تتجه أنظار المراقبين والمحللين حاليا الى بقعة جديدة من العالم يرون انها تحمل بين جنباتها امكانات كبيرة تمكنها من المنافسة على مدى المستقبل القريب في اطار التوجه العالمي نحو الاقتصاد الرقمي, حيث يرى هؤلاء المحللون ان هذه الامكانات الكامنة، والتي لم تنطلق بعد سيكون لها بالغ الأثر على مدار السنوات القليلة المقبلة في دعم مكانة هذه البقعة من العالم على خريطته الاقتصادية. هذه البقعة هي قارة أمريكا اللاتينية والتي أظهرت نتائج بعض الدراسات الاقتصادية ان حجم التجارة الالكترونية المتوقع لهذا الجزء من العالم سيصل الى 15 مليار دولار بحلول العام 2003 بينما توقعت دراسات اخرى ان يتضاعف هذا الرقم ليصل الى 82 مليار دولار بحلول العام 2004. فقد اشارت احدى الدراسات التي أجرتها مؤسسة (إي ـ ماركتر) الأمريكية للدراسات والأبحاث الى ان القارة الأمريكية الجنوبية سوف تأتي بخطوات ضخمة في مجال التجارة الالكترونية على مدار السنوات الثلاث المقبلة حيث توقعت الدراسة ان يصل اجمالي المبادلات التجارية الالكترونية هناك خلال هذه الفترة الى 15 مليار دولار. كما توقعت الدراسة ببلوغ اجمالي عدد مستخدمي شبكة الانترنت من البالغين في أمريكا اللاتينية الى حوالي ثمانية ملايين مستخدم بنهاية العام الجاري أي أكثر من ضعف الرقم المسجل للمستخدمين هناك خلال العام الماضي. في الوقت نفسه أشارت الدراسة الى توقع نمو عدد مستخدمي شبكة الانترنت حول العالم بمعدل 19 مليون مستخدم بنسبة قدرها 5% ليصل اجمالي مستخدمي الانترنت في العالم الى 372 مليون مستخدم. وفي الوقت الذي أبرزت فيه الدراسة التي أجرتها مؤسسة (إي ـ ماركتر) بعض العقبات الرئيسية التي تعترض طريق التسوق عبر الانترنت والنشاطات الاخرى المتعلقة بالتجارة الالكترونية في أمريكا اللاتينية مثل صعوبة الوصول الى الشبكة أوضحت دراسة اخرى اجرتها (يانكي جروب) للأبحاث بأن هذه المشكلة سوف يتم التغلب عليها في وقت قريب مع انتشار موجة تقديم خدمات الانترنت بالمجان والتي تجتاح المنطقة حالياً. من ناحية اخرى جاءت توقعات الدراسة التي اجرتها (إي ـ ماركتر) بأن نحو 87% من اجمالي المبادلات التجارية الالكترونية لأمريكا اللاتينية سيأتي في الأساس من خلال المبادلات البينية بين الشركات B2B بالمقارنة بالتبادلات التي ستتم بين الشركات من جهة والمستهلك من جهة اخرى (B2C) مشيرة الى ان نحو 75% من المتسوقين عبر الشبكة في أمريكا اللاتينية حالياً يقومون بالشراء عبر مواقع تتخذ من الولايات المتحدة قاعدة لها. نشاط استثماري مكثف ولم تغب حقيقة نمو قطاع تقنية المعلومات والاقتصاد الالكتروني على المستثمرين خاصة في مجال التجارة الالكترونية بين الشركات, فعلى مدار الاربعة عشر شهراً الماضية بلغت مجموعة الاستثمارات التي وضعت في شركات الانترنت في أمريكا اللاتينية 5.1 مليار دولار وذلك وفقاً لما أظهرته دراسة أجرتها شركة (باين آند كومباني) . وقد يبدو حجم هذه الاستثمارات ضئيلاً اذا ما قورن بالاستثمارات الأمريكية في المجال نفسه والتي بلغت 19 مليار دولار لكن الدراسة أكدت ان الاستثمارات الحالية في أمريكا اللاتينية قد تتضاعف مرتين أو ربما تصل الى ثلاثة أضعاف حجمها الحالي بنهاية العام الجاري. وفي القطاع الاغلب فإن شركات الاستثمار تركز اهتمامها حاليا على اكثر دول القارة تقدماً من امثال البرازيل والمكسيك والارجنتين وتأتي البرازيل في مقدمة تلك الدول بفارق كبير نسبياً. الا ان بعض الشركات الاخرى صاحبة الاستراتيجيات بعيدة المدى تفضل وضع استثماراتها في الدول الاقل تقدماً