وهكذا نجد ان الاسواق تتكيف بحسب حاجة افراد المجتمع. فنجد احياناً ان بعض الباعة الجائلين ينشطون في بيع المرطبات والشطائر والمياه الصحية في الاماكن السياحية البعيدة عن الاسواق وفي الاماكن التي تكتظ بالناس بشكل مؤقت وطارىء نتيجة لحدث معين وذلك من اجل استغلال الموقف واشباع حاجة الناس ورغباتهم. وهناك مفهوم في الاقتصاد يقول بأن الاقتصاديات الرأسمالية يسود فيها مبدأ يسمى (مبدأ سيادة المستهلك). اي بمعنى آخر ان المستهلك هو سيد الموقف في السوق وان ارادته ونزعته الاستهلاكية هي التي توجه الاسعار بل وتوجه وتحدد نوعية الانتاج كذلك. وهذا القول كان صحيحاً تماماً في الماضي حيث كانت حاجات الناس تنحصر في السلع الضرورية (السلع الغذائية والملابس وسلع مواد البناء والطاقة وسلع المواصلات وبعض العطور الهامة ومواد تجميل المرأة كالحناء وما شابهها من سلع ضرورية). اما اليوم ومع تمدن المجتمعات اخذت الكثير من السلع تتطور من كمالية إلى ضرورية. بل احياناً نجد سلعاً كانت كمالية فاصبحت اساسية والامثلة على ذلك كثيرة جداً مثل الهواتف والانترنت والفاكس والسيارات والكهرباء والمياه والعطورات ومواد التجميل وغيرها الكثير. ففي الماضي كان المستهلك سيداً بالفعل حيث يكتشف حاجته ثم يبدأ المنتج لينتج له السلعة. فنجد مثلاً اوكسجين الغواصين وسيارات الدفع الرباعي ومكيفات الهواء في المنزل والسيادة ووسائل النقل عامة والادوية وغيرها كلها نشأت من حاجة المستهلك اليها ورغبته في استهلاكها. وفي المقابل نجد سلعاً اخرى جديدة او ربما تطوير لسلع قائمة لم تنشأ حاجة المستهلك اليها غير ان المنافسة الشديدة بين المنتجين وكثرة عدد المنتجين وازدياد الطاقة الانتاجية تدفع المنتجين إلى تطوير الانتاج وتحسين جودته وعمل الدعاية والترويج اللازمين له وذلك لجذب المستهلك إلى استهلاك تلك السلعة وتعويده عليها.وهنا فإن مبدأ سيادة المستهلك تنخفض اهميته ليأتي المنتج ويسيطر على الاسواق بابداعاته وقدراته. ومن الامثلة على تلك السلع المحسنة والتي تنشأ رغبة المستهلك اليها بعد انتاجها وليس قبل انتاجها الهاتف النقال وتطوراته الكمبيوتر المحمول تطوراته. الريموت كنترول. تطورات وسرعة السيارات ووسائل المواصلات الاخرى. مصابيح الانارة الملونة. الانواع العديدة من الاكسسوارات والعطورات ومواد التجميل. تسريحات الشعر المختلفة والعديد من السلع الكمالية التي لا تنشأ حاجة المستهلك اليها مقدماً وانما تنشأ حاجته اليها بعد انتاجها. ومن هذا المنطلق نستطيع القول ان هناك مبدأين يسودان الآن معاً في الاسواق الرأسمالية الحرة هما (مبدأ سيادة المستهلك في السلع الاساسية والضرورية) و(مبدأ سيادة المنتج في السلع الكمالية). ولقد كان الفرد ينتج الكثير من سلعه الاستهلاكية اليومية مثل الاسماك واللحوم والالبان ومشتقاتها والغذاء الزراعي والملابس وحتى بعض السلع الخاصة بالمنزل كالسجاد وغيره. اما اليوم ومع تمدن المجتمعات وانشغال الناس بالمدنية الحديثة وميل المجتمعات إلى تطبيق مبدأ التخصص وتقسيم العمل فإن اغلب افراد المجتمع قد هجرت الانتاج الذي ذكرناه وانخرطت في الوظائف المدنية واصبحت تشتري كل ما تحتاجه من الاسواق حيث نجده متوفراً وبكميات كبيرة ومتنوعة. من هذا المنطلق فإن طبيعة الاسواق قد تغيرت مع تمدن المجتمعات. فالاسواق قبل قرن من الزمان ليست كالاسواق اليوم. بل من الاولى القول ان الاسواق قبل عقدين من الزمان ليست كالاسواق اليوم. حيث ان مفاهيم الاسواق تتطور وتتغير باستمرار. بيد ان التصنيف السابق لانواع الاسواق يظل من الثوابت التي لا تتغير. وبناءً عليه فإنه بالنسبة للسلع الاساسية والضرورية والتي مازال المستهلك بها سيداً للموقف نستطيع القول بأنها قد اكتسبت بعض الاسس والثوابت التراثية النمطية وهي لا تتغير بسرعة ولكن لابد من الحفاظ عليها وتوعية افراد المجتمع باهميتها. اما السلع الكمالية فهي سلع يسيطر فيها المنتج وقدراته على الابداع والابتكار وبالتالي فهي سلع تشكل خطورة كبيرة على الاسس والثوابت فيما لو تركت فيها الحرية كاملة للمنتج وخصوصاً اذا طالت التراث والموروثات. من ذلك مثلاً اكسسوارات النساء وادوات الزينة ومواد الزينة وقص الشعر للنساء والرجال معاً. ولن نستبعد بعد فترة ان نجد ان صالونات النساء يعمل بها الرجال. او ان الرجال يعملون قصات للشعر كتلك التي تعملها النساء انه عالم متغير ويحتاج إلى رقابة تراثية باستمرار من اجل الحفاظ على قيم المجتمع التراثية والتاريخية وموروثاته. د. محمد ابراهيم الرميثي
