عندما يجلس مفاوضان إلى مائدة المفاوضات فإن كلا منهما يعتقد انه سيخرج من القاعة وقد حقق كل ما يريد خاصة اذا افتقر الطرف الآخر للادوات الاساسية في لعبة التفاوض. ومن اهم هذه الادوات الاستعداد والتحضير الجيدان وجمع اكبر قدر من المعلومات عن اهداف الطرف الآخر ومصالحه ومدى نفوذه. الا ان هذا الاعتقاد قد يتبخر وتلاشي اذا لم يتمكن كل منهما من سبر اغوار شخصية الطرف الذي يعتبر من العناصر المهمة في الاعداد الشخصية تصبح عملية التفاوض امراً غير مضمون العواقب. ولكن كيف يمكن ان نتعرف على شخصية الاطراف التي نود ان ندخل معها في مفاوضات؟ ان تحديد ملامح شخصية الطرف الآخر يعتمد على مجموعة من الاسئلة المهمة يمكن حصرها في الاسئلة العشرة التالية: ـ كم قضى الطرف الآخر في وظيفته الحالية؟ ـ ما هو نوع تعليمه؟ ـ ما هو سجله الوظيفي من النجاحات والاخفاقات؟ ـ في أي جزء من المدينة يسكن؟ ـ هل يمتلك المنزل الذي يقيم فيه ام هو مجرد مستأجر؟ ـ ما هو وضعه العائلي؟ ـ ما هي عاداته؟ اهتماماته وذوقه )الهوايات وطراز السيارة ونوعية الطعام الذي يفضله وكيف يقضي عطلاته(. ـ ما هي احتياجاته بحسب مقياس (ماسلو) ؟ ـ هل يستمتع بعملية التفاوض ام يفضل فعل اشياء اخرى؟ ـ ما هي نوعية علاقاته مع الآخرين.. هل هو متعاون ام يحب السيطرة والتنافس؟ وبطبيعة الحال يمكن استبدال (هو) بـ (هي) وذاك بحسب جنس الطرف الآخر. وعندما تتم الاجابة عن هذه الاسئلة فإنه يمكن استخدام المعلومات المستقاة من تلك الاجابات في تكوين صورة متكاملة عن شخصية الطرف الآخر الامر الذي من شأنه ان يساعد كثيراً في تفادي المفاجآت غير السارة شريطة ان نتذكر على الدوام انه كلما كانت المفاوضات مهمة تعين جمع اكبر قدر من المعلومات الدقيقة عن الطرف الآخر. ويشكل الاغراء اضافة إلى التعرف على ملامح شخصية الطرف الآخر عنصراً مهماً من عناصر المفاوضات الناجحة وذلك الامر غاية في البساطة وهو ان كل عرض مغر هو بالضرورة عرض جذاب. وهذا يعني انه اذا ما تعرفنا على رغبات الطرف الآخر وكان في ا ستطاعتنا الاستجابة ولو إلى جانب منها فإن هذا يتيح لنا قدراً محترماً من القدرة على التفاوض والجدال. ولكن كيف يتأتي اجراء تلك المفاوضات التي تحقق اهدافنا؟ حسناً فلنفكر في الشخص الذي نتفاوض معه ونسأل انفسنا عن الشيء او الاشياء التي تجعل ذلك الشخص مختلفاً عن الآخرين؟ وايضاً كيف يمكن ان نلبي احتياجات هذا الشخص بشكل افضل كثيراً عن اي انسان آخر )او مؤسسة اخرى(؟ وباتباع هذا الاسلوب سوف نتمكن من القيام بأي شيء لتعديل مقترحاتنا وعروضنا حتى نستجيب للاحتياجات المحددة للشخص الذي يجلس امامنا على الطرف الآخر من مائدة المفاوضات. ان هذا لا يعني الاستجابة لجميع رغبات الطرف الآخر وبالشكل الذي يريد الا انه يعني على اقل تقدير اننا نعرف تماماً ما يمكن ان نقدمه نحن والذي لا يستطيع الآخرون تقديمه كما سنكون في موقف يسمح لنا بالتركيز على تلك الجوانب التي تتميز بجاذبية اكبر بالنسبة للشخص المعني. ان هذا الاسلوب قد يكون مفيداً للغاية وذلك نظراً لانه وفي العديد من المواقف لا يتطلب الامر سوى عامل مساعد آخر لترجيح كفة الموازين لمصلحتنا. وربما لا تعني هذه الحجج اي شيء بالنسبة لشخص آخر الا ان هذا لا يهم كثيراً لأن الذي يهم في واقع الامر هو العزف على الوتر الذي يطرب الطرف الآخر لسماعه ويثير رغبته في تلك اللحظات ولكي يتم هذا لابد من