في امريكا اللاتينية. فعلى سبيل المثال فإن شركة (سوفتبانك) تعكف حالياً على دراسة امكانات الاستثمار في قطاع تقنية المعلومات في شيلي وفنزويلا وكولومبيا. التقدم بحذر وعلى الرغم من تزايد تدفق رؤوس الاموال على قطاعات الانترنت والتجارة الالكترونية في امريكا اللاتينية الا ان كبار المستثمرين لا يزالون يلتزمون جانب الحذر في التقدم ببطء نحو هذا الكيان الجديد الذي لم يعهدوه ولم يطرقوا بابه من قبل. وهنا يعلق جان بوير رئيس استثمارات امريكا اللاتينية بشركة (سوفتبانك) قائلاً (ان التطورات جاءت متلاحقة وسريعة للغاية ولهذا فإنني ادافع دائماً عن وجهة النظر القائلة بأن التأني في الدخول إلى امريكا اللاتينية هو طريق السلامة ولا غبار على الاطلاق في احتلال المركز الاخير في التسابق على الاستثمار هناك) . وتؤكد الدراسات المختلفة ان امريكا اللاتينية قد اصبحت متأهبة ديموغرافياً للمنافسة في عالم التجارة الالكترونية حيث ان اغلب سكان القارة ينتمون إلى الفئة العمرية للشباب وهي اكثر من عددها من نظيرتها داخل الولايات المتحدة الامريكية واليابان واوروبا. وعلى الرغم من ذلك فإن احدى حجرات العثرة الرئيسية التي قد تواجه الانتشار الكامل والشامل للتجارة الالكترونية في القارة اللاتينية هو التباين والتضارب في قوانين الجمارك والحواجز التجارية المختلفة بين الدول المختلفة للقارة. ولكن قد يخدم انتشار خدمات الانترنت وزيادة اعداد المبيعات من اجهزة الكمبيوتر الشخصي واتساع رقعة استخدام وسائل الاتصال اللاسلكية في هدم هذه الحواجز واماطة العقبات من طريق التجارة الالكترونية هناك. وقد اظهر بحث اجرته مؤسسة (اي دي سي) العالمية عن ان عائدات شركات تقديم خدمات الانترنت ستستمر في الزيادة والنمو بنسبة 42% سنوياً لتصل الى 13.8 مليارات دولار في العام 2004 بعد ان كانت قد سجلت 41.1 مليار دولار في العام المنقضي 99. ويضيف ستيوارت وودرنج نائب رئيس مؤسسة (فورستر ريسيرتش) للأبحاث بأن التجارة الالكترونية تواجه حاليا العيد من التحديات في امريكا الجنوبية إلا انه يرى ان هناك العديد من المؤشرات الايجابية على التحسن المطرد في المناخ الاقتصادي العام للقارة. ويستطرد قائلا: (إن المزيج العام من الجهود الحثيثة التي تعمل على تثبيت اسعار صرف العملات المحلية مع التوجه العام في القارة لتحرير التجارة وهدم الحواجز الجمركية بين دولها سوف تؤهل أمريكا اللاتينية خاصة البرازيل والارجنتين لكي تصبح ارضا خصبة لنمو التجارة الالكترونية مشيراً الى توقع مؤسسته وصول حجم المبيعات عبر شبكة الانترنت في البرازيل الى 64 مليار دولار والارجنتين الى 10 مليارات دولار على التوالي. ويؤكد وودرنج ان اجمالي التبادلات التجارية الالكترونية لامريكا اللاتينية سيصل الى 82 مليار دولار بحلول العام 2004 ليمثل 1.2% من اجمالي حجم التجارة الالكترونية العالمية في حين ستكون الولايات المتحدة وكندا والمكسيك مسئولة عن نحو 50% من هذه المبادلات حول العالم في العام ذاته. ويوضح وودرنج ان هناك عددا من المحددات الرئيسية التي ستتحكم في معدل نمو هذه التجارة في أمريكا اللاتينية من بينها تحسين خدمات الاتصالات وتوفير البنية التحتحية القوية للانترنت والتوسع في خدمات الهاتف النقال مضيفا ان الشركات الاخيرة بين الشركات الامريكية الشمالية وبعض نظيراتها في القارة الجنوبية يعد عاملا مهما وخطوة مبدئية على طريق النمو هناك حيث جاوز عدد حالات الاستثمار الشمالي في امريكا اللاتينية ثلاثين اعلانا عن استثمارات جديدة خلال النصف الثاني من العام الماضي.