تركزت خيارات السياسة الاقتصادية للثورة الليبية خلال العقود الثلاثة الماضية على الاستفادة القصوى من مصادر النفط والغاز لبناء بنية تحتية اساسية تمكن من تنويع مصادر النشاط الاقتصادي, فقد انفقت ليبيا ميزانيات ضخمة لاعداد بنية اساسية متطورة ، وفريدة من شبكات طرق ومطارات وموانىء بحرية ومرافق تعليمية وصحية ومصادر لتوليد الطاقة الكهربائية ومنظومات للاتصالات السلكية واللاسلكية. كما تم تركيز الجهود والانفاق الاستثماري على انشاء قاعدة من الصناعات الاساسية في مجالات الحديد والصلب والصناعات النفطية والبتروكيماويات والمواد الصيدلانية واستصلاح الاراضي الزراعية وتنفيذ اضخم مشروع لنقل المياه العذبة عبر الصحراء (النهر الصناعي) . لم تكن النتائج الاقتصادية والاجتماعية لمجهود التنمية خلال العقود الثلاثة الماضية والتي حققت معدلات مناسبة من النمو الاقتصادي وتنويع المناشط الاقتصادية وقد واجهت الاقتصاد الليبي جملة من العوامل الخارجية والداخلية حدت من انطلاقه بكامل قدراته وامكانياته لتحقيق معدلات اسرع من النمو الاقتصادي ولعل ابرزها: ـ الانخفاض الواضح لأسعار الصادرات النفطية منذ منتصف عقد الثمانينات وتحديد حصص متواضعة لصادرات النفط من قبل الدول المصدرة. ـ خيارات السياسة الاقتصادية الليبية في عدم اللجوء للاقتراض الخارجي والاعتماد على الديون الخارجية طويلة الأجل حيث التزمت بسياسة متوازنة فيما يتعلق بسياسة متوازنة فيما يتعلق بميزان المدفوعات. ـ خيارات السياسة النقدية الليبية في المحافظة على احتياطات الدول من العملات والاصول الاجنبية والعمل على تنميتها قدر الامكان. ـ مواجهة الاثار السلبية المترتبة على اجراء الحظر القسرية المفروشة على ليبيا من قبل مجلس الأمن منذ 92 حتى 99. لقد اتجهت السياسة الاقتصادية في ليبيا منذ سنوات الى تفعيل ادوات جديدة لتجهيز وتنشيط قدرات الاقتصاد الوطني لمواصلة الانطلاق لتحقيق معدلات اقوى واسرع من النمو الاقتصادي استنادا الى ما تم تحقيقه خلال الفترة الماضية من استثمارات ضخمة, وسعيا الى الاستغلال الافضل للموارد الطبيعية المتاحة والموقع الجغرافي المميز والعزم على ربط صلات التكامل الاقتصادي مع المحيط الافريقي والتعاون مع التكتلات الاقتصادية الدولية لتبادل المنافع على اسس واضحة وعادلة. ـ ولعل من ابراما تم اقراره من اجراءات فاعلة بالخصوص هو العمل على تشجيع الاستثمارات المباشرة والمشتركة بين المؤسسات والشركات الليبية وغيرها من المؤسسات والشركات الاجنبية وتهدف هذه الاجراءات بصفة خاصة الى الاتي: أولا: استقطاب وتشجيع رؤوس أموال واستثمارات جديدة في القطاعات والانشطة التي تدعو اليها والتي تثبت جدواها الاقتصادية ومنافعها المتبادلة لكافة الاطراف ومن هذه المنافع التي تهم الاقتصاد الليبي. ـ تحقيق عوائد مالية مشجعة. ـ نقل التقنية الحديثة وطرق الانتاج والادارة المتطورة ورفع كفاءة القوة العاملة الليبية. ـ المساهمة في تحسين جودة المنتجات الوطنية بما يساعد على دخولها الأسواق العالمية. ـ تنويع مصادر الدخل لمناشط الانتاج والخدمات وتحقيق التنمية المستمرة. ثانيا: تطوير وتحسين المناخ التنظيمي والتشريعي الذي يمكن في اطاره قيام الاستثمارات ويساعد على نجاحها وتحقيقها لأهدافها المخططة لها. ثالثا: التعريف بالقطاعات والمناشط الاقتصادية التي توليها الجماهير اهمية خاصة في الاستثمار لارتباطها الوثيق بحركة التنمية الاقتصادية ومستهدفاتها المحلية والخارجية ولما تتمتع به من موارد طبيعية واعدة ولما يتوفر لديها من استثمارات في بنيتها الاساسية ومرافقها العاملة. ان جانبا كبيرا من هذه المناشط الاقتصادية يمكن في نظرنا ان يكون قاعدة الانطلاق في بحث آفاق وامكانيات الاستثمارات المشتركة والمباشرة وقيام حوار متخصص بين المؤسسات والشركات والمستثمرين على المستويين الاقليمي والدولي. ـ ففي مجال النفط والغاز تبرز الحاجة الى مزيد من الاستثمارات في الانشطة الاقتصادية المتعلقة بالتطوير والتوسع في مجال الصناعات البتروكيماوية المتخصصة وصناعة التكرير وفي المناشط المتعلقة بالاكتشافات وتطوير الاحتياطات الواعدة للغاز الطبيعي وفي المحافظة على استغلال حقول النفط الخام القائمة والبحث عن مصادر جديدة للانتاج. ـ في قطاع السياحة: تبرز عدة مشروعات واعدة حيث يتمتع هذا القطاع بموارد طبيعية وتراث تاريخي يمكن ان يكون قاعدة الانطلاق في بحث آفاق وامكانيات الاستثمارات في المناطق الساحلية المتوسطية التي تمتد على مسافة 2000 كما يزخر هذا القطاع بمعالم اثرية لحضارات انسانية مهمة منذ عصور ما قبل التاريخ الى العصر الحديث. ـ في مجال الصناعة والصناعات التحويلية تتهيأ الفرص الواعدة لقيام استثمارات مهمة لانتاج سلع وسيطة ومنتجات نهائية لسد حاجة السوق الليبي وأسواق الاقليم المجاورة بفضل مصادر الطاقة الرخيصة نسبيا واليد العاملة المدربة ولتوفير الكثير من الخامات والمواد الأولية كالحديد والصلب والمنتجات البتروكيماوية والمواد الصيدلانية واحتياطات ضخمة من مادة السيلكا والحجر الجيري والكاولينا والجبس والاصباغ الطبيعية. ـ في مجال الانتاج الزراعي: فقد تم استصلاح مساحات شاسعة من الاراضي القائمة على الزراعة البعلية والموسمية واذا كان آفاق التنمية والتوسع في مجالات الزراعة تحدده امكانيات المياه المتوفرة بصفة عامة من النهر الصناعي يقدر انتاجه بحوالي 6.5 ملايين متر مكعب يوميا, وما تم استصلاحه من الاراضي المرتبطة بمساراته وشبكات الري القائمة عليه لقيام جملة من الاستثمارات في مجال الزراعات الخاصة والمروية التي يمكن ان تضيف اليها المناخ والموقع الجغرافي الليبي مميزات انتاجية تسويقية افضل. ـ وفي مجال الثروة البحرية: تبدو فرص الاستثمار واعدة لاستغلال اكثر نجاعة لمصادر هذه الثروة الغذائية والصناعية المهمة حيث تؤكد التجارب والدراسات الأولية وامكانية التوسع في انتاج الاسماك الحديثة على طول السواحل والخلجان الطبيعية البحرية للساحل الليبي الممتد لمسافة 2000 كلم بالاضافة الى استغلال افضل لمصادر الاسفنج والمرجان والاعشاب البحرية. ـ وفي مجال الطاقة الكهربية والطاقات المتجددة وقد حظي هذا القطاع باستثمارات كبيرة وقفزت عجلة الانتاج من 650 ميجاوات/ ساعة عام 1970 الى 13000 عام 1998 وبتطوير شبكات النقل تزيد على 29.500 كيلو متر.