تبذل الدول العربية جهودا حثيثة ومستمرة من اجل اصلاح هياكلها الاقتصادية حيث تبرز سياسات تشجيع الاستثمار الخاص والاجنبي كأحد أبرز ملامح استراتيجية الاصلاح هذه 0 ومع ذلك فان ما حققته الدول العربية في مجال جذب الاستثمارات الاجنبية لا يزال ضئيلا بكل المقاييس. فقد بلغت قيمة تدفقات الاستثمار الاجنبي الى الدول العربية خلال العام 1998 حوالي 8.0% من اجمالي الاستثمارات الدولية الخاصة0 والملفت ليس الحجم المتواضع لحصة المنطقة وحسب, بل انخفاضها الكبير مقارنة بما كانت عليه خلال حقبة الثمانينات0 اذ بلغ متوسطها السنوي خلال الفترة 1983 - 1988 حوالي 4.3% من الاجمالي0 ولما كان الانخفاض في قيمة التدفقات قد تركز خلال العام 1991 وما بعده, فلا يكفي القول ان هذا الانخفاض كان مجرد انعكاس لانخفاض الاستثمارات الدولية, والتي هبطت من حوالي 211 مليار دولار عام 1990 الى اقل من 158 مليار دولار عام 1991. لان الاستثمارات الدولية عادت للارتفاع الى حوالي 225 مليار دولار عام 1998 محققة نسبة زيادة قدرها نحو 6.6% مقارنة بعام الذروة 1990. في حين انخفضت الاستثمارات في الدول العربية بنسبة 3.47% في الفترة نفسه. وطال الانخفاض مختلف التجمعات الاقليمية العربية خلال الفترة 1990 ـ 1998 باستثناء مجموعة دول المغرب العربي, وعلى سبيل المثال فقد هبطت قيمة الاستثمارات الواردة الى مجموعة دول مجلس التعاون الخليجي من حوالي 2 مليار دولار عام 1990 الى حوالي 384 مليون دولار عام 1998 أي بنسبة تراجع قدرها نحو 81%. ان احد الاسباب الرئيسية وراء تدفق الاستثمار الاجنبي الى دول المنطقة والدول العربية عموما هو ضآلة حجم وضعف دور اسواق رأس المال في هذه الدول0 ان هذه الاسواق ظلت حتى فترة وجيزة ـ وبعضها لا تزال ـ مغلقة امام الاستثمار الاجنبي وحتى العربي. كما ان العديد من الدول العربية وخاصة النفطية - تعتبر حتى الآن وخاصة فيما يخص اموال القطاع الخاص - دولا مصدرة لرؤوس الاموال وليس مستوردة لها. وقد تفاقمت هذه الظاهرة كنتيجة حتمية لفتح الابواب امام رؤوس الاموال المحلية للاستثمار في الخارج في حين انها توصد او تكاد الابواب امام رؤوس الاموال الاجنبية للاستثمار في الداخل. ان خلق بيئة محفزة للاستثمار في اسواق رأس المال يرتبط بصورة مباشرة بتقوية الوضع التنموي الداخلي لهذه الاسواق, وهذا بدوره يدفعنا للتأكيد على ضرورة توفر اشتراطات محددة وخاصة فيما يتعلق بربط اهداف وسياسات اسواق راس المال مع اهداف وسياسات برامج التنمية الاقتصادية في الدول العربية ومنها الخليجية. ان هذا الربط يكسب هذه الاسواق مصداقية واهمية اكبر, ويعزز ثقة المستثمرين المحليين والاجانب بان الاستثمار في هذه الاسواق يحظى بعناية ورعاية ودعم اجهزة التنمية في هذه الدول. فلم يعد مبررا ان نشيد المكاتب الضخمة ونجلب احدث المعدات التكنولوجية ونوظف عشرات المتخصصين لتشغيل اسواق راس المال دون ان نعرف بالضبط ماذا نريد من هذه الاسواق. ولقد قامت بعض الدول العربية والكثير من الدول الاجنبية وخاصة في دول شرق آسيا بانشاء هيئات عامة لأسواق المال بغرض ربط أنشطة هذه الأسواق مع برامج الاصلاح الاقتصادي والمطلوب تقوية هذه الاجهزة وتعميم فكرتها. اما بالنسبة لفتح اسواق راس المال امام الاستثمارات الاجنبية فنحن يجب ألا ننسى اننا ملزمون بالتعامل مع هذا الموضوع سواء آجلا ام عاجلا وذلك بموجب تنامي الاتجاه العالمي لما يسمى بالعولمة Globalization وانفتاح الاسواق والالتزام ببنود اتفاقية منظمة التجارة الدولية. لذلك من الاجدى ان نعمل من الان على وضع برامج وسياسات تؤمن تشجيع وجذب الاستثمارات الاجنبية من خلال قنوات وفي انشطة ومشروعات نختارها نحن وفق اولويات التنمية لدينا وتضمن استفادة اكبر من هذه الاستثمارات بدلا ان نحصرها في الاستثمار في اسواق الاوراق المالية فقط لان ذلك يؤدي الى احداث مزيد من المضاربات وعدم الاستقرار في هذه الاسواق. حسين محمد