التعرف على احتياجات ذلك الشخص الآخر. وللتدليل على اهمية التعرف على الاحتياجات المعلنة والخفية مفترض ان احد المديرين التنفيذيين القياديين في احدى المؤسسات التي بدأت تخطط لتوسيع عملياتها ومجالات اعمالها طلب زيادة في راتبه الا ان الوضع المالي للمؤسسة لم يكن يسمح بزيادة راتب هذا المدير ولم تكن المؤسسة ترغب في وضع سابقة بالاستجابة للطلب وعليه فقد تم رفض طلب المدير التنفيذي واوشك الوضع على الانفجار. وفجأة اكتشف رئيس الحسابات بالمؤسسة ان المدير التنفيذي يرغب في زيادة راتبه حتى يتمكن من شراء سيارة جديدة وقام برفع تقرير إلى الادارة العليا يتضمن الاحتياج الحقيقي للمدير التنفيذي. وبناء على ذلك التقرير قررت الادارة تقديم احدى سيارات المؤسسة للمدير التنفيذي وذلك بدلاً من زيادة راتبه وقد كان هذا الحل اقل تكلفة بالنسبة للمؤسسة ومرضياً للغاية بالنسبة للمدير التنفيذي. ان العديد من الناس يرتكبون خطأ التركيز على انفسهم فقط خلال المفاوضات ويحصرون تفكيرهم في المجالات التالية: ـ ماذا اريد؟ ـ كيف يمكن ان احصل على ما اريد؟ ـ ما هو الشيء الذي يمكن ان اتنازل عنه للحصول على ما اريد؟ وهذه الاسئلة مهمة للغاية الا انها غير كافية اذ يتعين الا يضاف اليها سؤال مثل: ماذا يمكنني ان افعل حتى لا اتنازل عن اي شىء؟ ان هذا السؤال يمكن ان يقود إلى التضليل وخداع النفس لانه يتجاهل واحداً من اهم قوانين لعبة التفاوض وهو انك لن تحصل على شىء دون مقابل وهو قانون يؤكد اهمية تبادل التنازلات. واذا افترضنا ان كل الاحتمالات تؤكد ضرورة التنازل عن شىء للحصول على الشىء الذي ترغب في الحصول عليه فماذا يجب علينا ان نفعل؟ ان الاجابة على هذا السؤال هي التحديد الدقيق للاشياء التي يمكن ان نتنازل والاشياء التي يمكن ان نحصل عليها مقابل هذه التنازلات. ونظراً لأن الخطوة التي تأتي مباشرة عقب تحديد اهدافنا من المفاوضات هي تحديد طلبات او رغبات او احتياجات الطرف الآخر فإن معرفتنا بطموحات واهداف الشخص الذي نتفاوض معه تتيح لنا المزايا التالية:ـ ـ تفادي المفاجآت غير السعيدة مثل (لم أكن أتوقع مطلقا ان يطلب شيئا مثل هذا) . ـ سهولة توقع نوعية الاستراتيجيات التفاوضية التي يتبعها الطرف الآخر. ـ ابتداع خيارات وصفقات جذابة ترضى الطرف الآخر والتركيز على تلك الجوانب التي قد تثير اهتمامه وترضى طموحاته. ـ تطوير الخبرة في التعامل مع تصوره للموقف وجعله يقدر مزايا وفوائد المقترحات التي نطرحها عليه. ان الفكاك من أسر وجهات النظر الخاصة بنا ولو لفترة محدودة ومحاولة تقمص شخصية الطرف الآخر يساعدان في هذه العملية وذلك لأن الانسان الذي يستطيع التفكير بعقلين (عقله وعقل الطرف الآخر) تتاح له قوة اضافية تعزز من موقف التفاوض ذلك لانه لايهتم بتصوره ورؤيته الخاصة فقط بل يستكشف الاشياء من وجهة نظر الطرف الآخر ايضا وينظر للأشياء بأربع اعين وليس باثنتين فقط. وعلى الرغم من ان معظم المفاوضات تتركز حول الاحتياجات المالية إلا ان هناك بعض العناصر الأخرى التي يتعين ادراكها وتوظيفها لمصلحتنا. ويمكن الاستفادة هنا من مقياس الاحتياجات البشرية القياسية الذي وضعه عالم النفس الأمريكي ابراهام ماسلو والذي يؤكد ان ما يسمى بـ(الاحتياجات الاساسية) لايشكل بأي حال من الأحوال كل الاحتياجات الانسانية على الرغم من احتلالها موقعا متميزا في المقياس. وتبدأ هذه الاحتياجات بـ(الاساسية) ثم