لاتزال تأثيرات العولمة والتحرير التجاري على مستوى العالم مثار بحث وتحليل من قبل الدارسين والباحثين. ويكتسب ذلك أهمية كبيرة على المستوى العربي, ذلك أن دول المنطقة العربية لاتزال مطالبة ـ في ظل عدم استعدادها الحالي للتعامل مع قوانين ومطالب منظمة التجارة العالمية، وما يستجد من متغيرات اقتصادية عالمية ـ بتطوير نفسها وبتدارك الموقف الذي يجب أن تعي أبعاده من ناحية ضرورة فهم مفردات ومبادئ هذه المنظمة لحماية نفسها ووقايتها من أخطار قد تكون محدقة بها في المستقبل من زاوية عدم القدرة على التعامل, وبالتالي تعرض نفسها للتبعية والتأثر السلبي اجتماعيا واقتصاديا. تسهم العولمة وتحرير التجارة في عملية إجهاض شبكات الأمان الاجتماعي المرتبطة أساسا بالثقافة القومية, حيث تؤدي إلى تفكيك الأسرة من خلال إرغام الأطفال على العمل ودفع الأسرة إلى التشتت بحثا عن لقمة العيش بسبب تعميق الفقر, خاصة الفقر المدقع نتيجة لعملية العولمة ومستلزماتها من برامج التثبيت الهيكلي والخصخصة وما يصاحبها من بطالة وأزمات اجتماعية خطيرة. وسوف يؤدي تخفيض الدعم الحكومي وتخفيض الأجور إلى تحطيم محاولات هذه الدول لتحقيق التنمية البشرية وتطوير رأس المال البشري. وتقوم السوق عبر منظمة التجارة العالمية والمؤسسات الدولية بهجوم كاسح على بعض مؤسسات الأمان الاجتماعي في الدول العربية على وجه الخصوص, خاصة النقابات, حيث يرى البنك الدولي والمنظمات الدولية المكملة لدوره ومنها منظمة التجارة العالمية أن وجود نقابات قوية سيؤدي إلى رفع أجور العمال الأمر الذي يتعارض مع مخططات الشركات متعددة الجنسية ومصالحها, حيث تعمل تلك الشركات على خفض الأجور لتتمكن من تحقيق أقصى ربح ممكن عبر تشغيل عمالة رخيصة في مشروعاتها الموطنة في البلدان النامية ومنها البلدان العربية. لذا فإن البنك الدولي والمؤسسات الدولية الأخرى, وكذا الشركات المتعددة الجنسية, تسعى جميعها إلى إضعاف النقابات ودورها المهني والاقتصادي من جهة والاجتماعي من جهة أخرى. ونتيجة لما تقدم من المتوقع أن يشهد القرن الجاري مشكلة خطيرة وهي أن 20% فقط من السكان سيجدون فرص عمل, بينما 80% منهم سيعانون من البطالة. ومن تأثيرات العولمة أنها ستؤدي إلى انخفاض شديد في مستويات الأجور في البلدان المتقدمة أيضا وإلى زيادة في عدد الفقراء والمهمشين اجتماعيا, وزيادة الجريمة المنظمة بها أصبحت من أكثر القطاعات الاقتصادية نموا, إذ يؤدي إلى أرباح تقدر بنحو 500 مليار دولار سنويا. ويقلص تحرير السوق وفتح الحدود الاقتصادية إلى جانب الحدود السياسية إلى حد بعيد آثار التباينات الثقافية ويسمح بإعادة تشكيل النظام الاجتماعي برمته بما يتلاءم ومصلحة الطرف الأقوى في ميزان القوى الاقتصادي وفي الأسواق على وجه الخصوص. وسوف يعمل اختراق حدود السوق على اختراق السيادة اقتصاديا واجتماعيا عبر اختراق السوق للثقافة, خاصة من خلال ما سمي باتفاقية حماية حقوق الملكية الفكرية. والسؤال الآن: كيف نسمح بفتح الحدود السياسية والاقتصادية العربية بقوى تحرير السوق عبر منظمة التجارة العالمية, ولا نستطيع أن نفتح هذه الحدود السياسية والاقتصادية عبر نظامنا العربي الاجتماعي والاقتصادي؟ وتخترق السوق الثقافة في مرحلة منظمة التجارة العالمية من خلال اتفاقية حماية حقوق الملكية الفكرية والثورة المعلوماتية. ويتم ذلك في ظل المعطيات التالية: ـ بيئة البلدان النامية التي تتميز بضعف الحصانة الاقتصادية والاجتماعية. ـ انتشار الفقر وخاصة الفقر المدقع. ـ احتمالات التفكيك والتفتت الاجتماعي. ـ نقص الخبرة وتدني مستويات الريع النفطي (خاصة). وفي ما يتعلق بمرتكزات حقوق الملكية الفكرية فإنها تشمل حقوق النشر والتأليف ومن ضمنها الاسطوانات وبرامج الحاسوب, والعلامات التجارية, وأصل المنشأ الجغرافي للسلعة, وبراءات الاختراع, والتصميمات التخطيطية, وأخيرا حماية المعلومات السرية. وتتوزع آثار اتفاقية حقوق الملكية الفكرية على البلدان النامية, ومن ضمنها العربية, على مجموعة من النقاط هي: * الآثار الاجتماعية لاتفاقية حماية حقوق الملكية الفكرية, وهي كالتالي: ـ ستكون الثقافة في أزمة, حيث إن الثقافة لا تستطيع المحافظة على الهوية إلا من خلال قدرتها على إشباع حاجات المجتمع المادية والاجتماعية. ـ زيادة التفاوت المادي والمعنوي, أي بين القيم باعتبارها أهدافا ـ سامية ـ وبين المعايير باعتبارها أداة أو وسيلة لتحقيق الأهداف. ـ مصادرة القدرة على الإبداع والابتكار في الثقافة ـ كما في الاقتصاد ـ مما يشكل تهديدا خطيرا لها, وبالتالي فإن تحطيم الثقافة يتم من خلال قتل الإمكانات الابتكارية للسوق خاصة والمجتمع عامة. * الآثار الاقتصادية, وتشمل: ـ إعاقة حصول الأقطار العربية على التكنولوجيا الحديثة. ـ تعميق التبعية التكنولوجية. ـ الحد من إمكانية الابتكار في الدول العربية. ـ التأثير سلبا على قطاعات اقتصادية عديدة تعتمد على التقدم التكنولوجي مثل قطاع الزراعة على وجه الخصوص. ـ ارتفاع التكلفة الاقتصادية لحقوق الملكية الفكرية مما يعني ارتفاع مجمل التكلفة للسلع والخدمات العربية وبالتالي انخفاض قدرة التنافسية سواء في الداخل أم الخارج. ومن جانب آخر أدت الثورة المعلوماتية وثورة الإنترنت إلى توسيع الهوة التكنولوجية ما بين البلدان المتقدمة والبلدان النامية, وضمنها البلدان العربية. كما أدت إلى تحويل السلع والخدمات من أداة إشباع للحاجات إلى أداة تشويه للثقافة والهوية والبناء القيمي من خلال السوق ومن خلال تحرير الأسواق الكبرى للتكتلات الاقتصادية بحيث يصبح من المتعذر على النظام الاقتصادي والنظام القيمي في الدول العربية مقاومة آثار هذا الانفتاح, سواء على الصعيد الاقتصادي أم على الصعيد الاجتماعي. ومن الأمثلة على آثار تحرير الأسواق الكبرى يمكن الإشارة إلى أن أوروبا أعلنت عن اتفاق مع الولايات المتحدة بهدف إلغاء التعرفات الجمركية على مبادلات دولية تقدر بمليارات الدولارات في منتجات الكمبيوتر وتقنيات المعلومات, ومن المنتظر أن تصل نسبة إسهام أمريكا والاتحاد الأوروبي واليابان وكندا لنحو 55% من التجارة العالمية في تقنيات المعلومات خلال هذا العام. أما في ما يتعلق