لم يعد بمقدور أية دولة النهضة الشاملة دون تأمين مصادر دائمة ومستقرة للمياه, فالمياه ليست فقط مصدر حياة البشر وإنما ايضا دعامة أساسية من دعائم النهضة في كافة المجالات الصناعية والسياحية والزراعية والعمرانية, بل والتكنولوجية ايضا. وقد زادت الأهمية الاستراتيجية للمياه بعد ان بدأت التقارير تتردد عن أزمة مياه ستواجه العالم كله في المستقبل القريب نتيجة لعوامل متعددة أبرزها شح الامطار في مناطق عديدة بالعالم وزيادة رقعة التصحر على ظهر الكرة الارضية الأمر الذي يعني نضوب خزانات المياه الجوفية من جهة الى جانب قلة مياه الأنهار من جهة اخرى, حتى مصادر المياه المتاحة تتعرض للتلوث, الأمر الذي يعني مزيدا من الاستثمارات لتنقية ومعالجة المياه لتكون صالحة للاستخدام في كافة الأغراض. فماذا عن احتياجات منطقة الخليج بشكل عام والامارات خاصة من المياه حاليا ومستقبلا؟ وما هو حجم الاستثمارات في هذا القطاع بالدولة؟ وما هي توقعات الخبراء حول هذه الاستثمارات في ظل النهضة الشاملة التي تشهدها الدولة في كافة المجالات؟ وأيهما أفضل بالنسبة للمناطق التي تعاني من عدم وجود مصادر للمياه العذبة كالأنهار هل هو تنقية وتحلية مياه البحر أم شراء المياه العذبة بعد ان بدأت بعض الدول مثل تركيا تعلن عن استعدادها لبيع مياه الانهار بها؟ هذا التحقيق يتناول الاستثمارات في قطاع المياه ويتعرض لحجم هذا القطاع بالدولة والتوقعات المستقبلية بهذا الصدد. 60% وتشير الاحصائيات العالمية الى ان منطقة الخليج وحدها تستحوذ على نحو 60% من حجم أعمال تحلية مياه البحر بالعالم كله نظرا لعدم وجود مصادر كافية للمياه العذبة بهذه المنطقة, وبالتالي اعتمادها على مياه البحر في الحصول على احتياجاتها, فضلا عن النمو الهائل الذي شهدته هذه المنطقة في السنوات الأخيرة, الأمر الذي زاد احتياجاتها من المياه بشكل كبير مقارنة بفترات سابقة ومقارنة بمناطق أخرى من العالم لها نفس الظروف ولكنها لا تنمو أبدا بهذا الحجم, فضلا عن ان مستويات المعيشة الجيدة تؤدي الى زيادة سنوية كبيرة في عدد السكان, الأمر الذي يؤدي ايضا الى مزيد من الاحتياجات. 16 مليار دولار أمريكي ويقدر الخبراء حجم الاستثمارات بمنطقة الخليج في قطاع تحلية مياه البحر ومعالجة المياه بشكل عام بنحو 16 مليار دولار أمريكي منها 8 مليارات استثمارات حالية و8 مليارات أخرى استثمارات متوقعة لتلبية خطط التنمية. ويقول فادي جويز عضو مجلس الادارة المنتدب بشركة ماتيتو أوفرسيز العالمية التي تتخذ من الامارات مقرا لها بالشرق الأوسط ان هذا السوق بالامارات ضخم جدا لعدم وجود مصادر مياه عذبة. كما ان معدل النمو بالامارات كبير جدا وهو ما يستلزم مزيدا من الاستثمارات, وتقدر الاستثمارات الحالية بالمنطقة بنحو 8 مليارات دولار أمريكي فقط في مجال المشروعات الخاصة بالبلديات, فهذا الرقم لا يشمل محطات التحلية في قطاعات الصناعة والزراعة والسياحة مثل الفنادق والمنتجعات السياحية والمدن الترفيهية التي تستخدم كميات هائلة من المياه. السياحة وأشار فادي جويز الى ان تزايد النشاط بالامارات يعد أحد الأسباب الرئيسية لزيادة حجم الاستثمارات في قطاع تحلية ومعالجة المياه, فكلما زاد عدد الفنادق والمنتجعات السياحية والمدن الترفيهية فهذا معناه الحاجة الى مزيد من محطات تحلية مياه البحر وتوفيرها للاستخدام الآدمي فضلا عن معالجة مياه الصرف الصحي لاستخدامها في ري المساحات الخضراء. ويقدر حجم ما يستخدمه الفرد يوميا من المياه بحوالي 100 جالون, بينما يحتاج نصيب الفرد من الزراعة الى حوالي 400 جالون يوميا, ولا شك ان هناك عوامل أخرى عديدة ترفع من حجم الاستثمارات بقطاع المياه مثل درجات الحرارة العالية التي تؤدي الى تبخر الكثير من المياه بعد تحليتها وبالتالي الحاجة المستمرة الى المزيد. فمن المعروف انه كلما زادت درجات الحرارة زادت احتياجات