تطلعت مليا الى الكهل المنتظر, ثم سألت بلغة لم استطع تحديدها بدقة: الى أين؟ قال: الى مدينة يسمونها ملبورن. تنتظرك هناك بعض الاقنعة, وأرواح كثيرة ضلت الطريق.. هل نذهب؟ تبعته صامتا. وبعد خطى قلائل أمسك بيدي, وسلمنا أنفسنا معا لخيوط القوس الملون. في الطريق سألته هامسا: ولكن ما اسمك؟.. سمعني رغم هزيز الريح, فقال وهو يتطلع الى الافق: وهل يهم اسمي في شيء؟ قلت: متى أعرف كيف اناديك؟ قال: يسمونني واحدا من السكان الاصليين الابورجيناليين. قلت: أصليون؟.. وماذا عن الآخرين اذن؟ بدا لي انني لمحت جنين ابتسامة لم يسمح لها ان تولد على شفتيه الغليظتين. حين رست سفنهم هنا.. هبطوا ومعهم هبط الموت. كانت طلائع المستكشفين البريطانيين الاوائل مسلحة بعتاد لا توقفه الرماح والأسهم ولا تصده تروس بدائية من سعف النخيل.. وصلى (الاصليون) للتماسيح والثعابين وطيور الليل. ولكن آلهة البيض كانت تهوي بالقذائف والبارود وعلى الجميع. وبسط المزيفون حكم البندقية على الاصليين. ترى أي عذاب يتخفى في ثنايا الامكنة المجهولة.. نرى مدينة تبتسم, ولا نبصر ما تخفيه تحت شوارعها الحجرية من صراخ ودموع. انه بلد جميل, حياة مسترخية, بنايات وشوارع وأضواء وعلب ليل تتناثر هنا وهناك, وبشر يمشون بسرعة وهم يضحكون.. هذا ما نراه هنا, ولكن ماذا لو أمعنّا النظر؟ ماذا لو تطلعنا عبر نسيج العناكب الذي بات على وشك ان يسد كهوف الذاكرة كلها؟ سألته: أنت منهم اذن؟.. أنت من أبناء الصراخ الذي تراكم فوق الزمن والاسمنت والبنايات والشوارع وآلاف الاقدام التي تمشي في جزل؟.. هز رأسه, وأخرج أوراقا ملفوفة بعناية.. أخذت أقرأ ما خطه فيها, دم مأساة منسية.. وهي كلمات كتبها بروس آدلر أحد أهم مؤرخي مأساة الابورجينيين: (على ضفاف خليج بوتاني كان هناك نحو 7 آلاف منهم. وذات صباح صحو من يناير 1787 استيقظوا على مشهد سفن كبيرة تحمل كائنات غريبة, يبدون كالبشر, ولكنهم مختلفون في اشياء كثيرة. ظنوا في البداية انهم أرواح تجسدت فجأة, أو انهم شياطين.. كانت تلك المنطقة رائعة الجمال, أشجار وورود وجداول ماء رقراق. طيور من ألوان فريدة وشعب بدا جزءا من ذلك المشهد الخلاب. وبعد سنوات كان من بقوا من سكان خليج بوتاني لا يتجاوز أربعة أشخاص. كان لدى سكان الخليج الاصليين كل ما نتمناه الآن. ولكننا نحن ـ الاوروبيين ـ أخذنا منهم كل شيء. أخذنا الأرض وكأنها لنا, انتزعنا أشجار الفواكه وحولنا بساتينهم الى مراع لإطعام أبقارنا, بنينا طرق الاسفلت فوق مقابر أجدادهم, نحرنا الاطفال والنساء, وقلتنا الرجال الكهول, ثم سقنا من بقوا الى معسكرات كبيرة وسممناهم بالخمور والمخدرات, ووقفنا نتفرج فيما يلقي العشرات منهم بأنفسهم من فوق الصخور المرتفعة لتبتلعهم أمواج المحيط. إن دماء مئات الآلاف من السكان الاصليين ممن قتلناهم منذ 1788 تقع على كاهلنا جميعا, إن نمط حياتنا الحالي مسروق منهم, وعلينا جميعا الآن ان نحني رؤوسنا عارا وخزيا مما فعلنا. تتسرب هذه الورقة من بين أصابعي وأنا راحل, فيمنحني صديقي ورقة صفراء أخرى, ثم يعود الى التطلع نحو الافق.. وأقرأ الكلمات للمبشر الأب ويليام بيت, والتاريخ مايو 1835: لم يكونوا أفضل من الكلاب, ولم يكن ليؤذي أحدا ان نطلق النار على كلاب تنبح.. ولذا فقد أطلقنا عليهم النار.. لقد كانوا يعوقون انتشار الحضارة في عالمنا هذا. لم يبق من السكان الاصليين الا بضعة آلاف.. ترى من هذا الذي قال ان الحق ينتصر في نهاية المطاف؟ فليذهب إذن ليعيد ذلك على أسماع العشرات من الابورجيناليين ممن خدرهم المستوطنون بالكحول والمخدرات ونبذوهم في الميادين العامة, يعيشون في العراء, تائهين بين ذكريات يوم كانوا فيه أصحاب هذه الأرض الخضراء. لقد انتصرت (الحضارة) في استراليا, ويقول بعض المتحضرين الآن: ولكن لماذا نسبغ هذه الصفات الرومانسية على السكان الاصليين؟ لقد كانوا همجا متوحشين؟.. ونقول: لماذا لم تتركوهم في حالهم اذن؟ شئتم ان تعالجوهم من همجيتهم وتوحشهم بجرعة مكثفة من حضارتكم.. ونعرف الآن ان علاجكم كان قتلهم كالكلاب التي تنبح. خلف ما نرى في استراليا مأساة حقيقية لا يتحدث عنها أحد.. يحاولون دفنها أعمق وأعمق.. فيقول والتر كيث: الصلة بين الانسان والأرض صلة مختلفة أصلا, انها صلة غير أصيلة. حتى السكان الاصليين في استراليا.. ألم يهاجروا اليها منذ آلاف السنين من جنوب الهند وسريلانكا؟ يمكن للانسان ان يعيش في أي مكان ولا أجد مبررا لكل هذه الهالة الرومانسية ذات الطابع النفسي التي تحيط بصلة الانسان بمكان واحد يسميه بلده أو أرضه.. انها بلاهة يبتدعها الناس ولا صلة لها بأساسيات ضمان البقاء أو حياة الانسان الضرورية. ولن نجادل أحدا في ذلك, لأن الجدال مع أمثال والتر كيث ـ أحد المدافعين عن التاريخ الأبيض في استراليا ـ أمر ثقيل على القلب.. سنقول له فقط: حسنا.. أترك استراليا اذن وتعالى الى افريقيا.. إ ذ يهم المكان. سنقول للبريطانيين: افتحوا باب الهجرة للجميع. وللامريكيين: غادروا الى آسيا. تطبع الارض بصمتها على الوجوه. ابناء الصين ينتمون الى.. الصين. نعرفهم من وجوههم. وابناء العرب ينتمون الى ارضنا الطيبة. والافريقيون يحملون افريقيا على وجوههم. عاش الانسان في الارض, كما عاشت الارض في الانسان. امتدت العروق من الايدي والاقدام الى تراب الارض واشجارها.. حتى جاء ذلك اليوم البعيد, قبل 2000 عام أو يزيد, حين حطت حضارة والترسميث لتهبط ببلطة بيضاء فتفصل هذه العروق.. ليغمر الارض نهر من الدم, دمها, ودم ابنائها. .. ومن خلف السحب تبدو ملبورن.. بقعة يمتزج فيها اللونان الابيض والاخضر تسترخي في تثاؤب دائم. التفت الى رفيق الرحلة الذي ينظر الي بعينين سوداوين كبيرتين.. ثم يقول: سأتركك الان.. اسأل: الى اين؟ يشير الى الغابات التي تحيط بملبورن قائلا: الى قومي.. قل لقومك اننا هنا. لاتنسى ذلك. واجد نفسي وحيداً في شارع فيكتوريا بمدينة ملبورن. تاريخ استراليا.. وملبورن على الرغم من ان الغموض يكتنف تاريخ استراليا, فمن المؤكد ان أول من استوطنوها جاءوا من جنوب شرق آسيا عبر المحيط من نحو 50 ألف عام. كان هناك نحو 38 قبيلة يعيشون حول فيكتوريا عندما وصل السكان البيض الى القارة الاسترالية. وكان السكان الأصليون عبارة عن قبائل يعيشون في جماعات كبيرة ويستغلون الموارد البيئية المتاحة. ويعتقد الباحثون ان السكان الأصليين هم الذين صنعوا أول أدوات حجرية وحرقوا جثث الموتى كطقوس جنائزية وصنعوا مجسمات حجرية بشرية وحيوانية. ورغم ان التكنولوجيا في حياتهم كانت بسيطة للغاية, فقد كانت متقدمة حيث مارسوا طقوساً معقدة لتكون في نسيج من الدين والتاريخ والقانون والفنون والأعراف. قاوم السكان الأصليون حول فيكتوريا استيطان السكان البيض الذي بدأ منذ 1803 وكان على هؤلاء السكان ألا يتركوا موطنهم إلا ان هذا تأجل بفعل هذه المقاومة. وعقب استيطان البيض في استراليا, حرموا السكان