بهجرة الأدمغة العربية, فقد خسر العالم العربي منذ منتصف السبعينات قرابة 400 ألف متخصص وعالم هجروا وطنهم واستقروا في أمريكا وبريطانيا وكندا. وهناك أعداد ضخمة من براءات الاختراع ومن العلامات التجارية والنماذج الصناعية في العالم مملوكة لعدد من هؤلاء العلماء, ولعل العالم المصري أحمد زويل الذي حصل على جائزة نوبل في العلوم يعتبر مثالا حيا على ذلك. ولتحديد هوية مجتمع ما لابد من تحديد الإقليم الذي يعيش فيه المجتمع, وإذا كان العامل الاقتصادي هو العامل الحاسم في تكوين أي مجتمع أو أمة فإن ذلك يعني أن يكون للمجتمع أسلوب إنتاج معين (نمط إنتاجي ونمط استهلاكي ونسق اقتصادي للتوزيع) بحيث لا ينفصل أسلوب الإنتاج عامة عن قدرة ذلك المجتمع على استغلال موارده والتكيف معها. والسؤال المطروح الآن هو: هل يمكن للانفتاح على الخارج, خاصة عبر الجات أو منظمة التجارة العالمية, أن يحقق أمنا اقتصاديا في الوقت الذي لم ننجح في الانفتاح على بعضنا البعض حتى الآن على الرغم من توقيع العديد من الدول العربية لاتفاقيات الوحدة الاقتصادية العربية والسوق العربية المشتركة إضافة إلى اتفاقات إقامة منطقة تجارة حرة عربية بينية, علاوة على أن دول مجلس التعاون الخليجي لم تنجح في إقامة منظمة تجارة حرة في ما بينها وأجلت ذلك إلى ما بعد سبع سنوات أخرى؟ من المعروف أن فشل الدولة تنمويا سيؤدي إلى تعميق تبعيتها اقتصاديا, وإذا أرادت أية دولة أن تسير في مسارات الخصخصة وبرامج التكيف الاقتصادي فإنها ستجد نفسها مضطرة لخفض الإنفاق الحكومي المخصص للصحة والتعليم ولدعم المواد الأساسية, في الوقت الذي تفتح حدودها وسوقها لرأس المال الأجنبي الذي سيعرض أمنها الاقتصادي والوطني للخطر. وفي هذا الإطار تجدر الإشارة إلى اقتراح وزير الصحة البريطاني بتحويل مرضى بريطانيين إلى مؤسسات علاجية في الدول النامية, ومنها مصر والأردن, بسبب ارتفاع تكلفة العلاج في بريطانيا بالمقارنة مع تكاليفها في هذه الدول مما سيؤدي إلى ارتفاع آخر في تكاليف علاج المواطن في هذه البلدان العربية رغم أن تلك التكاليف مرتفعة جدا في الأساس مقارنة مع مستويات الدخول فيها, وكل ذلك سوف يهدد الأمن الصحي في البلدان العربية والبلدان النامية. ويمكن أن نخلص إلى أن اختراق حدود السوق سيؤدي إلى اختراق السيادة اقتصاديا واجتماعيا, حيث تخترق الهوية الثقافية. إن أي تحسن في حجم الاستثمار دون إعطاء الأولوية للعمالة المحلية وإرغام المستثمر الأجنبي على إعادة رسملة الأرباح يعني في النهاية نقل القيمة المضافة إلى الخارج. وهنا يتوجب علينا طرح السؤال التالي: من المستفيد من العولمة على الصعد المحلية والخارجية (الإقليمية والدولية)؟ ويكمن الخطر في هذه المرحلة في ما يلي: ـ إن تطبيق مبدأ حماية الملكية الفكرية يقوم على فكرة احتكار هذه الملكية من طرف الشركات الكبرى والدول الرأسمالية المتقدمة. ـ إن تحميل البلدان النامية للأعباء المالية والاقتصادية لتطبيق اتفاقية حماية حقوق الملكية الفكرية المتخصصة عن دور أوروجواي لمدة ثماني سنوات في المتوسط يعني أن هذه الدول ستدفع ثمن هذه الحقوق حتى لو تقادمت تكنولوجيا بسبب الثورة العلمية والتكنولوجية والحداثة المعاصرة التي أدت إلى حرق حقبة زمنية من العمر الإنتاجي لخطوط الإنتاج أو لبراءات الاختراع. والسؤال المطروح هنا: إذا كانت الملكية الفكرية سلعة اقتصادية من وجهة نظر البلدان الرأسمالية المتقدمة وشركاتها التي تحتكر النسبة الأهم من تلك الملكيات, فلماذا تعمل على تطبيق مذهب الحماية بشأنها وتطالب بتطبيق مبدأ تحرير السلع والخدمات؟ إن حماية الملكية الفكرية حق, شريطة ضمان هذا الحق المعنوي دون تحميل البلدان النامية أعباء فوق طاقتها تؤدي إلى إعاقة عملية اكتساب ونقل التكنولوجيا لتلك البلدان, من جهة وإلى رفع تكلفة منتجات البلدان النامية من السلع والخدمات إلى درجة تؤدي إلى إضعاف القدرة التنافسية لتلك المنتجات في الأسواق المحلية للبلدان, وفي الأسواق الدولية على حد سواء. ويمكن للدول الرأسمالية المتقدمة وشركاتها متعددة الجنسية أن تستعيد أضعاف ما تنفقه على الأبحاث والدراسات التي تؤدي إلى الإبداع الفكري والاختراعات في تلك البلدان الرأسمالية المتقدمة, على المدى البعيد من جهة, ومن خلال وفورات الحجم من جهة أخرى. وتفرض الشركات متعددة الجنسية المتقدمة ودولها الأم على البلدان النامية شراء تكنولوجيا ومعرفة متقدمة ليست ضرورية لتلك البلدان, بل إن ما يستخدم من الطاقة الإنتاجية الفعلية والمزايا التي تقدمها تلك السلع والخدمات لا تمثل إلا نسبة متواضعة من مجمل المزايا الفعلية والطاقة الإنتاجية الكلية لها, وذلك يعني أن البلدان النامية تدفع ثمنا لوحدات تقنية لا تحتاجها في هذه المرحلة التاريخية من تطورها التكنولوجي والاقتصادي. خلاصة القول أن منظمة التجارة العالمية آلية من آليات احتكار الشركات المتعددة الجنسية ودولها الأم للملكية الفكرية بكل أشكالها وأنواعها, خاصة عبر تطبيق اتفاقية حماية حقوق الملكية الفكرية, وبالتالي فإنها آلية من آليات فرض التبعية التكنولوجية على البلدان النامية. وتستخدم في ذلك أدوات منها اتباع سياسة تسعير تؤدي إلى عدم تمكن البلدان النامية من امتلاك هذه الملكيات والتقنيات, وفرض سياسات تصديرية تقوم على أمرين, أولهما فرض حظر تصدير عدد كبير من تلك الملكيات والتقنيات إلى البلدان النامية متذرعة بذلك بحجج واهية مثل منع هذه البلدان من استخدام هذه التقنيات والاختراعات في صناعة أسلحة فتاكة, سواء منها النووية أم أسلحة الدمار الشامل, أو حجة عدم قدرة اقتصادات البلدان النامية على استيعاب هذه التكنولوجيا والحداثة. أما ثاني الأمرين فهو تصدير المتقادم من هذه التكنولوجيا ذات الآثار السلبية المعاكسة, خاصة في مجال الصناعات الدوائية, إضافة إلى صناعة الأسلحة التي تمثل واحدا من أهم موارد الشركات والدول الرأسمالية. ومن الأدوات كذلك جعل حقوق الملكية الفكرية قناة أخرى من قنوات تدوير عوائد النفط والمواد الأولية الأخرى, وكل ذلك يتم في ظل شروط تبادل غير متكافئ بكل ما يعنيه ذلك من تعميق للفجوة التكنولوجية والتنموية عامة بين الدول المتقدمة والنامية.