الانسان من المياه بشكل عام في كافة الأغراض. الصناعة واشار فادي جويز إلى ان قطاع الصناعة من اكثر القطاعات استخداماً للمياه بشكل عام فضلاً عن ان بعض الصناعات تحتاج إلى مياه اكثر نقاوة من مياه الشرب لا توجد بها اية ايونات مثل صناعة الرقائق الالكترونية المستخدمة في الاجهزة الالكترونية الدقيقة. وهذا يعني استثمارات ضخمة جداً بتكاليف اعلى من تنقية المياه او تحلية مياه البحر للشرب. وتتزايد حاجة الامارات مستقبلاً لاستثمارات ضخمة في هذا المجال نظراً للتوسعات الكبيرة في قطاع الصناعة واعتماد الدولة سياسة تنويع مصادر الدخل وعدم الاعتماد على النفط كمصدر وحيد للدخل وهو الامر الذي يتجلي في عشرات المصانع في كافة المجالات تحتاج جميعها إلى محطات تحلية مياه بدرجات متفاوتة حسب كل نشاط. ويضاف إلى ذلك ان النمو بمعدلات كبيرة في قطاعات مختلفة يعني زيادة استخدام المياه. مثلاً التوسعات في مطار دبي الدولي التى تؤهله لاستقبال 20 مليون راكب بالسنة يعني زيادة استخدام المياه. وتشير التقديرات إلى نسبة نمو تقدر بين 10 ـ 11% سنوياً وهو ما يعني زيادة تقدر بنحو 60 مليون جالون يومياً في حجم المياه المطلوب ويتطلب زيادة الاستثمارات في قطاع المياه بنحو 10 ـ 11% سنوياً. 100 مليون دولار قاسم مظلوم أحد الخبراء العاملين بقطاع تحلية ومعالجة المياه يشير الى ان حجم الاستثمارات الحالية بالقطاع في الدولة يقدر بنحو 100 مليون دولار سنويا, وان هذا الرقم في تزايد مستمر نظرا للأسباب السابق ذكرها وحركة النمو والعمران الكبيرة. ويؤكد ان الاستثمارات في هذا القطاع تتزايد على مستوى العالم كله نظرا لتناقص الامطار في عدد كبير من مناطق العالم في السنوات الأخيرة, اضافة الى مصادر المياه العذبة ذاتها تتعرض للتلوث, الأمر الذي يعني الحاجة الى استثمارات للتحلية وحتى في الدول ذات المياه العذبة مثل الانهار, وبالتالي لا تكاد تكون هناك دولة بالعالم ليس بها مشروعات لتحلية المياه ومعالجة مياه الصرف الصحي. والى جانب هذا فإن تناقص موارد المياه العذبة بشكل عام ورغبة الدول في الاقتصاد في استخدام المياه يدفع الى الاستثمار في مجال التحلية والمعالجة وكثير من الدول الآن تستخدم المياه المعالجة في الري. حماية البيئة ويشير قاسم مظلوم الى ان معالجة المياه الى جانب انها ضرورة اقتصادية فهي ايضا ضرورة اجتماعية تتمثل في حماية البيئة من التلوث سواء بمياه الصرف الصحي أو بمخلفات المصانع التي يتم اعادة تدويرها ومعالجتها للاستخدام مرة اخرى. وحول أيهما أقل تكلفة استيراد المياه العذبة أم تحلية مياه البحر؟.. يقول قاسم مظلوم ان هذا الأمر لم يدخل حيز التنفيذ حتى الان ومازال مجرد أفكار, وما يقال حالياً ان الاستيراد أقل تكلفة. ولكن لاشك ان هناك الكثير من المشاكل ستظهر عند التطبيق ابرز هذه المشاكل ان المياه المنقولة في تنكات ستكون بحاجة الى تنقية في البلد المستورد وهذه تكلفة اضافية الى جانب ثمن شرائها. أما الجانب الهام فهو النواحي الامنية حيث ان المياه سلعة استراتيجيةوكثير من الدول تفضل ان تكون مصادر المياه تحت ايديها حتى لاتعرض مواطنيها ومشاريعها لأية مخاطر محتملة. من جانبه قال فادي جويز ان شركة ماتيتو اوفرسيز العالمية تعد احدى الشركات الرائدة على المستوى العالمي في هذا المجال وهي تنطلق من الامارات الى كل دول الشرق الأوسط وهذا مصدر فخر لنا لأن الامارات توفر كافة التسهيلات للقطاع الخاص وللمستثمرين. فهناك مشاريع للشركة في الشرق الاقصى وافريقيا يتم التخطيط لها من الامارات. ويقدر حجم استثمارات ماتيتو أوفرسيز بالامارات بنحو 50 مليون دولار سنوياً. والى جانب هذا فانها تعمل في العديد من الدول مثل مصر وتايلاند والصين وماليزيا وسنغافورة وغيرها. وتقوم حالياً بتنفيذ العشرات من المشاريع داخل الدول وخارجها للحكومات والقطاع الخاص. تحقيق: عبدالفتاح فايد