوات السابقة لاعادة تنظيم صندوق النقد الدولي ووضع نظام نقدي جديد او حتى تشكيل بناء جديد لعملية التمويل الدولي ـ جعلها تختفي تماما من اجندة الادارة الأمريكية. ان لاري سومرز,وكما اشار سيتجليتز مؤخراً, ليس إلا وكيلا للمصلحة التقليدية لبعض من مؤسسات وول ستريت. وبالنسبة لهذه القوى, فان العائد على الاستثمار يأتي أولا وقبل كل شيء, حتى على حساب السكان محليا ودوليا. غير انه وعلى الرغم من حداثة تحوله الى الصفوف الأولى من معارضي صندوق النقد الدولي, الا ان الحملة العامة الحالية التي يشنها الخبير الاقتصادي السابق في البنك الدولي تعتبر مهمة جدا لتغيير الجدل الدائر حول نظام نقدي جديد او بناء مالي عالمي جديد. سيتجليتز يشير باصبع الاتهام الى وول ستريت في مقابلة نشرت في عدد الخامس والعشرين من مايو الماضي بمجلة (استرليان فايننشيال ريفيو) , انهم سيتجليتز سومرز بصراحة بأنه يعمل كأداة بيد وول ستريت. وحمل عليه قائلا بأن المشكلات الناجمة عن الأزمة الآسيوية الأخيرة كانت ثمرة من ثمار (سياسة اقتصادية واسعة جرى تحديدها من قبل مصالح خاصة. وعندما تروج الخزانة لوول ستريت, يعتقد الناس احيانا انها السياسة الجيدة والعقلانية, ولا يرونها على حقيقتها, وهي مصالح الأسواق المالية, الأمر الذي قد يكون سياسة جيدة او قد لا يكون كذلك. ان خلفية تعليقات سيتجليتز تلقي الضوء علي السبب الذي جعل سومرز ينطلق لازاحة جو سيتجليتز من منصبه ومن تحت الاضواء الجماهيرية المسلطة عليه, باعتبار ان ذلك كان من الأولويات الاساسية له منذ توليه منصب وزير الخزانة في يوليو عام 1999. ويعود الصراع السياسي بين سيتجليتز وسومرز الى الايام الأولى لادارة كلينتون. فقد كان سيتجليتز اقتصاديا اكاديميا بارزاً جاء الى البيت الأبيض ليصبح رئيسا لمجلس المستشارين الاقتصاديين للرئيس, أما سومرز فقد جلب الى واشنطن من جامعة هارفارد ليكون مساعدا لوزير الخزانة للشئون الاقتصادية الدولية. وفي أواخر عام 1993 كان سومرز والخزانة يمارسان ضغطا داخل ادارة كلينتون لتسريع الوتيرة التي تحرر بها كوريا الجنوبية اسواقها المالية والاقتصادية المحلية بما في ذلك رفع القيود على رأس المال. وقد عارض رئيس مجلس المستشارين الاقتصاديين سيتجليتز خطوة سومرز متحججا بأن الامر يقتضي تحريرا تدريجيا. ومن الواضح ان سومرز ومؤيديه في وول ستريت قد انتصروا في هذا الصراع. أشار سيتجليتز قائلا: (يتفق معظم الناس الآن على ان التحرير السريع للسوق الرأسمالية كان هو أساس المشكلة الاقتصادية الآسيوية. وقد وقعت مشادة كبيرة بيني وبين لاري في عام 1993 عندما كنت في البيت الأبيض) . وذهب سيتجليتز الى القول بأنه لم يكن في مصلحة الولايات المتحدة القومية دفع كوريا الجنوبية الى فتح اسواقها بسرعة. وقال: (هذا لم يكن في رأس أولوياتنا.. فهذا لم يكن ليؤدي الى خلق فرص عمل كثيرة للأمريكيين, وثانيا, كان الأمر بمثابة سياسة فاشلة, الأمر يتعلق بترجيح المصلحة الخاصة على المصالح القومية. ولاري مضى في