لقد انتهت الأزمة الآسيوية بنفس السرعة التي تفجرت بها, وهذا هو العام الثاني الذي تحقق فيه آسيا نمواً منذ اصاب المنطقة أسوأ كساد منذ الحرب العالمية الثانية. ورغم ان النمو سوف ينخفض قليلا في كوريا الجنوبية مقارنة بالعام الماضي حيث كان 10.7%, وقد يصل الى 7.7% خلال العام الجاري فإنه لايزال نموا جيدا. وسوف يزداد النشاط الاقتصاي في كل من تايلاند واندونيسيا الدولتين الاخريين اللتين اصابتهما الأزمة الاقتصادية الاسيوية بشدة, مما يؤكد اتجاه النمو الذي تحقق في العام الماضي. ويرجع الانتعاش الاقتصادي المبدئي في كثير منه الى اصلاح السياسات المالية, بعد ان اعتادت الحكومات ان تعاني عجزا في هذه المنطقة. ومع هدوء الذعر, توقفت الشركات عن التخلص السريع من مخزونها, في الوقت الذي ساعد الانتعاش الاقتصادي الامريكي غير المتوقع في زيادة الطلب على السلع الآسيوية, والآن هناك عدد من العوامل تصنع صنيعها. لقد ادى الانبهار بالانترنت والتكنولوجيا الفائقة الى شكل جديد للحياة في الصناعات التكنولوجية الآسيوية وولد ثقة جديدة في أن المنطقة يمكن ان تفيد من مصدر النمو الجديد. كما يشير استمرار ارتفاع الواردات الآسيوية ايضا الى انها لن تظل معتمدة لفترة طويلة على النمو القائم على الصادرات فقط. وقد بدأ المحللون في تقرير الاثر بعيد المدى, لأن الازمة الاسيوية لاتزال غير بعيدة زمنيا. ولايزال البعض يشعر بالحيرة لأن الانتعاش الاقتصادي بدأ في الوقت الذي لاتزال الاصلاحات الهيكلية الاقتصادية جارية ولم تكتمل بعد. ولاتزال هناك اسئلة تتردد عن مدى استمرار الانتعاش الاقتصادي والى اي مدى تغيرت الافكار في مجال التجارة والمصارف واذا كانت المنطقة لاتزال عرضة لاثار صدمات خارجية؟ الانظمة المالية نقطة البداية في اي تحليل هي الانظمة المالية في المنطقة حيث كانت مصدر المتاعب الأول. هنا تكون النظرة مختلطة ومختلفة. قال البنك الدولي في تقرير مؤخراً ان التقدم في هيكلة الديون وحل مشكلة الديون المعدومة هو مفتاح حل الأزمة, وتتقدم كوريا الجنوبية في هذا المجال فيما تتخلف اندونسيا. باعت كوريا الجنوبية كوريا فيرست بنك لمجموعة شركات على رأسها نيوبريدج الامريكية, لكن محاولاتها لبيع بنك سيول الى بنك اتش. إس. بي. سي تعثرت. ومن المتوقع حدوث مزيد من الاندماجات في قطاع المصارف المحلي, لكن القطاع لايزال بعيدا عن المفاهيم الائتمانية العقلانية الموضوعية الرشيدة. وكذلك في ماليزيا التي تبدو اقل الدول استجابة في اصلاح هذا القطاع, قامت بمحاولات للقضاء على الديون المعدومة في قطاع البنوك وبدأت برنامجا لتضامن بنوكها, لكنها لم تحقق بعد اعادة الهيكلة الكاملة في هذا القطاع, مع ان هذا سوف يوفر مصدرا جيدا للائتمان في هذا القطاع. وقالت تايلاند بفتح قطاع البنوك امام المؤسسات الاجنبية وباعت بعض الديون المعدومة التي حصلت عليها الحكومة في اطار عملية الانقاذ الاقتصادي. غير انها تكافح من اجل تخفيض الديون المعدومة في بنوكها ولاتزال تصل نسبتها الى 38% من اجمالي القروض حتى نهاية فبراير العام الجاري. وقد يؤدي قرار المحكمة بإعلان افلاس مؤسسة البتروكيماويات التايلاندية في شهر مارس بعد انتظار طويل الى ازالة العقبة في قضايا اعادة هيكلة الديون, لكن في اندونيسيا فإن مشكلات قوانين الافلاس لاتزال تشكل عقبة خطيرة أمام إعادة هيكلة ديون البنوك والمؤسسات وقد ادى ذلك الى وقف صرف قروض صندوق النقد الدولي. لكن من اسباب عدم اعاقة اتمام عملية هيكلة البنوك الكاملة حتى الآن لانتعاش المنطقة اقتصاديا هو ان الطلب على القروض في كثير من البلدان الاسيوية لايزال ضعيفا, باستثناء كوريا الجنوبية, التي بدأت فيها قروض البنوك تحقق نموا قويا, وماليزيا حيث تضع شركات الالكترونيات متعددة الجنسيات ثقلها. وباستثناء هاتين الدولتين فإن الاستثمارات الصناعية الجديدة ضعيفة. وفي بلدان اخرى لاتزال الطاقة الانتاجية الصناعية الزائدة التي دخلت بها آسيا الأزمة