واي كانت الخطوات المتخذة والهادفة الى وضع الاطار التنظيمي لجهود وضع استراتيجية شاملة لتنمية الموارد البشرية, فان هذه الجهود سوف تصطدم بتساؤلات أساسية لابد من الاجابة عليها من اجل صياغة ملامح ومحددات الاستراتيجية العامة المقترحة, وأولى هذه التساؤلات هي ما يخص بتحديد رسالة أو مبدأ تقوم عليه الاستراتيجية المقترحة. ان وجود رسالة أو مبدأ محدد واضح تقوم عليه اي استراتيجية مسألة ضرورية لا غنى عنها. فهذه الرسالة هي بمثابة المحدد والموجه في آن واحد للاستراتيجية. فعن طريق الرسالة نستطيع ان نتعرف على ماهية الاستراتيجية وما الذي تريد ان تصل اليه. لقد تطرق العديد من الفلاسفة والمفكرين الى موضوع الرسالة أو الفلسفة أو المبدأ الذي تقوم عليه اي استراتيجية, فقد ذهب جونسون وشولز في كتابهما (مسار الاستراتيجية العامة) الى ان الرسالة هي بمثابة الرؤية العامة أو الاساس الذي تقوم عليه أي مؤسسة, فالرسالة في مستوى يوازي القيم والتوقعات للمستفيدين الرئيسيين من وجود مؤسسة ما. اذن ما هي الرسالة التي يمكن اقتراحها لكي تقوم عليها الاستراتيجية العامة المقترحة لتنمية الموارد البشرية في دول مجلس التعاون الخليجي؟ ان دول المجلس تؤمن بأن الانسان هو أهم عناصر عملية التنمية الشاملة, فهو هدف التنمية ووسيلتها في آن واحد. كما تؤمن بأن تنمية الموارد البشرية هي حجر الزاوية والمحرك الاساسي للتنمية الشاملة وجعلها ممكنة التحقيق وتواكب العولمة الاقتصادية. ومن اجل تفعيل استراتيجية التنمية الشاملة يجب تفعيل خطط وبرامج تنمية الموارد البشرية من خلال اعطاء أهمية قصوى للتدريب والتطوير الوظيفي لكي يتم اعداد كفاءات وطنية قادرة على منافسة المستويات العالمية وبالتالي يمكنها ان تكون احد عوامل الجذب للاستثمارات الخارجية. وعلى ضوء تحديد المبدأ العام للاستراتيجية, من الممكن ان يتم بعد ذلك تحديد أهداف الاستراتيجية وذلك لمعرفة ماذا يجب على الاستراتيجية تحقيقه بشكل دقيق ومحدد فالأهداف هي تفصيل جزئي لرسالة الاستراتيجية. وعلى سبيل المثال, فان الاستراتيجية العامة لتنمية الموارد البشرية يجب ان تسعى الى تطوير النظام التعليمي وربطه باحتياجات ومتطلبات المجتمع الحالية والمستقبلية وايجاد تواصل وتنسيق فعال بين الجهات المعنية عن تنمية الموارد البشرية في البلاد. كذلك يمكن ان تعمل الاستراتيجية المقترحة على تشجيع الجهات والمستفيدين من تطبيقها مثل القطاع الحكومي والقطاع الخاص في المساهمة واعداد وصياغة وتطبيق الاستراتيجية المقترحة. بالاضافة الى ايجاد نظام وطني لقياس معايير العمل والتطوير الوظيفي ولاختيار الكفاءات الوطنية. كذلك إعداد خطة وطنية للتدريب (قصيرة الامد ـ طويلة الامد) والعمل على عولمة تنمية الموارد البشرية لكي تتماشى وتواكب العولمة الاقتصادية. بعد تحديد اهداف الاستراتيجية المقترحة تأتي الخطوة التالية والمتمثلة في اقتراح محددات عملية تطبيق الاستراتيجية. ان هناك اتفاقا عاما بين المفكرين والعاملين في الواقع على ان مرحلة التطبيق تعد من أصعب المراحل لأي استراتيجية ومشروع ما لأن هذه المرحلة عبارة عن ترجمة الاستراتيجية الى أفعال ونقلها من على الورقة الى الواقع العلمي. ومن أجل تفعيل مرحلة التطبيق يتطلب الأمر استخدام وسائل وآليات فعالة لمراقبة عملية التطبيق وقياس المخرجات الفعلية وتأثيرات الاستراتيجية المطبقة, ولتفعيل مرحلة التطبيق فإن الأمر يستلزم ربطها برسالة الاستراتيجية والأهداف المراد تحقيقها. ولابد من التوقف هنا عند مسألة هامة وحيوية وتعد بمثابة حجر الزاوية لمرحلة التطبيق ألا وهي الالتزام والدعم الحكومي لعملية التطبيق, فعملية تطبيق الاستراتيجية المقترحة لتنمية الموارد البشرية تحتاج الى تفاعل العديد من المتغيرات بشكل ايجابي وفعال لعل أهمها الرؤية الواضحة للأهداف المحددة, والاتصال الفعال, والتدريب عالي الجودة, وازالة المعوقات المتوقعة, وحفز الاطراف المعنية والمستهدفة على المشاركة. لذا فإن الدعم والالتزام الحكومي الايجابي يوفران دون شك الارضية المناسبة لعملية التطبيق الاستراتيجي ولضمان نجاح عملية التطبيق, هناك حاجة ضرورية لمراجعة وتقييم أداء الاجهزة الرسمية المعنية بتنمية الموارد البشرية وكذلك للوقوف على مدى قدرة الهياكل الادارية في تلك الاجهزة على التعامل والتفاعل مع التطبيق الاستراتيجي. حسين محمد