تحقيق هذه السياسة عاكسا مصالح وول ستريت) . وسواء كان ذلك جزءاً من ضغط خفي قام به سومرز لاخراج سيتجليتز من البيت الابيض, فإن كلينتون اختاره في عام 1996 ليكون كبير الاقتصاديين ونائبا لرئيس البنك الدولي, غير ان أية افكار كان قد أضمرها لاري سومرز, والتي كان من شأنها ان تنهي دور سيتجليتز في التدخل بسياسة الادارة الامريكية, قد تبددت خلال الازمة الآسيوية في عام 1997. وفي عام 1998 بدأ سيتجليتز في كتابة رسائل احتجاج موقعة في الصحف البارزة بما في ذلك صحيفة (وول ستريت جورنال) يعارض فيها دور صندوق النقد الدولي في أحداث آسيا. وفي عدد السابع عشر من ابريل من مجلة (نيو ريبابليك) كتب سيتجليتز يقول: (كنت أشغل منصب كبير الاقتصاديين في البنك الدولي من عام 1996 وحتى نوفمبر الماضي خلال أعظم أزمة اقتصادية عالمية في غضون نصف قرن, وقد رأيت كيف استجاب صندوق النقد الدولي بشكل ترادفي مع وزارة الخزانة الأمريكية, وقد شعرت بالرعب مما رأيت) . وفي اشارة الى ان الأزمة وقعت نتيجة لضغط سومرز السابق لحمل الدول الآسيوية على رفع القيود عن رأس المال مما جعلها معرضة لخطر النزوح المفاجىء لرؤوس الاموال قصيرة الأجل, يروي سيتجليتز ان سومرز دعا الى استخدام صندوق النقد الدولي للتعامل مع أزمة العملة التايلاندية بشكل يشبه كثيرا الطريقة التي تعامل بها الصندوق مع امريكا اللاتينية في الثمانينات. وهو يتذكر قائلا: (وهكذا فإنه في عام 1997 فرض صندوق النقد الدولي المطالب نفسها على تايلاند, وقال قادة الصندوق ان التقشف سيعيد الثقة للاقتصاد التايلاندي. ومع امتداد الأزمة الى دول آسيوية أخرى وحتى مع تراكم الأدلة على فشل السياسة المتبعة, فإن صندوق النقد الدولي بالكاد نظر بعين المبالاة بما يجري مقدما الدواء نفسه لكل دولة مريضة طرقت بابه, واعتقدت ان هذا كان خطأ) . ويروي سيتجليتز كيف حاول الضغط لتغيير السياسة, ويقول: (تحدثت مع ستانلي فيشر النائب الأول للمدير الاداري لصندوق النقد الدولي, والتقيت مع اقتصاديين زملاء في البنك الدولي الذين قد يكون لهم تأثير داخل صندوق النقد الدولي, الا ان تغيير العقول في صندوق النقد الدولي كان أمرا مستحيلا في الواقع) . ثم يقول انه عندما مارس ضغوطا على مسئولي صندوق النقد الدولي حول سبب رفضهم للتغيير, فإنهم اكتفوا بالاجابة قائلين: (ان الضغط يمارس عليهم من مجلس المدراء التنفيذيين في الصندوق) . والقوة الانتخابية الأكبر في مجلس الادارة في الصندوق تعود للحكومة الأمريكية التي تملك 18% من الأصوات, وهي ممثلة من قبل الخزانة الأمريكية. ويتابع سيتجليتز قائلا: (بحلول يناير 1998 ساءت الامور كثيرا لدرجة ان نائب رئيس البنك الدولي لشرق آسيا جين ميتشيل سيفيرينو استحضر الكلمتين المخيفتين (الركود والكساد) في وصفه للكارثة الاقتصادية في آسيا. واحتج لاري سومرز الذي كان يشغل في حينه منصب نائب وزير الخزانة, على سيفيرينو لجعله الأمور تبدو أسوأ مما هي عليه, لكن هل كانت هناك طريقة أخرى لوصف ما كان يجري؟ فالانتاج في بعض الدول المتأثرة بالأزمة انخفض بنسبة 16% أو أكثر. نصف النشاطات التجارية في اندونيسيا كانت تعاني من افلاس فعلي او قريباً من ذلك. وارتفعت البطالة بمقدار عشرة اضعاف والأجور الحقيقية انخفضت. ويضيف قائلاً: (ان صندوق النقد الدولي لم يعد الثقة الاقتصادية في شرق آسيا فحسب, وانما عمل ايضاً على تقويض النسيج الاجتماعي للمنطقة. ثم في ربيع وصيف عام ,1998 امتدت الازمة خارج شرق آسيا إلى روسيا اكثر الدول استعداداً للتأثر) . ويوجه سيتجليتز اللوم بشكل مباشر إلى الخزانة الامريكية, راجعاً في الذاكرة إلى السنوات الاولى من رئاسة كلينتون, وذلك لتلاعبها لما كان في حينه جدلاً حقيقياً حول السياسة الاقتصادية التي يتعين اتباعها بشأن الاتحاد السوفييتي السابق. كان سيتجليتز والاقتصادي كينث ارو جزءاً من مجموعة واحدة من الخبراء الاقليميين. ويقول سيتجليتز: (هذه المجموعة اكدت اهمية البنية التحتية المؤسساتية لاقتصاد السوق.. من البنى القانونية التي تضع العقود موضع التنفيذ إلى البنى التنظيمية.. ارو وانا كنا جزءاً من مجموعة تابعة للاكاديمية الوطنية للعلوم التي ناقشت, قبل عقد مع الصينيين استراتيجية التحول الخاصة بهم. وقد فضلنا في حينه تحولا اكثر تدرجاً لاقتصاد السوق) . ومن سوء الطالع ان مجموعة ثانية فازت بالجدل السياسي حول روسيا. ويقول سيتجليتز: (تألفت المجموعة الثانية بشكل اساسي من اقتصاديين لم يجد ايمانهم في السوق ما يضاهيه من تقدير لدقائق دعائمه, اي الظروف المطلوبة لها كي تعمل بشكل ناجح. وهؤلاء الاقتصاديون لديهم القليل من الخبرة بتاريخ تفاصيل الاقتصاد الروسي, ولم يعتقدوا انهم بحاجة إلى شيء من هذه المعرفة.. وعلاج الصدمة ينجح مع الدول التي تعيش مرحلة تحول إلى اقتصاد السوق: (وتمضي حجتهم بالقول انهم كلما كان الدواء اقوى كلما كان الانتعاش اسرع) . ويزعم سيتجليتز قائلاً ان (وزارة الخزانة وصندوق النقد الدولي تأكدا من عدم وجود نقاش مفتوح.. واعاد صندوق النقد الدولي والخزانة معايرة الحوافز الاقتصادية الروسية.. ولكن بالطريقة الخاطئة. ومن خلال اعارة اهتمام غير كاف للبنية التحتية المؤسساتية التي من شأنها ان تتيح لاقتصاد السوق ان يزدهر ـ ومن خلال تسهيل تدفق رأس المال إلى داخل وخارج روسيا.. فإن صندوق النقد الدولي والخزانة قد وضعا حجر الاساس لاعمال السرقة التي يقوم بها الاوليجاركيين وبينما افتقرت الحكومة للاموال من اجل دفع مستحقات المتقاعدين, فإن الاوليجاركيين كانوا يرسلون الاموال التي حصلوا عليها من سلب الممتلكات وبيع الموارد القومية الثمينة للبلاد إلى حسابات مصرفية في قبرص وسويسرا) . ويضيف قائلاً: (ان الولايات المتحدة كانت متورطة في هذه التطورات الفظيعة. ففي منتصف عام ,1998 ظهر سومرز, الذي تقلد بعد وقت قصير منصب وزير الخزانة خلفاً لروبرت روبين, على الملأ بصحبة اناتولي تشوبايس, المهندس الرئيس لعملية الخصخصة الروسية. وبهذا العمل, بدت الولايات المتحدة وكأنها تنحاز للقوى نفسها التي تعمل