الأصليين من ملكية الأرض وقتلوا منهم الالاف. وانخفض السكان الاصليون حول فيكتوريا من 15 ألف الى الفين في الفترة من 1834 حتى 1860. انشاء مدينة ملبورن وأسس رجال أعمال من تسمانيا مدينة ملبورن وهي أحدث مدينة بهذا الحجم في العالم, ورغم انها لم تحصل على هذا الاسم إلا عام 1837 إلا ان تصميمها كان على يد روبرت هودل خبير المساحة العسكرية. وبحلول عام 1840 جاء اليها نحو عشرة آلاف شخص ليعيشوا فيها. تأسست مستعمرة فيكتوريا عام 1851 وكانت ملبورن عاصمة لها, في نفس العام الذي اكتشف فيه الذهب تقريباً, حيث حول هذا الاكتشاف مصير المستعمرة والعاصمة. جذب اكتشاف الذهب أعداداً كبيرة من المهاجرين من انحاء العالم وساهمت الثروات التي تم العثور عليها في ان تكون المدينة ثرية, وادت تصميمات المهندسين ومهارات التجار الأوروبيين ومناطق انتظار السيارات الواسعة الى انشاء ما كان يعرف بمدينة ملبورن الرائعة, أو باريس المحيط الهادى, وكل ذلك في خلال الثلاثين عاماً التالية. وقد توقفت هذه التطورات لفترة مؤقتة في عام 1890 بسبب الانهيارات المالية التي اثرت على المدينة ذات الاقتصاد الهش. وكان لتنوع أعراق مدينة ملبورن أثر هام على شخصية المدينة. وساهم الصينيون والايرلنديون الذين جاءوا لاستخراج الذهب في القرن التاسع عشر والمهاجرون من أوروبا عقب الحرب (خاصة من اليونان وايطاليا ويوغسلافيا وتركيا وبولندا) ثم بعد ذلك القادمون من فيتنام وكمبوديا بثقافتهم فيما شكل المجتمع الانجليزي المحافظ الذي يخلو من أي عاطفة. ساهم هؤلاء في ان يصل سكان المدينة الى 3.3 ملايين نسمة ويتضح اثرهم في المعمار والمطاعم والمهرجانات ووسائل الترفيه في ملبورن. ثم تأسست في ملبورن حكومة مستقرة حتى الثمانينات من القرن التاسع عشر عندما تولى حزب العمال الحكم ثم شهدت المدينة عصور ازدهار. استمرت أسعار الارض في الارتفاع وكذلك المباني حتى عام ,1990 ثم تراجع كل شيء. في عام 1992 تولى جيف كينث المحافظ الاتوقراطي الحكم الذي تمتع بإعجاب كبير. لكن تحت حكم كينث ودعت ملبورن الخدمات الاجتماعية والرعاية الصحية. تتقاطع في مدينة ملبورن شوارع على شكل مستطيلات.. يحدها نهر يارا في الجنوب ومحطة سكة حديد سبنسر سانت إلى الغرب وحدائق فيتزوري من الشرق. واهم المعالم في وسط المدينة هي محطة فلندرز التي تم تجديدها مؤخراً وكنيسة سانت بول على الطراز الغوطي. والى الشمال من ذلك توجد منطقة سيئة التخطيط هي ميدان بدأ فيه انشاء مجمع للفنادق والسكن والتسوق, وقاعة المدينة التي تعبر عن عصر الازدهار ومكتبة المدينة وحمامات المدينة. ومن المعالم التي تلفت الانتباه في المدينة اسواق الملكة فيكتوريا في الشمال والمشهد الذي يمكن ان تراه من الطابق الخامس والثلاثين لفندق ريجنت في الطرف الشرقي من شارع كولينز. ومبنى الخزانة ومبنى برلمان الولاية هائل الحجم وكنيستي سكوتسي وسانت مايكل, ومبنى الاقواس الذي بنى في القرن التاسع عشر. الضفة الجنوبية لنهر يارا تجتذب الضفة الجنوبية للنهر جنوبي المدينة الانظار في مدينة ملبورن, وقد شهدت المنطقة تدفقات نقدية هائلة وطفرة عمرانية كبيرة وتطورات سياسية مهمة. وهناك مبنى مركز فيكتوريا للفنون ومتحف فيكتوريا الوطني وهما على الضفة الجنوبية للنهر. وأهم ملامح ملبورن مبنى مسرح مركز الفنون, وتقع امامه حدائق رويال للنباتات التي تعد من افضل حدائق النباتات في العالم. كتب عصام الدين عبد العزيز