تتضمن المفاوضات تبادلاً للأخذ والعطاء بين الاطراف المتفاوضة حيث يسعى كل طرف من خلال هذا التبادل للوصول إلى اتفاق مقبول حول الموضوع محل التفاوض او حل مشكلة خلافية. ويتوقع كل طرف من الاطراف ان يتحرك الطرف الآخر مبتعداً بدرجة او اخرى عن مواقفه الاصلية وتشكل اهداف كل من الاطراف اساس عملية التفاوض. وربما يكون لدى احد الاطراف موضوع واحد في غاية الاهمية )هدف مثالي( كما قد تكون للطرف الآخر عدة موضوعات تشكل مجتمعة اهدافه التي يسعى لتحقيقها من خلال عملية التفاوض. وهكذا تتجادل الاطراف حول اهدافها ويكتب النجاح عادة للطرف الذي استعد جيداً للمفاوضات وجلس إلى الطاولة وهو يدرك جيداً ماذا يريد من هذا (الجلوس) وكيف يفاوض ويناور لتحقيق اهدافه ليخرج من القاعة مزهواً في حين يخرج الطرف الآخر وعيناه تجوبان الاركان الاربعة للقاعة بحثا عن شيء لا يدري ما هو على وجه الدقة وهو يدرك في قرارة نفسه ان ذلك الشيء موجود في ركن قصي داخل جيب الطرف الآخر. وهكذا تبرز اهمية تحديد الاهداف قبل المجازفة بالدخول في اية مفاوضات. والسؤال المهم هنا هو: كيف يتم تحديد هذه الاهداف وما هو الشكل الامثل لتسلسلها؟ ان افضل الاساليب لتحديد الاهداف هو وضعها في تسلسل هرمي بحيث تشكل الاهداف ضمن الحد الادنى قاعدة الهرم ويتم الانتقال بعدها إلى الاهداف الرئيسية ثم الاهداف الثانوية ثم اخيراً الاهداف المثالية )في غاية الاهمية( على قمة الهرم. وكلما صعد المفاوض نحو قمة الهرم اصبح المجال واسعاً لمزيد من التبادل. وعادة ما يقوم الطرفان المتفاوضان بالتنازل عن اهداف معينة والتضحية بها في عملية تبادلية تستهدف الحيلولة دون انهيار المفاوضات. كما ان الاستعداد الجيد يتيح فرصة تحديد الاهداف التي يمكن التضحية بها وذلك قبل وقت طويل من بدء المفاوضات الفعلية. كما يتيح ايضاً تحديد تلك الاهداف التي يتعين على الطرف الآخر التنازل عنها. وبمعني آخر يتيح هذا الاستعداد معرفة قيمة كل هدف من الاهداف وذلك بدون تجاهل الحقيقة القائلة ان الطرف الآخر قد حدد اهدافه وقوم جدواها بالنسبة لمصلحته النهائية. والمفاوض الناجح حقا هو ذلك الذي يجيىء التقرير الذي يعده عقب كل جولة من المفاوضات بهذا الشكل. الاهداف المثالية: الجولة القادمة. الهدف الرئيسي: تحقق وبنجاح. الهدف الثانوي: تمت التضحية به مقابل الهدف الرئيسي. الحد الادنى: تحقق وبنجاح باهر. الا ان هذا المفاوض الناجح لا يتمكن من تحقيق اهدافه والحصول على افضل النتائج الا بعد ان يخضع كل هدف من الاهداف التي حددها لعملية تحليل وتقويم دقيقة وذلك بطرح الاسئلة التالية )قبل نهاية المفاوضات(. ـ لماذا يكتسب هذا الهدف اهمية كبيرة؟ ـ كم يمكن ان يساوي؟ ـ هل توجد اهداف اخرى تساوى قيمتها قيمة هذا الهدف )البدائل والخيارات(؟ وبعد الاجابة عن هذه الاسئلة يهرول المفاوض نحو قاعة المفاوضات وهو على ثقة بالنجاح ويظل ينتقل من موضوع لآخر في خفة وبراعة ويستدرج الطرف الآخر مستغلاً مهارته في المناورة واجادته لفنون الانتقال من الاهداف المثالية إلى الحد الادنى ومتحركاً في رشاقة بين الاهداف المثالية والحد الادنى للطرف الآخر ليخرج في اعقاب المفاوضات وهو يختال مزهواً بانتصاره. ومن الناحية الاخرى يكتسب تدوين الاهداف وكتابتها اهمية بالغة عند الاعداد للمفاوضات خاصة ان كان التفاوض سيتم حول موضوع مهم. ويساعد تسجيل الاهداف في وضع معايير واهداف عالية وبصورة تلقائية الامر الذي يتيح وضعاً نفسياً مريحاً يبدو معه المفاوض وكأنه واثق تماماً من موقفه )الحرب النفسية( خاصة اذا تمكن استقراء وتوقع رغبات الطرف الآخر بطريقة سليمة واستطاع طرح افكار ومقترحات