على افقار الشعب الروسي. فلا عجب اذن ان المشاعر المعادية للامركة انتشرت مثل انتشار النار في الهشيم) . وضع حد لاجماع واشنطن لم يعد الامر سراً في واشنطن ان حملة الضغط التي اطلقها لاري سومرز في نفس اليوم تقريباً الذي اصبح فيه وزيراً للخزانة في يوليو عام 1999 كانت وراء (استقالة) سيتجليتز من البنك الدولي في نوفمبر من العام نفسه. وقد اعترف سيتجليتز, في وقت لاحق, بالدور الشخصي لسومرز, كما اقر بذلك الصحفي البارز في نيويورك تايمز لويس اوشتيل الذي كتب يقول ان سومرز اجبر سيتجليتز على الاستقالة. والاتهامات التي تفوه بها سيتجليتز صراحة والتي تذكر الدور السياسي الذي لعبه لاري سومرز منذ عام ,1993 جميعها ظهرت إلى العلن بعد ان ترك سيتجليتز الخدمة العامة (الوظيفة الحكومية) واستأنف وظيفة تدريسية ووظيفة جزئية مع معهد بروكنجز. ومنذ تركه لعمله في البنك الدولي, يبدو سيتجليتز من نواح عديدة اكثر حرية في شن حملات موجهة وفاعلة على سياسة الخزانة الخاطئة في ظل سلطة سومرز. غير ان السبب الذي دفع سومرز بشكل مهووس لاجبار سيتجليتز على الاستقالة من البنك الدولي نبع مما كان يقوم به سيتجليتز, بصفته كبير الاقتصاديين في البنك الدولي, مراراً وتكراراً في خطاباته التي كان يلقيها حول العالم, ومن مهاجمته للعيوب الجوهرية لسياسة صندوق النقد الدولي في الازمة الناشئة بعد عام 1997. وقد تمحور شكل الهجوم الذي شنه سيتجليتز على دور صندوق النقد الدولي حول هجوم مباشر على ما يسمى بـ (إجماع واشنطن) . وفي حين ان معظم الرأي العام لم يسمع حتى بمفهوم مثل اجماع واشنطن, فان هذا المفهوم معروف في الدوائر الرسمية للسياسة الاقتصادية الدولية وصندوق النقد الدولي على انه الأساس الجوهري لسياسة صندوق النقد الدولي. وفي عام ,1990 نشر جون ويليامسون, وهو خبير اقتصادي يعمل في معهد واشنطن للاقتصاد الدولي, وكان مطلعاً على أزمة ديون أمريكا اللاتينية الكارثية في الثمانينات ـ نشر بمناسبة الاجتماع السنوي في واشنطن لصندوق النقد والبنك الدوليين قائمة تضم عشرة اصلاحات سياسية (بسيطة الغباء) والتي من شأنها ان تشكل الأساس لسياسة صندوق النقد والبنك الدوليين نحو الدول المدينة في أمريكا اللاتينية. لقد فوض اجماع واشنطن, الذي أصبح سياسة رسمية لصندوق النقد الدولي, دولة ضحية تحتاج لمساعدة صندوق النقد الدولي بفرض عشرة اجراءات: فرض انضباط مالي (أي تقليص الانفاق العام حتى على الاعانات الغذائية الممنوحة للفقراء), واعادة توجيه الانفاق العام من اجل الحصول على عائد اقتصادي عال وتوسيع القاعدة الضرائبية وتحرير معدلات الفائدة وجعل سعر الصرف (تنافسي) وتحرير التجارة والسماح بتدفقات حرة للاستثمار الاجنبي وخصخصة الشركات الحكومية ورفع القيود, وخاصة عن الدخول الاجنبية لرأس المال وتأمين حقوق الملكية. وفي خطاب ألقاه في يوليو ,1998 بصفته كبير اقتصاديي البنك الدولي, أمام مؤتمر لوزارة الاصلاح الزراعي في برازيليا بالبرازيل في يوليو ,1998 في خضم الازمة الآسيوية