قبل سفره بيومين الى بروكسل ليترأس اجتماعات منظمة الجمارك العالمية التي ستبدأ بعد غد الاثنين وتستمر ثلاثة أيام وخوض معركة الرئاسة الجديدة لهذه المنظمة, جرى هذا اللقاء مع الدكتور عبيد صقر بوست رئيس مجلس جمارك الدولة مدير عام دائرة الجمارك بدبي ، رئيس منظمة الجمارك العالمية, وهو ثاني اجتماع يترأسه الدكتور بوست للمنظمة منذ اختياره رئيسا لها قبل شهرين حينما خلا المنصب فتم اختياره باجماع الدول الاعضاء ليشغله لحين اجراء انتخابات. جرى اللقاء في وقت مزدحم للغاية لأجندة هذا الرجل خاصة خلال الفترة القليلة الماضية, فهو يشغل الى جانب ادارته لجمارك دبي ورئاسة المنظمة العالمية, رئاسة مجلس جمارك الدولة, بالاضافة الى عضويته في العديد من اللجان المشتركة محليا وخليجيا وعربيا ولكل منها قضاياها العديدة, واستطاع ان يقدم ـ بخبرته وعلمه ـ الكثير لكل منها, كما انه كان يعد لمؤتمرين صحفيين خلال اليومين التاليين لهذا اللقاء ليعلن فيهما عن نتائج طيبة حققتها جمارك دبي, وربما لهذا الوقت المشحون, تم تحديد الموعد في وقت مبكر واستأذن الرجل ان يكون لمدة نصف ساعة.. لكن القضايا كانت عديدة ومتشعبة ولهذا امتد لأكثر من ساعة. ملفات ساخنة ربما كانت الملفات العديدة المتراكمة على مكتب الدكتور بوست تشير الى هذا البرنامج العملي المشحون فبادرنا بقوله ان من بينها ملفين يتعلقان بمنظمة الجمارك العالمية أحدهما خاص بالرئيس والقضايا المطروحة للمناقشة خلال الاجتماع الذي سيعقد خلال الفترة من 3 الى 5 يوليو الجاري وهي عديدة وهامة, ولهذا كان طبيعيا ان يبدأ الحوار بالحديث عن هذه القضايا ورؤيته لها واستعداداته لانتخابات الرئاسة وطبيعة المرشحين الآخرين, فقال: عليّ ان أسافر قبل بدء الاجتماع بثلاثة أيام على الاقل لحضور اجتماعات تحضيرية مع اللجان المعنية للنظر في القضايا المطروحة على جدول الأعمال, فهي دسمة وهامة في ظل التطورات العالمية المتلاحقة وسط اتفاقيات منظمة التجارة العالمية وحرية مرور البضائع بين الدول وانسيابيتها والمواقف المتباينة منها. وقال: ان هناك نقاطا عديدة من المؤكد ان تثار خلافات بشأنها, فالمنظمة تضم في عضويتها 142 دولة لكل منها مصالحها واهتماماتها الخاصة. ولهذا ربما يمتد الاجتماع ثلاثة أيام اخرى بعد المدة المقررة وينقسم الى قسمين أولهما مناقشة السياسة العامة للمنظمة وهذه تضعها الدول الاعضاء في لجنة السياسة العامة, والثاني هو الاجتماع العام وتحضره جميع الدول الاعضاء. وأشار الى ان هناك دولا اخرى تقدمت بطلبات عضوية جديدة ـ من بينها البحرين ـ وسيتم مناقشتها واقرارها. وقال الدكتور عبيد بوست ان من القضايا التي سيتم مناقشتها العلاقات مع المنظمات الدولية الاخرى وعلى رأسها منظمة التجارة العالمية, فنحن نحاول الوصول الى صيغ معينة للتعامل معها, خاصة انها لم تتمكن خلال اجتماعها الأخير في سياتل وتايلاند واوروبا من التوصل الى حلول لقضايا معينة, وعموما تتعلق بقية القضايا بصفة عامة بالجمارك ونسب الرسوم والعراقيل الجمركية, فالدول الفقيرة متأثرة جدا بهذه القضايا وسوف يستمر تأثرها, ونحن في منظمة الجمارك العالمية نحاول ان نوجد نوعا من التوازن بين الدول الغنية والنامية, فالدول النامية لديها حساسية في قضايا عديدة تطرحها منظمة التجارة العالمية لأنها ترى انها تهضم حقوقها وتؤثر على صناعاتها الوطنية. المعادلة الصعبة * وكيف تتحقق المعادلة الصعبة برأيك في التوفيق بين مصالح الطرفين؟ ـ بالطبع هذه معادلة صعبة للغاية, فالدول الفقيرة تنظر الى الدول الغنية على انها تريد ـ عن طريق هذه الاتفاقية ـ ان تستغل قدراتها وامكانياتها المتطورة لغزو أسواقها التي لاتزال حديثة العهد بالصناعات مثلا, وترى ان ازالة القيود على المنتجات الواردة اليها ستؤدي الى ضعف دخولها بالدرجة التي لن يكون معها بالقوة التي تستطيع ان تصمد في مواجهة هذا السيل العالمي من الصناعات الخارجية. * هل هناك توقيت محدد للتطبيق الكامل لهذه الاتفاقية العالمية؟ ـ يصعب ان يتم حاليا وضع تاريخ محدد, فهناك قضايا عديدة مازالت عالقة ولم يتم التوصل الى حلول أو رؤى نهائية بشأنها, هناك أحاديث قوية تدور في بعض الدول المتقدمة حتى في أمريكا نفسها حول مدى جدوى قضايا معينة تريد ان تقرها المنظمة. وتردد ان الكونجرس الأمريكي قدم مذكرة كبيرة يطالب فيها بانسحاب الولايات المتحدة من هذه المنظمة لما في بعض بنودها من سلبيات على الولايات المتحدة. الرجل القوي .. والضعيف القضية الأخرى الخطيرة حاليا تتعلق بالمقولة التي تم تداولها كثيرا عن (الرجل القوي والرجل الضعيف) بمعنى ان الاتفاقية أصبحت الآن تخدم الرجل القوي, بينما لا يحصل الرجل الضعيف على هذا الدعم, فقامت بعض الدول بالتقرب نوعا ما من الدول الضعيفة وصارت تتبنى مواقفها في قضايا معينة. من الموضوعات الهامة الأخرى المطروحة على جدول أعمال اجتماعات المنظمة اتفاقية (كيوتو) والخلافات حولها, وهذه الاتفاقية التي تم توقيعها في اليابان العام الماضي تقوم على مبدأ التسهيل والشفافية والمرونة في الاجراءات الجمركية, ولكي تتحول الى اتفاقية دولية يجب ان توقع عليها 40 دولة وحتى الآن لم توقع عليها سوى دول وتقوم على أساس استخدام الحاسب الآلي والشفافية في الاجراءات الجمركية واتباع الطرق الحديثة في التفتيش, أي انها تتعلق بصفة عامة بالجمارك, لكنها أثارت تحفظات البعض حينما اعطت حق دخول الدولة المراقبة, فظهر موضوع تايوان وتحفظت الصين. وربما استغرقنا فترة طويلة حتى وصلنا إلى صيغة تسوية بشأنها. وكان هذا الخلاف سياسياً فمضي دخول تايوان كعضو مراقب الاعتراف بها كدولة, بينما الصين تعتبرها جزءاً منها. * ما المقصود هنا بالمراقبة.. وهل لاية جهة الحق في الدخول كدولة مراقبة؟ ـ انت كدولة او حتى لست كدولة على مستوى العالم تستطيع ان تدخل كدولة مراقبة وهذا ما اقرته الاتفاقية. * وهل تم توقيع هذه الاتفاقية في اطار منظمة الجمارك العالمية ام كانت بين هذه الدول الخمس فقط؟ ـ تم توقيعها تحت مظلة المنظمة. * وهل تسعى المنظمة لتطويرها؟ ـ لابد من توقيع 40 دولة عليها لتتحول إلى اتفاقية دولية.. وحتى الآن اعضاؤها 5 دول فقط تعمل في هذا المجال وهذه الدول هي الجزائر, سريلانكا, زامبيا, زيمبابوي واستراليا. * من الملاحظ ان هذه الدول ليست فاعلة على المستوى الدولي.. فهل يعني هذا الآن الاتفاقية لا تحظى بسند دولي؟ وطالما ان بنودها تقوم على تسهيل الاجراءات, فما المشكلة امام الدول المتقدمة للتوقيع عليها؟ ـ امريكا ـ مثلاً ـ اجرت مناقشات كثيرة بشأنها وإلى الآن لم توقعها.. والمشكلة تتمثل في البند الذي تنص عليه الاتفاقية والمتعلق بحق حضور الدولة المراقبة وهذه تتحفظ عليها دول عدة. لانه قد يفتح المجال امام حضور بعض الاجزاء الجغرافية محل الخلاف وتفاجأ دول معية بانضامها للمنظمة وسيفتح هذا البند مجالات خلافية كثيرة. التفتيش السابق من الموضوعات الجديدة التي ستناقش ايضا في اجتماعات المنظمة هو ما يسمى بالتفتيش السابق والذي يقوم على اساس تفتيش البضائع التي يتم تصديرها إلى الخارج في الدول المصدرة فقط بحيث لا يعاد تفتيشها في الدول المستوردة وقد تحفظت بعض الدول على هذا الامر. لكن هذا الموضوع جاء في اطار التوجهات الجديدة للجمارك وتخفيف العبء على رجال الجمارك واختصار الوقت. * لكن هناك بعض المنتجات التي لا تريد دولة معينة دخولها اسواقها؟ ـ هذه هي من بين القضايا الخلافية في هذا البند. * وبعض الدول ترى ان في مصلحتها تفتيش البضائع المصدرة منها؟ ـ ربما كان الهدف من موضوع (التفتيش السابق) هو محاربة الغش التجاري في الدول المستوردة وتقديم المستندات الخاطئة وكذلك قضية الاسعار والنوعية والقيمة, فحينما يثبت المصدر القضايا بهذا الامر, لا يستطيع المستورد ان يتلاعب فيها او في اسعارها. * وقد يتلاعب المصدر في هذه القضايا؟ ـ هذا امر وارد اذا كانت من مصدر خاص.. ولهذا لا تمنح الا لإنسان مصدر ثقة. واضاف الدكتور عبيد ان من الموضوعات ذات الحساسية الاخرى والتي سيتم مناقشتها هي قضية القيمة.. وهذه القيمة مرتبطة بمنظمة التجارة العالمية.. فأي بضاعة حينما تنقل من مكان إلى آخر لابد من تقييمها بقيمة معينة.. وهذا التقييم يقوم على اسس, فلا يجوز ان نبالغ او نقلل من هذه القيمة. ولذلك وضعت معايير من منظمة التجارة العالمية, صار هناك خلاف بشأنها حاليا بين الدول. واذا اتفقت الدول كلها على تبني هذه المعايير فإن الدول النامية تطالب بأمور معينة, كأن تطالب بقضية التعاون الفني. بمعنى ان تقوم منظمة الجمارك العالمية بارسال خبراء لتدريب وتطوير جماركها. وانظمتها باعتبار انه ليس لديها من القدرات او الخبراء بما يمكنها من هذا العمل. وهذا بدوره يحتاج إلى تغيير قوانين الجمارك والاجراءات والموظفين. وهذه امور مكلفة. والمنظمة في واقع الامر متحفظة من هذه الناحية لان هذا الامر سيؤدي إلى زيادة اعبائها المالية ولذلك تطالب المنظمة بعض الدول الاعضاء ذات الخبرة والمكانة في هذا الامر بأن تلعب دوراً فيه. كما سيناقش الاجتماع الاستراتيجية الخاصة بالمنظمة حتى عام 2003. * ومن يضع هذه الاجندة؟ ـ تضعها لجنة السياسة العامة وهي ممثلة في عدة دول. ولجنة السياسة العامة هذه تجتمع لمناقشة هذه الموضوعات ليتم طرحها للنقاش بعد ذلك في الاجتماع العام. انتخابات الرئاسة * واضاف الدكتور عبيد صقر بوست ان هذا الاجتماع العام ايضا سيتم خلاله اجراء الانتخابات الجديدة لرئاسة المنظمة ويتم هذا عادة في نهاية الاجتماعات. فبعد انتهاء الاجتماعات التي سأقوم برئاستها يتم اخلاء الموقع للسكرتير العام للمنظمة ليقوم بدوره بفتح باب التصويت على المرشحين للمنصب. * وكيف تنظر إلى ظروف ترشيحك لرئاسة المنظمة وما هي توقعاتك بشأنه ومن هم المرشحون الآخرون؟ ـ لأكن صريحا.. في ظروف انتخابية مثل هذه ربما يكون من الصعب ان يتكهن احد, خاصة اذا كان مرشحاً بمن سيفوز. وهذه من جماليات الانتخابات. وطبيعي ان يكون هناك حوار ومشاورات بين المرشح والدول المجاورة والدول المؤثرة ايضا, وبعض الدول ابدت استعداداتها لدعمنا في هذه الانتخابات, كما ان هناك تحفظا من قبل بعض الدول لان هناك مرشحاً اوروبيا آخر. * وهل هناك مرشح عربي؟ ـ لا, نحن كمجموعة عربية نتفق فيما بيننا على مرشح بعينه والحمد لله هناك دعم عربي طيب لمرشح الامارات ومرشح لمجموعة العربية. * وهل يدخل المرشح هذه الانتخابات بأجندة عمل معينة او برنامج عمل؟ ـ المنظمة تتلقى معلومات كاملة عن المرشحين وخبراتهم واسهاماتهم في المواقع التي يشغلونها وتخصصاتهم. وهذه الامور كلها يتم أخذها في الاعتبار. وقد وصلتهم هذه المعلومات منذ شهر تقريبا. بالاضافة إلى ان هناك ابعاداً سياسية تتعلق بمكانة الدولة. وعلاقاتها مع الدول الاخرى ومواقفها السياسية. وحينما شغلت منصب الرئيس العام للمنظمة منذ 3 شهور جرت انتخابات لكنها في الواقع كانت غير مباشرة حيث اتصل السكرتير العام بالدول المعنية وتلك ذات الثقل بالمنظمة. وأخبرهم بالمرشحين لهذا الموقع. واخبرهم باختياره لمرشح الامارات فوافقت امريكا والدول الاوروبية وذات الثقل على هذا الاختيار ووافقوا بدورهم على اختياري رئيساً للمنظمة وكانت هذه سابقة في تاريخ المنظمة وان العرف جرى على انه اذا خلا منصب الرئيس ـ كما حدث ـ لأي سبب يشغله اقدم نائب. لكن في موقفي حدثت سابقة حيث جرت شبه انتخابات بالتمرير, واخبرني بذلك السكرتير العام للمنظمة الذي رشحني دون ان اطلب هذا ولم اعلم بهذا الترشيخ الا بعد الموافقة عليه حيث اخبرني به خلال حضوري اجتماعات لجنة التقنية. الجمارك.. والجات * هناك صلة قوية بين الجمارك ومستوياتها وبين اتفاقيات منظمة التجارة العالمية التي تتحفظ الدول النامية على العديد من بنودها.. هل قوانين هذه المنظمة برأيك ملائمة اكثر للدول الغنية أم الدول النامية.. وكيف يحدث التنسيق معها بهذأ الشأن خاصة ان هذا التنسيق من بين القضايا المطروحة على جدول الأعمال المقبل؟ ـ من الصعب القول بأن هذه القوانين تخدم دولة بعينها.. فاتفاقيات منظمة التجارة العالمية بها سلبيات وايجابيات.. لكن في الوقت الحاضر تبدو وكأنها خطت للدول المتقدمة. لكن المثل العامي يقول (طباخ السم لابد ان يتذوقه) فهو سيأتيه في بعض الأمور التي ستؤثر على بعض الدول.. واضرب لك مثلا. المشتقات البتروكيماوية من الأمور التي تفرض اوروبا عليها حاليا ضرائب بسبب التلوث وغيره.. وإذا اخذنا بروح منظمة التجارة العالمية فإن هذا الامر يعتبر احد العراقيل أمام حركة انتقال التجارة. ومعنى ذلك ان هذا الامر ينعكس سلبا على هذه الدول الأوروبية لأنها حاليا تضع نوعا من انواع القيود. وهناك بعض الدول الاعضاء بالمنظمة ترى ان موضوع البتروكيماويات لا يجب ان ينطوي تحت بنود منظمة التجارة العالمية لكن هذا الاتجاه ضعيف, وحينما يصبح هناك فريق عمل قوي يعمل بهذا الموضوع من الممكن ان يزيله. مثال آخر: الالومنيوم الذي