بناءة يمكن ان تؤدى لحصول الطرفين على ما كانا يرغبان في الحصول عليه. فعلى سبيل المثال قرر احد المساهمين الكبار في احدى المؤسسات التجارية الانسحاب من المؤسسة وسحب امواله. ان كل ما يجب على هذا المستثمر فعله هو تقويم اهداف الانسحاب وتدوينها بالشكل التالي: ـ الهدف الاول: ارغب في التفاوض حول تسوية مرضية لي وللمؤسسة وللمساهمين. ـ الهدف الثاني: سأنسحب في هدوء وبدون ان اهدم ما بنته المؤسسة طوال عشرة اعوام. ـ الهدف الثالث: سوف اتفاوض مع رئيس المؤسسة فقط حتى لا يشعر المساهمون الآخرون او المؤسسات المنافسة بهذه المفاوضات ويستفيدون منها. ويجب ان يتم تحديد الاهداف بدون ان نربط انفسنا بها. فعلى سبيل المثال بدلاً عن قول (انني اريد هذا.. وذاك) يفضل عادة طرح مقترحات مثل (انني ارغب في ان نتوصل لاتفاق يضمن حصولى على هذه النقاط) . وافضل اسلوب لتفادي الركون إلى موقف واحد وعدم التخلى عنه هو التحديد المسبق لمختلف الخيارات والبدائل التي نعتقد بأنها في مصلحتنا وايضاً البدائل التي يمكن ان نقترحها على الطرف الآخر كنوع من التعويض عن الاهداف المثالية التي يتنازل عنها. ومن هنا نستطيع ان نحدد اربعة قوانين للمفاوضات المهمة وهي: ـ تدوين الاهداف كتابة. ـ ترتيبها بحسب الاهمية. ـ ضرورة ان تكون الاهداف مرنة. ـ عدم اتخاذ مواقف متصلبة. الآن ماذا تعني الخيارات والبدائل وكيف يمكن وضعها؟ ان البدائل او الخيارات ما هو في جوهرها الا تلك الوسائل المختلفة التي يمكن من خلالها تحقيق الاهداف والاساليب التي يمكن اتباعها لتلك الغاية. كما ان ميزة الاحتفاظ دائماً بمجموعة من البدائل والخيارات تتمثل في توفر فرصة افضل لتقويم المبادرات والرجوع مرة اخرى إلى طاولة المفاوضات. ومن المهم للغاية اجراء عملية تقويم لكل خيار من الخيارات التي نرغب في اضافتها إلى مجموعة البدائل وذلك لتحديد قيمته وفائدته وجدواه ولمعرفة القيمة الحقيقية للخيارات التي قد يطرحها الطرف الآخر. فعلى سبيل المثال قد يعرض احد وكلاء السيارات تركيب اكسسوارات اضافية على السيارات الجديدة تشجيعاً واستقطاباً للعملاء وسوف يشتري هذا الوكيل الاكسسوارات الاضافية بسعر التكلفة فقط ويقوم بدفع مبلغ ضئيل لاحد الفنيين نظير تركيب الاكسسوارات. وعلى الرغم من هذه التكلفة الاضافية الا ان الوكيل يدرك جيداً ان هذه العملية سترجح الكفة لصالحه الامر الذي يحول دون شراء السيارات من وكيل آخر. ان العبارة التي يجب ان نتذكرها دائماً ونحن نضع الخيارات والبدائل هي (ماذا سأقول اذا...؟) . ان السر العظيم الذي يكمن وراء نجاح العديد من المفاوضات يكمن في عبارة بسيطة واحدة وهي (اعادة تحديد وترتيب مصالحنا الشخصية ومصالح الطرف الآخر) . ولكي يتم هذا يجب التفكير في اقتراح او عدة اقتراحات تأخذ في الحسبان المصالح الشخصية ومصالح الطرف الآخر. فقد اوضحت التجارب ان مثل هذه المقترحات او ما يمكن ان نطلق عليه (مقترحات المنفعة المتبادلة) والتي تضمن مصلحة الطرفين تلقي القبول دائماً وتتم اجازتها والموافقة عليها بسهولة ويسر. ومن الافضل دائماً وضع عدة بدائل وخيارات خلال مرحلة الاعداد للمفاوضات. ويمكن بعدها وعند الجلوس وجهاً لوجه امام الطرف الآخر داخل قاعة المفاوض يمكن القيام بالتالي: ـ عرض مجموعة من الخيارات التي يمكن ان تكون مقبولة لدى الطرف الآخر. ـ تحديد الخيارات التي نرغب في الحصول عليها مقابل كل خيار من الخيارات الخاصة بنا وتعني هذه العملية ما يلي: ـ تحديد مصالح الطرف الآخر. ـ انجاز عملية تقويم مختلف الخيارات الممكنة. ـ الاستعداد الجديد لعملية التفاوض. الآن كيف يمكن تقويم البدائل والخيارات؟ ان افضل اسلوب لتقويم الخيارات الجاهزة )وضع الخيارات مسبقاً( وذلك لمعرفة وتحديد البدائل التي يمكن طلبها بالمقابل. ويكون هذا سهلاً عادة عند التفاوض حول عمليات البيع او الشراء حيث يسعى كل طرف من الاطراف للحصول على اكبر مبلغ مالي. الا ان العملية تصبح متشعبة ومعقدة عند التفاوض حول العلاقات التجارية والصناعية وعلاقات العمل. فعلى سبيل المثال ماذا تعني امور مثل: ـ اضافة اسبوع للاجازة السنوية؟ ـ تعيين سكرتيرة؟ ـ فرصة التفاوض مع خبراء متمرسين؟ ـ راحة البال والاحساس بانجاز الواجبات؟ وبطبيعة الحال فإن تقويم هذه الامور ما هو الا عملية ذاتية تتفاوت من شخص لآخر استناداً إلى الموقف الذي يتصل به. ان احد الاساليب الناجحة لتقويم البدائل والخيارات يمكن ان يكون هكذا: ـ كتابة الخيارات المتاحة لنا مع ايجابياتها وسلبياتها. ـ مقارنة الصالح بالطالح او بعبارة اخرى تحديد درجات للايجابيات والسلبيات تعتمد على معيار يبدأ من ناقص خمسة )-5( إلى زائد خمسة )+5( وكالتالي: ـ 5 = سيء للغاية ويجب تفاديه بأية طريقة. ـ 4 = غير مقنع للغاية. ـ 3= غير مقنع. ـ 2= مقنع قليلاً. ـ 1= مناسب قليلاً. صفر= محايد غير ايجابي وغير سلبي. + 1= ايجابي بدرجة غير كافية للغاية. + 2= ايجابي بدرجة غير كافية. + 3= ايجابي. +4= ايجابي جداً. + 5= ايجابي للغاية. ان عملية فرز مختلف العناصر ومنحها درجات محددة لتقويم كل منها تسمح لتحديد ما اذا كانت ايجابية ام سلبية ويمكن اتباع القانونين التاليين لانجاح هذا الاسلوب:ـ ـ التحديد السليم للايجابيات والسلبيات. ـ ضرورة ان تستند الدرجات الممنوحة إلى الاحاسيس الحقيقية. ويجب قبل اعداد النتائج النهائية التوقف قليلاً واستثمار عدة دقائق في التمعن في شيء مهم وهو:' هل تنسجم هذه الخيارات والبدائل مع احاسيس الحقيقة؟ بالطبع يجب ان تنسجم لأن هذا الاسلوب قد تم تصميمه ليوفر لنا طريقة منهجية لاتخاذ قرار الا انه قد تم تصميمه ليوفر لنا طريقة منهجية لاتخاذ قرار الا انه يجب ان ندرك تماماً بانه لا يوجد مطلقاً اسلوب علمي او رياضي مؤكد ومعصوم من الخطأ ليضمن صحة وفعالية الخيارات التي قد تتخذها وان الامر برمته يستند على مواقف واختيارات شخصية. وهناك اسلوب مبسط آخر لتقويم مزايا خيار ما من الخيارات مقارنة بخيار آخر. ويعتمد هذا الاسلوب على رسم عمودين متقابلين لكل خيار من الخيارات عمود للايجابيات وآخر للسلبيات. فمثلاً يكون العمود الخاص بالايجابيات على يمين الصفحة التي يكتب في اعلى وسطها نوعية الخيار وماهيته ويمكن الرمز اليه (الخيار أ) وينقسم عمود الايجابيات إلى خمسة اسطر تبدأ جميعها بعلامة الموجب )+( بحيث يتم منح الدرجات المناسبة بحسب النموذج الذي اوردناه سابقاً أي )+,1 +,2 +,3 +,4 +5(. كما يقع العمود الخاص بالسلبيات على يسار الصفحة. ويتوزع الى خمسة اسطر ايضاً تبدأ جميعها بعلامة السالب )ـ( بحيث يتم منح الدرجات بالطريقة السابقة )ـ ,5 ـ,4 ـ,3 ـ,2 ـ1(. ويتيح استخدام هذا الاسلوب التعرف على ايجابيات وسلبيات كل بديل من البدائل الامر الذي يساعد ليس في التركيز على الاهداف سهلة التحقيق فحسب بل على المصالح ايضاً وذلك عبر الدراسة المتأنية والتحليل الدقيق لكافة الجوانب المتعلقة بأي موضوع من الموضوعات وبشكل مستقل. الا ان هذه ليست نهاية المطاف ومن المهم للغاية ان نأخذ الطرف الآخر في الحسبان خلال مرحلة الاعداد وان ننظر إلى كل خيار من الخيارات من وجهة نظره ووجهة نظرنا على سواء. ان الانسان عندما يتفاوض لا ينظر إلى وجهه في المرآة انه يجلس امام طرف آخر قد يكون قوياً ويمتلك كل الاسلحة وقد يكون فقيراً في ادواته وخياراته وسهل الاقتناص.