المالية, تحتاج لاستيعابها. وفي الوقت الحالي يساعد ذلك في ان تظل اسعار الفائدة منخفضة في غالبية الدول الآسيوية. لكن بعض المحللين رأي ان الانطلاق سوف يحدث عندما يرتفع الانفاق الاستهلاكي ويرتفع معه الطلب على القروض. عند تلك النقطة قد يواجه الانتعاش مخاطر اذا لم تكن البنوك قوية بدرجة كافية لتبدأ في منح القروض مرة اخرى. لكن ما يخفف من هذه المخاطرة او يحيدها بعض التغيرات المهة في الساحة المالية. فقد بدأت مصادر جديدة للتمويل تظهر في آسيا وقد تنتشر بين البنوك التقليدية الآسيوية. اسهم الشركات الخاصة لقد بدأت اسهم الشركات الخاصة على الأقل تنتعش, والدليل على ذلك صفقة كوريا فيرست بنك, فضلا عن اندماج شركة باكتي انفستما التي يملك جورج سوروس حصة في اسهمها, مع مجموع شركات بقيادة سنغافورة, التي اشترت 40% من اسهم شركة استرا للسيارات في اندونيسيا. وتتحول اسواق السندات المحلية ايضا الى مصادر جديدة للتمويل بالنسبة للشركات. وشهدت هذه الفترة اصدار شركة دوكومو سندات بقيمة الف ملياران من اجل تمويل الجيل الجديد من الهواتف المتحركة. كما اصدرت الشركات التايلاندية العام الماضي اصدارات بقيمة 331 مليار باهت (العملة المحلية التايلاندية) ويستمر هذا الاتجاه خلال العام الجاري, رغم انه اكثر بطئا. وقالت شركة سيام للاسمنت, احدى الشركات التي اصدرت سندات جديدة, ان سوق السندات اصبح الآن ارخص من سوق الاسهم في عملية جمع المال. وعلى العكس من ذلك شهدت سوق الاسهم انخفاضا مع عدم الاقبال على الاسهم الممتازة الصينية التي كان المنتظر ان تكون دعامة الاصدارات الجديدة في هونج كونج خلال العام الجاري. فقد جمع اصدار أول دفعة من الاسهم لشركة بتروتشاينا (للبترول) 2.9 مليار دولار فقط مقابل عشرة مليارات دولار كانت تستهدفها, مما اثار توقعات بأن الاصدارات الاخرى عن شركات سينوبيك وباوشان للحديد والصلب سوف تتأجل. ولاتزال هناك فرص جديدة لتمويل الشركات وتشغيل البنوك في آسيا مع التنافس بين تليكوم في سنغافورة وسايبروركسي على شركة سي آند دبليو. وقد جمعت سايبروركسي قرضا مجمعا بعدة مليارات دولار من مجموعة بقيادة بنك الصين لتمويل عرضها بشراء الشركة. ادارة الأموال كما ان صناعة ادارة الأموال تحقق نموا كبيرا في عدد من المراكز حيث ينوع المستثمرون استثماراتهم في الأوراق المالية ويمكن ان يحصل هذا القطاع على دفعة قوية في اليابان مع تحول الناس عن الودائع الحكومية منخفضة العائدات, في الوقت الذي تشجع فيه سنغافورة مواطنيها على زيادة الادخار للاستفادة منه بعد التقاعد. والتركيز الجديد بالنسبة لكثير من البنوك في آسيا هو سوق التجزئة. فالتقدم السريع في التكنولوجيا وملاحظة ان الطبقة المتوسطة في آسيا تمثل سوقا واعدة لمزيد من الخدمات المالية المتقدمة قد جعل خدمات التجزئة المصرفية اكثر ربحية من الاقراض للشركات. ومن البنوك التي تحاول ان تجد لها موطيء قدم وحصة في السوق الآسيوية, سيتي بنك وبنك اتش. اس. بي. سي وستاندارد تشارترد ودي. بي. إس السنغافوري وأبن أمرو ايضا, وتحاول تأكيد وجودها اقليميا في هذا القطاع في آسيا. لكن الأمور قد تتغير لأن هناك آخرين يستغلون التكنولوجيا الجديدة. ويعتقد المصرفيون ان تطبيق التكنولوجيا اللاسلكية على الانترنت يمكن ان يشكل تحولا في قطاع البنوك في آسيا. لقد جذبت التكنولوجيا الجديدة بالفعل في اليابان, اهتماما عناصر جديدة. تتفاوض مؤسسة سوفتبنك التي لم تبدأ كمصرف فعليا برغم هذا الاسم, على شراء بنك نيبون كريدت من الحكومة اليابانية. كما اعلنت شركة سوني عزمها على ادارة خدمات تجزئة مصرفية. ولايزال غير الواضح بعد من الذين يستحقون النجاح, فلا تزال هناك مخاطرة في غربلة قطاع التكنولوجيا لكن تطبيق تكنولوجيا جديدة في الخدمات المالية يبدو انه سيسحب البساط من تحت اقدام البنوك التقليدية ويغير طبيعة الخدمات المالية في آسيا. وعندما يحدث ذلك, سوف تكون الازمة المالية هي الحد الفاصل بين المرحلتين.