تصدره دول مجلس التعاون الى اوروبا والذي تفرض عليه دولها ضرائب, وصلت دول المجلس مع الدول الأوروبية الى نوع من أنواع الموازنة في هذا الخصوص. ايضا الدول الأوروبية تقيم عراقيل أمام صادرات بعض دول شمال افريقيا من المنتجات الزراعية كالبرتقال, حماية منها لمنتجات اسبانية تحت دعاوى عدم مطابقاتها للمواصفات وغيرها من الحجج. هذه الأمور كلها تؤخذ كسلبيات على الدول الأوروبية.. إذن القول بأن بنود المنظمة في مجملها ستخدم دولا بعينها عليه تحفظ.. صحيح الدول المتقدمة ستنال حصة الأسد, لكنها في الوقت نفسه سيصيبها بعض الضرر إذا اخذنا الأمر من الناحية الاقتصادية. وأقول: إذا استطعنا ان توجد منظمة تجارة عالمية تقوم على مبدأ الشفافية وعدم التفرقة بين الرجل الأبيض والرجل الملون.. اعتقد انه سيكون هناك نوع من انواع الحرية.. قد لا نتضرر منها نحن. لكن البعض ينظر الى هذه المنظمة من ناحية الجمارك والتجارة فقط.. وفي واقع الامر فإن ما تريد ان تصل اليه هذه المنظمة امور كثيرة.. فقد بدأوا يثيرون موضوعات الحرية والعقائد وحقوق الإنسان.. وبدأوا يثيرون قضايا حول دول معينة من قبيل الاضطهاد العرقي والديمقراطية.. امور عديدة اخرجتها من المجال الاقتصادي الى المجال السياسي والاجتماعي. * وهل يمكن ان تلعب دورا في هذه القضايا أم مجرد مناقشات واحاديث؟ ـ اعتقد انهم بدأوا يستغلون بعض هذه الأوراق وبدأوا يضغطون على بعض الدول العربية.. إن تحرير التجارة هو اللفظ الذي يطفو على السطح, لكنه في حقيقة الأمر جزء من جبل الثلج وما تحته اعظم واكبر واضخم.. التعاون الخليجي.. والاقليمي * قمتم بزيارتين في الفترة الأخيرة احداها الى المملكة العربية السعودية والثانية الى ايران.. ما هي القضايا التي تم مناقشتها خلالهما؟ ـ قمت بزيارة الى السعودية باعتباري احد اعضاء الهيئة الاستشارية الخليجية.. وهي هيئة تقوم بتقديم ما يحال اليها من موضوعات الى رؤساء وملوك وسلاطين دول مجلس التعاون.. وكان لدينا موضوعان من الموضوعات التي تمت اثارتها ومناقشتها هما: الاستراتيجية الخاصة بمجلس التعاون والثاني: دراسة الاتفاقية الاقتصادية لدول المجلس. واريد هنا ان اتوقف عند هذه الاتفاقية والتي تم التوقيع عليها منذ قيام المجلس وكان لابد من تقييمها خلال هذه الفترة وما اسفرت عنه. فقد انشئت من هذه الهيئة لجان وكنت عضوا باللجنة الاقتصادية حيث قمنا بدراسة الاتفاقية الاقتصادية في نواحي المواصلات, انتقال العمالة, الجمارك, التبادل التجاري, السياحة والقضايا الاقتصادية بصفة عامة. فمازالت الحركة التجارية بين دول مجلس التعاون غير كافية والواقع يشير الى ان كثيرا من دول المجلس تجارتها مع الدول الخارجية اقوى مما هي عليه مع بقية دول المجلس. وبحثنا القيود التي تضعها بعض الدول الخليجية في وجه حركة الطيران الداخلية فيما بينها. وبحثنا ايضا العراقيل التي يواجهها التجار على مراكز الحدود والمنافذ الجمركية. وقدمنا تصوراً عاماً لرفعه الى الحكام لوضع حلول لهذه القضايا. واضاف الدكتور عبيد بوست ان هذه المناقشات سادهاجو من الود وخرجنا بتصور وتوجه عام هو اننا بيئة واحدة ومجتمع واحد واننا امام سوق مشتركة واذا اردنا ان نقوم بهذا