ان احدى النتائج الرئيسية التي سوف تنجم عن التطبيق الكامل لاتفاقيات منظمة التجارة الدولية (الجات) هو التقلص التدريجي لاهمية المزايا النسبية التي تتمتع بها الكثير من الدول في مجال انخفاض تكلفة الخامات او العمل, وبالتالي تقلص مقدرة صادرات هذه الدول، على المنافسة في الاسواق العالمية. في المقابل ان القدرات التقنية والتكنولوجية سوف تزداد اهميتها في تقرير حجم المقدرة التنافسية لهذه الصادرات سواء السلع او الخدمات. ان هذا يجرنا بدوره للحديث عن اهمية امتلاك القدرات التقنيه والتكنولوجية والاسلوب الذي يتم التعامل به مع موضوع نقل التكنولوجيا. وبالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي, فان موضوع نقل التكنولوجيا يجب ان يحظى بإهتمام متزايد وجدي. ان تنمية المجتمع وتحقيق استقلاله يتطلبان من هذه الدول الا تعمل فقط على نقل واستخدام المنتجات التكنولوجية, بل ينبغي توفير الاجواء المناسبة لتجذير التكنولوجيا وابتكارها محليا, مع استثمار الموارد والامكانات المحلية لتحقيق ذلك, وحتى يمكن لهذه الدول الاضطلاع بذلك ينبغي عليها ان تعمل جاهدة للحصول على التكنولوجيا والمهارات الفنية والادارية المناسبة التي تسهم مساهمة فعالة في بناء وتنمية قدرات تكنولوجية وطنية. اضافة الى ايجاده هيكلية مؤسسية متسقة تمكن القدرات التكنولوجية الوطنية العمل من خلالها على تطويع واقلمة التكنولوجيا المستوردة لتحقيق التنمية المنشودة. لقد ادرك العديد من الدول الخليجية ـ شأنها في ذلك شأن الدول النامية ـ الاخرى اهمية عقود التكنولوجيا والشروط والاحكام التي ترد فيها, ودور هذه العقود في نقل وحيازة التكنولوجيا الاجنبية. وغدا الامر يقينا عندها بأن هذه العقود هي البوابة التي تمر عبرها التكنولوجيا الى الاطراف المحلية. فمن هذا المنطلق بدأت تلك الدول بتقنين عملية حيازة التكنولوجيا الاجنبية, وتركزت الجهود على موضوع اختيار التكنولوجيا والشروط والاحكام التي من خلالها يتم الحصول على التكنولوجيا, ولذلك تم تأسيس العديد من المؤسسات الوطنية الخاصة بمراقبة ممارسات نقل التكنولوجيا, واصدرت تباعا لذلك التشريعات الوطنية التي تنظم النقل التجاري للتكنولوجيا. ويمكن الحكم على دور و فعالية عقود التكنولوجيا المبرمة من قبل دول المجلس فى مجال تجذير وتوطين التكنولوجيا محليا من خلال استقراء بنود واحكام هذه العقود نفسها. وفى دراسة للدكتور فؤاد الرميحي حول (عقود التكنولوجيا بدولة البحرين) يلاحظ ان غالبية العقود المبرمه فى قطاع النفط ـ وهي الصناعة الرئيسية بدول المجلس والتى من خلالها يمكن تعظيم الفوائد التى تجنى من نقل التكنولوجيا ـ وهي عقود تراخيص (براءات اختراع) نظرا لما يتميز به هذا القطاع من اهتمام بعمليات تكرير النفط. ان الممارسات في هذا القطاع من خلال تراخيص الملكية الصناعية اهملت ـ وفي كثير من الاحيان ـ التركيز على بناء القدرة التكنولوجية والهندسية الذاتية. كما تلاحظ هذه الدراسة غياب نص في التراخيص يقضي بوجوب توفير تدريب ملائم للموظفين المحليين لكي يتمكنوا من استيعاب التكنولوجيا محل العقد, والتحكم فيها, وتوطينها. وهذا يقودنا الى القول بأن ابتياع التجهيزات الانتاجية والحصول على براءات الاختراع عمل منطقي فقط عندما يطور المجتمع حدا ادنى من الكفاءة التكنولوجية والهندسية للسيطرة على النواحي التكنولوجية في الانتاج, وللقيام بتطوير ذاتي للأساليب التكنولوجية المستوردة من الخارج . وانطلاقا من قراءة لهذه العقود تخلص الدراسة الى حقيقة مؤلمة وهي ان ادعاء الدول المتقدمة بأنها تبذل الجهود لتسهيل تلك العملية, وانها تسعى الى تذليل العقبات والصعاب التي تواجه تدفق التكنولوجيا الى الدول النامية, قول ليس فيه صدق في النوايا والتوجهات. وانطلاقا من هذه الملاحظات تبرز هناك حاجة فعلية لايجاد وتطور دور وحدات البحث والتطوير سواء على مستوى المصانع نفسها او على المستوى الوطنى ومن شأن هذه الوحدات ان تضطلع بدور رئيسي في نقل واكتساب وتطويع وتطوير التكنولوجيا المستوردة لمواءمة المدخلات والعمليات المحلية واشباع الحاجات الاساسية للمجتمع. ان هذه المؤسسات بغض النظر عن حجم هيكلها التنظيمي, توفر الاطر المؤسسية, لدراسة المشاكل التي تعترض سبيل نمو وتطور الصناعة الوطنية وايجاد الحلول المناسبة لها. وهذا يمثل بداية الانطلاق نحو توطين المهارات والقدرات التكنولوجية وطنيا في المرحلة الاولى ومن ثم العمل باتجاه تصدير الممارسات والخبرات التكنولوجية المولدة محليا, والاتجار على نطاق واسع في سوق التكنولوجيا في المرحلة اللاحقة. حسين محمد