منذ حوالي 30 سنة أكد تقرير لجنة بيرسون على خطورة الفجوة الاقتصادية الآخذة بالاتساع بين البلدان المتقدمة صناعيا والبلدان النامية, حيث ان هذه الفجوة أصبحت بالفعل المشكلة الاقتصادية الرئيسية التي تشغل بال العالم وذلك لأنها تتفاقم وتتسع بشكل مستمر. فالفجوة في نصيب الفرد من الدخل القومي ـ وهو المقياس الرئيسي ـ بين كل من البلدان التي تعيش فيها أغنى 20% من سكان العالم من ناحية والبلدان التي يعيش فيها أفقر 20% من سكان العالم من ناحية اخرى كانت تقدر عام 1960 بنسبة 30 الى ,1 ثم ازدادت عام 1990 لتصل الى نسبة 60 الى ,1 ثم ازدادت عام 1995 لتصل الى نسبة 74 الى 1. وهذا يعني بلغة الاقتصاد ان هناك دولا غنية تزداد غنى وأخرى فقيرة تزداد فقرا. وعلى الرغم من ايماننا بأن هناك عوامل داخلية عديدة تلعب دورا أساسيا في بناء الدول وانتشالها مما هي فيه من حالة الفقر والعوز, الا ان النظام الاقتصادي الدولي مسئول هو الآخر مسئولية كبيرة عمّا تعانيه تلك الدول الفقيرة, وذلك نظرا لتشابك المصالح الاقتصادية للدول وترابطها بحيث يصعب فصل المؤثرات الداخلية عن المؤثرات الخارجية بشكل دقيق وخصوصا في مجالي التجارة الخارجية وأسواق المال. فلو نظرنا على سبيل المثال الى اتفاقية لومي والتي وقعت عام 1975 في مدينة لومي عاصمة توجو, واستمرت الاتفاقية طوال هذه المدة رائدة للتعاون بين كل من 71 دولة من دول افريقيا والكاريبي والمحيط الهادي من ناحية ودول الاتحاد الاوروبي من ناحية اخرى, حيث تغطي الاتفاقية اعانات مالية من الدول الغنية الى الفقيرة وتعطي أولوية أو امكانية وصول تفضيلية الى الأسواق الاوروبية وذلك بهدف اعطاء الدول الفقيرة فرصة أفضل للنمو والترقي. أما اليوم ومع ظهور عصر العولمة ومنظمة التجارة العالمية فلا أعتقد ان اتفاقيات كهذه سوف يكون لها مكان يذكر الا في اطار الاستثناءات المؤقتة التي تمنح لبعض الدول الفقيرة أو بعض القطاعات التي من الممكن ان تتضرر بشكل مباشر من تطبيق مبادىء منظمة التجارة العالمية. إن اتفاقية لومي مجرد مثال لاتفاقيات تربط الدول الفقيرة بالدول الغنية, بيد ان الامثلة على ذلك عديدة, والسؤال الذي يطرح ذاته الى أي مدى سوف تراعي الدول الغنية الدول الفقيرة؟ ولماذا تراعيها؟ وما هي الحدود والأحكام والمعايير الدولية التي تحمي تلك المراعاة؟.. ان الدول الفقيرة بحاجة الى الوصفات الطبية الاقتصادية التي تجعلها قادرة على النمو الذاتي ولو ببطء, فالمعونات اذا لم تسخر لبناء البنى الأساسية والتكوين الرأسمالي فلا فائدة منها وذلك لأنها سوف تذهب لأغراض استهلاكية سريعة الفناء. وإن هذه في الحقيقة فرصة خصبة وأكيدة لنمو المنهج الاقتصادي الاسلامي وتطوره نظريا وعمليا وذلك نظرا لعجز المنهج الاقتصادي الغربي عن القضاء على تلك الفجوة الاقتصادية المتفاقمة بين كل من الاغنياء والفقراء. د. محمد ابراهيم الرميثي