في اطار مناقشتنا للقضايا الاساسية ذات الصلة ببرامج التخصيص بدول مجلس التعاون الخليجي لابد من ايراد حقيقة اخرى وهي ان ما يطرح كسبب رئيسي للتخصيص وهو تراجع الايرادات الحكومية نتيجة لانخفاض في اسعار النفط تقابله حقيقة اخرى، وهي وجود مدخرات هائلة للقطاع الخاص لا تزال بعيدة عن الاستثمار الفعلي ويجب ان تحظى هذه المدخرات بأولوية الاستقطاب. لذلك يمكن تحقيق استخدام اكفأ للموارد المتاحة من خلال زيادة معدلات الاستثمارات الخاصة والمتأتية من تحويل عشرات المليارات من المدخرات القصيرة الاجل الى موجودات منتجة طويلة الاجل, كما ان البنوك التجارية كونها تمثل المؤسسات الاكثر رسوخا واستحواذا على تلك المدخرات يجب ان تلعب دورا محركا في هذه العملية. ان اهمية تحقيق هذا الهدف تنبع من الحاجة لمواصلة بناء المشروعات بالنسبة لدول المجلس التي تجاوز الاستثمار فيها القواعد الافقية للقطاعات الاقتصادية ليتمدد نحو ركائزها العمودية. وبمعنى آخر فان اعادة توزيع خارطة شكل الملكية بين الخاصة والعامة لتحقيق كفاءة اكبر في التوسع الاستثماري العمودي يصبح ذا جدوى خاصة اذا كانت الملكية العامة لبعض الصناعات الرئيسية التقليدية هي من القدم والتجذر بحيث يصعب تأهيلها لتواكب احتياجات ذلك التوسع. اما بالنسبة لنا في دول المجلس فان الاستثمار بكافة اشكاله والوانه واضافاته المنتجة لا يزال مطلوبا ويجب تسليط الضوء على هذه الحاجة , والسياسات التي تمكننا منها كأولوية رئيسية. ولعل ثالث تلك الحقائق ان من العوامل الهامة التي ساعدت مؤسسات القطاع العام في دول مجلس التعاون ان تعمل بصورة جيدة ان الاقتصاديات الخليجية قد خلت تقريبا من اجراءات الكبح الاقتصادي التي تعاني منها العديد من الدول النامية. ان هذه الدول تقوم بتحديد اسعار السلع والفائدة والصرف للعملة المحلية عند مستويات تقل عن مستوياتها الاقتصادية الحقيقية بهدف ايجاد نوع من الدعم للجمهور, الا ان هذه السياسات تؤدي الى توفير غطاء شرعي للمؤسسات العامة الفاشلة التي تعتاش على الدعم الحكومي رغم تكبدها للخسائر وذلك بحجة انها تقدم خدمات وسلعا مدعومة للجمهور. ان العديد من المؤسسات العامة التي قامت في دول التعاون واحتاجت الى دعم لاستمرارها حصلت عليه بصورة مباشرة في غالبية الاحيان دون اللجوء الى اتخاذ اجراءات تشوه السياسات الماكرو اقتصادية. وفي اطار الحديث عن الحقائق ذات الصلة بالتخصيص في دول التعاون لابد ان نذكر اخيرا بتركيبة القطاع الخاص الخليجي وخلفيته التاريخية التي افضت الى ايجاد فلسفة متباينة, فهي تريد المشاركة في تملك المشروعات العامة, الا انها تفضل المشروعات الخدمية والمالية وباستثناء حالات معينة. ان فلسفة المستثمر الخليجي تولدت عبر تاريخ معين وتبلورت في انماط استثمارية معينة, وهي بحاجة الى جهد كبير لتطويرها وتأهيلها لتأخذ دورا اكبر في التنمية الاقتصادية. ان ما تطرقنا له من وجهة نظرنا بأنها حقائق ذات صلة بالتخصيص في دول التعاون لم نرد منه الاستنتاج بعدم جدوى سياسات التخصيص في هذه الدول بقدر ما اردنا ان نؤكد به اولا انها قد لا تمثل اولوية رئيسية في قائمة سياسات الماكرو اقتصادية المطلوب تفعيلها ضمن برنامج الاصلاحات الاقتصادية والهادفة الى استغلال اكفأ للموارد, وثانيا ان هذه السياسات يمكن ان تمثل سياسات داعمة للسياسات الاقتصادية ذات الاولوية اذا ما احسن توجيهها والتخطيط لها. ان سياسات التخصيص يمكن ان تمثل جزءا من الجهود المطلوبة لتطوير وتأهيل فلسفة المستثمرين الخليجيين, ومن هنا ايضا نرى انه من المفيد بل ومن الضروري ان تبادر الحكومات الخليجية الى طرح جزء من ملكياتها في مشروعات عامة ناجحة للمستثمرين من القطاع الخاص لتقوية روابط معايشتهم اليومية والفعلية بالاستثمار في المشروعات الانتاجية الكبيرة باعتبار ان ذلك سيسهم في خلق قناعات اقوى بجدوى الاستثمار عموما ويمثل بالتالي مدخلا لزيادة معدلات الاستثمارات الخاصة على مستوى الاقتصاد ككل. اما فيما يخص رفع كفاءة اداء القطاع العام فانه يبقى مطمحا لا غنى عنه طالما آمنا بان الدولة لابد ان تلعب دورا اقتصاديا معينا في التنمية الاقتصادية. ان عنصر كفاءة الاداء والجدية في التخطيط و المثابرة في التنفيذ تمثل جميعها عوامل تفوق في اهميتها تغيير شكل الملكية, وكما ذكرنا فان القضاء على ـ او على الاقل تهميش ـ اجراءات الكبح الاقتصادي واطلاق قوانين السوق في اطار اجتماعي يأخذ بالاعتبار حاجات التنمية لعموم فئات المجتمع سوف يخلق بيئة موضوعية تلزم مشروعات القطاع العام ان تحافظ على كفاءة ادائها باستمرار. حسين محمد