السوق الذي نأمل ان يتحول الى سوق عربية, يجب ان يكون هناك نوع من انواع الشفافية والمرونة. ولا يجوز ان تتوقف البضائع امام الحدود لفترات طويلة والتغلب على القيود المتعلقة بقضية الاستيراد والتصدير. وطالبنا بفتح الاجواء امام الطيران الخليجي. وربط دول الخليج بشبكة طيران منتظمة بحيث تقوم اكثر من رحلة في اليوم بين هذه الدول. كما ناقشنا حرية التجارة وازالة القيود امام مواطني دول مجلس التعاون. وكذلك تم مناقشة قضية تملك العقارات. رغم ان جميع الدول بدأت في فتح هذا المجال بين مواطني دول التعاون إلا اننا طالبنا باكثر من ذلك. امور كثيرة ناقشناها وقد منا تصورات بشأنها, نابعة عن ايمان الهيئة بأهمية فتح الاسواق الخليجية وازالة القيود في بعضها. * وهل كان هذا التوجه بين اعضاء الهيئة امام كانت هناك تحفظات على بعض القضايا من قبل بعض الاعضاء؟ ـ سبق لي ان شاركت كثيرا في لجان مشتركة خليجية وعربية وعالمية, ولم اجد مثل هذه الهيئة في صدق مناقشاتها وتوجهاتها العامة فهي لا تمثل دولة بعينها بقدر ما تمثل مجلس التعاون بأكمله. ولم يكن الخلاف إلا لازالة العراقيل فقط في سبيل مصلحة دول مجلس التعاون باكمله. وكان هذا هو التوجه العام للجنة وهذا ايضا مالمسناه خلال زيارتنا السابقة لولي عهد المملكة العربية السعودية الأمير عبدالله بن عبدالعزيز حينما قال: نحن لا نعتبركم هيئة استشارية لكننا نعتبركم برلمانا خليجيا. ومن منطلق هذا البرلمان يجب ان يكون دوركم نحو تفعيل مجلس التعاون. وخلال زيارتنا هذه المرة الى وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل اشاد ايضا بالهيئة وقال اننا نتوقع منها امور عديدة. في الحقيقة حينما قامت الهيئة اعتبرها البعض في البداية هيئة روتينية لن تكون لها هذه الاهمية. لكننا نتوقع ان تخرج الهيئة خلال الخمس او العشر سنوات المقبلة بأمور كثيرة في مصلحة دول مجلس التعاون. فأغلب دول الخليج تنادي الان بأن تكون هذه الهيئة برلمانا خليجيا يعرض عليها موضوعات دول المجلس وحلها. وانا على يقين ان بامكانها القيام بأمور كثيرة لم تستطع الكثير من اللجان عملها. كذلك التقينا خلال هذه الزيارة بالأمير سلطان بن عبدالعزيز النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع والذي تحدث ايضا عن التجارة بين دول المجلس وتشجيع السياحة ودعمها وهذه مواقف طيبة, ان يكون التوجه على اعلى مستوى كما انها تعتبر رؤية واستراتيجية كبيرة لدول المجلس. هذه الرؤية تنبع من الايمان بألا يكون اعتمادنا فقط على النفط كمصدر للدخل, إنما يجب ان يكون هناك تنوع في مصادر الدخل وهذا توجه استراتيجي وهام. ولهذا نسمع كثيرا عن اهمية التجارة, السياحة, قوانين الاستثمار الجديدة بدول التعاون. واذا كنا نؤمن بالمنافسة فان على دول التعاون ان تبحث في هذه القضايا وعن البدائل التي يجب ان نستخدمها وكيف نطور السياحة. فالان نحن في الامارات نتحدث عن مليوني سائح في العام. فكيف نستطيع ان نرقى بهذه السياحة الى 5 ملايين ومدى ملاءمة البنية التحتية لتحمل هذا الرقم. واعتقد ان هناك توجهاً من الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع بضرورة الاهتمام والعمل على مضاعفة هذا الرقم