وقبل اندلاع أزمة تخلف روسيا عن الايفاء بديونها والازمة البرازيلية في بداية عام ,1999 أعلن سيتجليتز, في اشارة الى اقتصادات أمريكا اللاتينية خلال الثمانينات وأوائل التسعينات, أن هذه الدول قد اتبعت آراء إجماع واشنطن.. بتخفيض التضخم والعجز في الموازنة وتحرير التجارة وخصخصة المشاريع المملوكة للدولة وتصحيح الأسعار.. ولكنها لاتزال تنتظر التنمية. واذا كانت هذه التنمية ستأتي من أصله, فانها ستأتي ببطء شديد. وسبب إخفاق (إجماع واشنطن) في الايفاء بوعوده هو انه لم يسع لتحقيق قائمة ضيقة من الاهداف فحسب تتلخص في احداث زيادة في الناتج المحلي الاجمالي للفرد ـ وانما لأنه رأى التنمية من منظورين ضيقين وبمفهومين مختلفين. أولاً, ان الأدوات التي اختارها للتركيز على ـ تحرير التجارة والخصخصة والاستقرار الاقتصادي الهائل ـ وعلى الرغم من أهميتها, أدت في بعض الاحيان الى الخلط بين الغاية والوسيلة, وتجاهلت بأي حال أدوات اخرى على نفس القدر من الأهمية) , ثم عمل سيتجليتز مقارنة بين التجربة السلبية في أمريكا اللاتينية مع اجماع واشنطن الخاص بصندوق النقد الدولي وما يسمى بـ (شروط) صندوق النقد الدولي مع تجربة الصين. ويشير سيتجليتز الى أن (الصين تستحوذ على ثلثي الزيادة في الدخل الاجمالي للدول المنخفضة الدخل خلال العشرين عاماً الماضية. ومع ذلك, فان الصين لم تتبع آراء اجماع واشنطن. وقد منحت الأولوية للمنافسة على الخصخصة, وتقول النظرية الاقتصادية القياسية ان الاثنين مطلوبتين من اجل اقتصاد سوق فاعل. وقد عمل اجماع واشنطن على التركيز على واحدة منها, والصين على الاخرى. ونحن نرى السجل التتبعي, وينبغي ألا يكون مفاجئاً) , وواصل كلامه أمام الجمهور البرازيلي قائلاً: (ان خصخصة احتكار حكومي من المحتمل ان يخلق في الغالب احتكاراً للقطاع الخاص بأسعار مرتفعة وعدم كفاءة متواصلة.. وربما تكون الموضوعات التي اسقطها اجماع واشنطن أكثر تأثيراً: الأسواق المالية, المنافسة والتنظيم, ونقل التكنولوجيا وتطوير المؤسسات.. هذه مجرد موضوعات قليلة تحظى أهميتها باعتراف متزايد) . غير أنه وعلى الرغم من فائدة الحملة الشعبية التي شنها جوزيف سيتجليتز خلال الأعوام العديدة الماضية, من أجل تبني حوار سياسي عام حقيقي حول فشل صندوق النقد الدولي, وبينما يعتبر ذلك ضرورياً كجزء من الهجوم الحاسم, إلا ان ذلك غير كاف ابداً. وعلى الأقل في تصريحاته العامة حتى الان, فانه لم يتطرق الى أكثر الانتقادات جوهرية فيما يتعلق بصندوق النقد الدولي وسياسات الخزانة برئاسة سومرز, وخاصة فشلها في الاعتراف بمدى الحاجة إلى وجود نظام نقدي عالمي جديد شامل, وهو ما يشير اليه البعض باتفاقية بريتون وودز جديدة, ولتفعيل هذا القول, كما تعرف اليابان وماليزيا والدول الاخرى جيداً, فان هذا يعني الاضطلاع بالسلطة التي تقف خلف صندوق النقد الدولي, اي سلطة أوليجاركية مالية عالمية متمركزة في لندن ونيويورك وباريس وفرانكفورت بدعم من كل مصرف كبير وشركة تأمين في قارة أوروبا.