تتطور لتشمل احتياجات ذات طبيعة سيكولوجية ويبدأ الاسلوب الامثل للاستفادة من هذا المقياس بتحديد الاحتياجات التي تشكل مصدرا قويا لتحفيز الشخص الذي نتعامل معه وذلك بخلاف المحفزات المالية الأمر الذي يوفر لنا ميزة اضافية لا تتوفر لمنافسينا. ويتكون مقياس ماسلو الذي استند الى مجموعة ابحاث حول سلوكيات الافراد المضطرين والتي شكلت ما اصبح يعرف بـ(نظرية الحاجة) من اربع رغبات عامة وغير ضرورية يشترك فيها البشر جميعا وهي: الرغبة في الانجاز, الرغبة في التقدير, الرغبة في الانتماء, الرغبة في الأمن ويضاف اليها العديد من الرغبات الفسيلوجية الآخرى مثل الشرب والأكل وكل ما يعمل على بقائنا احياء. ولاختبار هذا المقياس نقوم بوضع الطرف سنتفاوض معه داخل اطاره ومن ثم نقوم بوضع انفسنا داخل اطار المقياس بهدف مقارنة انفسنا مع الاشخاص الذين نعرفهم ونسأل انفسنا عن تلك الرغبات التي نعتقد انها ضرورية من ضمن الرغبات الاربع غير الضرورية وهي الرغبة في الانجاز والتقدير والانتماء والأمن وذلك بإعداد استمارتين واحدة لتحديد رغباتنا والأخرى لتحديد رغبات الشخص الذي نتفاوض معه وبالشكل التالي: رغباتي: ـ البقاء ـ الأمن ـ الانتماء ـ التقدير ـ الانجاز. رغبات الشخص الذي نتفاوض معه: ـ البقاء ـ الأمن ـ الانتماء ـ التقدير ـ الانجاز. ثم تحدد اهمية الرغبات على اساس انها (ضعيفة) أو (قوية) . وبعد تحديد رغبات الطرف الآخر والتعرف عليها يمكن وضع المقترحات وصياغة العروض بالكيفية التي تنسجم مع تلك الرغبات وتجعلها مغرية. ولكي يتسنى تعديل وتبديل المقترحات والحجج لتنسجم مع نوعية الشخصية التي نتعامل معها يجب التمعن جيدا في مميزات كل فئة من مقياس ماسلو ونوعية الحجج التي يمكن ان تؤثر عليها كما يلي: ـ البقاء: إن الاشخاص الذين نتفاوض معهم بشكل يومي ومنتظم لا يهتمون كثيرا بهذه الرغبة. ـ الأمن: ان الشخص الذي يرغب في الأمن يحصر تفكيره اساسا في تحقيق اهدافه. ويمكن ان تتضمن الحجج تركيزا قويا على جوانب الأمن والسلامة مثل ضمان الاستثمار وجدواها الاقتصادية أو أن العرض الذي تقدمه سيحقق ارباحا مالية كبيرة او ان الاجهزة والمعدات التي نعرضها لا تتعرض للتلف بسهولة. ـ الانتماء: ان مثل هذا الشخص يبحث عن التوحد مع الآخرين فعليا او رمزيا ويرغب في ان يكون جزءا من مجموعة ويمكن ان نعرض على هذا الشخص اي شيء وكل شيء. ـ التقدير: ان الشخص الذي يبحث عن التقدير يهتم بما يفكر الآخرون عنه ويسعى لكسب رضاهم وتقديرهم. ويمكن ان تتضمن الحجج التي نقدمها اليه التركيز على كل ما يعزز موقعه الشخصي وسمعة المؤسسة التي يعمل لديها. ـ الانجاز: ان الشخص الذي يسعى لتحقيق الانجاز يبحث دائما عن الافكار الاصلية ويمكن ان يتقبل المقترحات المبدعة والجديدة. ويمكن ان تتضمن الحجج التي نسوقها التركيز على حداثة واصالة تعامله مع المفاوضات المعنية وأن الطريقة التي يطرح بها افكاره ومقترحاته طريقة ممتازة وغير مسبوقة وأن لا احد سواه يمكن أن يتجاسر لأداء هذه المهمة أي بعبارة أخرى الاستجابة لغروره واظهاره بمظهر الانسان الذي يندر وجوده. اخيرا ولكي نقوي موقفنا التفاوضي ونعززه يتعين دائما النظر بكل اعتبار لمصادر القوة الخمسة التالية: ـ تجميع أكبر قدر ممكن من المعلومات حول الموضوع. ـ توفر الخبرة الكافية في النوع المعين من المفاوضات. ـ الاعداد الجيد. ـ القدرة على الابتكار والابداع. ـ توفر بدائل مغرية.