من السياحة وكذلك الاهتمام أكثر بالتجارة وجذب رؤوس الاموال للعمل بالدولة. ان الزيارة الأخيرة إلى جدة فتحت الكثير من الأبواب والمجالات.. وأهمية النظر الى المستقبل برؤى اخرى.. وكان هناك توجه عام بان يتم الاعتماد على مصادر متنوعة للدخل. ولعل مبادرة سمو ولي عهد دبي في هذا الصدد كانت لها أهميتها فأمس (وقت اجراء الحوار) اعلن الرئيس الأمريكي عن مكافأة تصل 50 ألف دولار لمن يقدم أفضل WEBSIT حكومي للشركات العاملة في أمريكا. ونحن بدأنا بالاعلان عن الحكومة الالكترونية منذ مدة وهذا يشير الى تقدمنا في هذا المجال والى بعد النظر والحكمة التي يتمتع بها سمو ولي عهد دبي ونظرته الشاملة لمستقبل دبي. يجب ان يكون لدينا اهتمام أكبر بقضايا التجارة والاستثمار.. وهنا أقول الاستثمار المفيد لا الاستثمار بغرض نهب أموال البنوك والهروب للخارج.. وأؤكد ان لدينا من الامكانيات ما يسهم في تنمية هذه القطاعات الاخرى فالبنية التحتية تتمتع بكفاءة عالية, البنوك متوفرة, الاستقرار موجود.. اذن يجب ان نبني سياسة ندخل فيها القطاع الخاص ونركز عليه.. فالحكومة قد قامت بدورها والمبادرة الان يجب ان تكون من القطاع الخاص في هذا المجال. ويجب ان نعد أنفسنا للمستقبل. الاستثمار.. بضوابط * تطرقت الى قضية الاستثمار.. بضوابط بالطبع, ما هي المجالات التي ترى ضرورة فتح الباب فيها بشكل أوسع وما هو الموقف من قطاع العقارات؟ ـ هناك رأيان في دبي أحدهما ضد تملك الاجانب لأسهم الشركات ورأي آخر يوافق عليه.. ولايمكنني القول ان أحدهما صحيح والآخر خطأ.. لكن ما استطيع قوله هو: هل وجدنا ضوابط لهذه القضية؟ اذا كانت الضوابط القانونية متوفرة بشكل يضمن خدمة هذا الاستثمار للوطن وما يعود عليه بالنفع, فليس لدي مانع من هذا الاستثمار الاجنبي, فأنا مع الاستثمار المقنن بضوابط تضمن مصلحة الدولة.. ولامانع من تملك الاجانب حصة من اسهم الشركات طالما كان هذا القرار يخدم الدولة وكان مدروساً. ويجب ان توضع مثل هذه القرارات في اطار دولة الامارات وان يكون تحت مظلتها وتوجهها الاقتصادي. وفي رأيي يجب ان يدخل هذا الاستثمار في مجالات التصنيع واقامة مشاريع صناعية مشتركة مع المستثمرين. واعتقد ان اي إمارة من امارات الدولة مستعدة للدخول في مشاريع مشتركة.. واذا توفرت مشاريع لصناعات ثقيلة فهذا شىء جيد. أيضا حتى اذا كانت مشاريع متوسطة صناعيا.. فالوقود والغاز والايدى العاملة والبنية التحتية متوفرة لمثل هذه المشروعات المشتركة. وفيما يتعلق بزيارته التي قام بها وسلطان أحمد بن سليم رئيس سلطة المنطقة الحرة لجبل علي مدير عام موانىء دبي الى جزيرة (جشم) الايرانية, قال الدكتور عبيد صقر بوست اننا قمنا بهذه الزيارة ولمسنا ان بالجزيرة امكانيات كبيرة وقدرات عالية ورأينا ان التوجه العام لنا يجب ان يكون في اطار التعاون مع هذه المنطقة بما يعود بالمصلحة على الدولتين وتبادل الخبرات فيما بيننا, فهى منطقة حرة تتمتع بامكانيات جيدة. * وهل تمثل هذه الجزيرة تهديداً للمنطقة الحرة لجبل علي؟ ـ نحن نؤمن بقضية الاقتصاد المفتوح والشفافية. وفي هذا الاطار قدمت دولة الامارات خبراتها لكثير من الدول الاخرى وأدارت هيئة موانىء دبي العالمية موانىء جدة وبيروت وجيبوتي وهناك تعاون مع دول اخرى سيتم الاعلان عنها.. نحن لا نؤمن بالانغلاق على أنفسنا أو عدم تقديم خبراتنا, بالعكس هذا التعاون يفيدنا أيضا لنقف على مستوى امكانياتنا. وجزيرة (جشم) كبيرة حيث يبلغ طولها 150 كيلومتراً وبعرض 70 كيلومترا وتتمتع بامكانيات ضخمة وهي منطقة حرة بالكامل ونأمل ان يثمر هذا التعاون نتائج طيبة في مصلحة البلدين. وأضاف الدكتور عبيد بوست ان الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع لديه رؤية اقتصادية واستراتيجية كبيرة تقوم على الايمان بأهمية التكتلات الاقتصادية, فالعالم يشهد حاليا موجة من هذه التكتلات, صحيح نحن نعمل في اطار الكتلة العربية, لكن هذا لايمنع من اقامة تعاون مع ايران والهند وبعض الدول الافريقية, وجزيرة جسم تحتاج الى دبي في كثير من المسائل وكذلك نحن نحتاج الى ايران وبالتالي فاقامة التعاون مهم نحو تطوير هذه المناطق واستثمارها بما يعود على البلدين بالفائدة. ومن القضايا التي ناقشناها معهم خلال الزيارة قضية الترانزيت اي تجميع البضائع في دبي ونقلها عن طريق جشم الى دول الجمهوريات الاسلامية وبالتالي الوصول الى أسواقها بأقل تكلفة وأقصر طريق. * ما هي استعدادات جمارك دبي على طريق الحكومة الالكترونية؟ ـ نحن الان نسير بخطى طيبة والدائرة تعمل جاهدة في هذا الاطار ولدي أمل كبير في تحقيق هذا الهدف مع نهاية الثمانية عشر شهراً التي حددها سمو ولي عهد دبي لبدء عمل الحكومة الالكترونية. * توصلت دول مجلس التعاون الى اتفاقية موحدة للتعرفة الجمركية. ووقعت الامارات عدداً من الاتفاقيات الثنائية مع بعض الدول العربية, فهل يتعارض هذا مع اتفاقية التعاون؟ ـ لا تعارض اطلاقاً في هذا المجال.. فالاتفاقية الخليجية تتعلق بالرسوم التي سيتم فرضها على البضائع الاجنبية القادمة للدولة.. أما الاتفاقيات الثنائية فهي مفتوحة.. وخلال عشر سنوات ستكون الرسوم الجمركية بين الدول العربية صفر بالمئة في اطار التجارة الحرة العربية التي تم التوقيع على اتفاقيتها منذ عامين.. هناك المظلة الاشمل هي الجامعة العربية أما تجمعات مجلس التعاون وغيرها فهي اجزاء تعمل تحت هذه المظلة وفي اطار اتفاقيات السوق العربية المشتركة ولهذا فان الاتفاقيات الثنائية تعمل على اختصار الوقت في ازالة الرسوم الجمركية بين الدول. واذا قررت دولة الامارات اليوم ازالة الرسوم مع أية دولة عربية غير خليجية فلا يمكن ان تعترض دولة خليجية.. فالجميع يعمل في اطار جامعة الدول العربية واتفاقية اقامة التجارة الحرة العربية التي وقعت قبل عامين وحددت عشر سنوات لاقامتها نصت في أحد بنودها على انه لأية دولة من الدول العربية ان تقلص هذه المدة. * هل من الممكن ـ برأيك ـ بدء تطبيق اتفاقية التعرفة الجمركية الموحدة بين دول التعاون قبل عام 2005؟ ـ هناك أصوات حاليا تنادي بهذا الأمر, لكنني اعتقد أنها في حاجة الى وقت, لأننا نتحدث حاليا عن اجراءات اخرى مكملة لهذه الاتفاقية وأهمها نقطة الدخول الواحدة والاجراءات المتبعة وكيفية توزيع دخل الجمارك وقضية التجارة البينية الخليجية هذه الامور كلها محل بحث ودراسة ولابد من استكمالها قبل بدء تطبيق هذه الاتفاقية ونأمل خيراً لها.