عند انطلاقه في ديسمبر العام 1996 حتى إبريل الماضي, سمح برنامج الأمم المتحدة الذي يطلق عليه (النفط مقابل الغذاء) للعراق بتصدير 5.699.1 مليون برميل نفط, وهو الأمر الذي حقق مكاسب مادية وصلت إلى 79.25 مليار دولار أمركي, أو ما يعادل 81.7 مليارات دولار سنويا في المتوسط. هذه الأرقام والإحصاءات التي أزيح عنها الستار مؤخرا من قبل مكتب الأمم المتحدة المختص بالملف العراقي تكشف النقاب عن حقائق تنم عن عدم تحقيق الأهداف المعلنة من وراء تنفيذ برنامج النفط مقابل الغذاء. فبينما كان إقرار هذا البرنامج يهدف إلى التخفيف من معاناة الشعب العراقي وتوفير المطالب الأساسية اللازمة لاستمرار معيشته نجد أن البرنامج في واقع الأمر لم يحقق سوى قدر بسيط للغاية من أهدافه الأساسية. فحسب الإحصاءات الواردة من الأمم المتحدة يتبين أن القيمة الكلية للعقود التي تمت الموافقة عليها بشأن استيراد العراق لمجموعة مختلفة من المنتجات والمعدات لم تتعد أكثر من 46.10 مليارات دولار حتى نهاية مارس من هذا العام, وهو ما يعادل 5.40% من القيمة الكلية لصادرات العراق من النفط تحت نطاق البرنامج حتى التاريخ نفسه. وفي ما يتعلق بالبضائع والسلع والمعدات التي تم توريدها بالفعل إلى العراق في نطاق البرنامج, بما في ذلك المعدات المتعلقة بصناعة النفط, فقد بلغت قيمتها الكلية خلال الفترة من ديسمبر 1996 إلى مارس هذا العام ما لايزيد على 95.6 مليارات دولار أميركي, الأمر الذي يعني أن كل فرد من الشعب العراقي الذي يبلغ تعداده نحو 7.22 مليون نسمة لم يتعد نصيبه الشهري من هذه القيمة 85.7 دولارات في المتوسط. وذكرت مقالة نشرتها الصحيفة الطبية البريطانية (ذا لانسيت) في نهاية مارس الماضي, أن طبيبين أمريكيين, وهما الدكتورة ليلى ريتشاردز وستيفان وال, زارا العراق وأدانا ما وصفاه بـ(التأثيرات المأساوية للحصار الفكري) الذي تعاني منه العراق منذ 10 أعوام تقريبا. ووفقا لما أشارت إليه الصحيفة فإن الحصار أسفر بجانب أشياء أخرى بالطبع عن كارثة تتمثل في أن الأطباء العراقيين قد حرموا من أية معلومات طبية وأية مستجدات تظهر على الساحة الطبية نتيجة حرمانهم من الاطلاع على الجديد في هذا الشأن, إضافة إلى عدم وجود أية إمكانية لهم في السفر للخارج للاطلاع والمشاركة في الندوات والاجتماعات العلمية الطبية مع نظرائهم من الدول الأخرى. وهذا ـ بلاشك ـ ليس سوى مثال واحد بين أمثلة عديدة أخرى. وفي ما يتعلق بالحق في الحصول على المعلومات والحق في التعليم, فقد حذرت تقارير جديدة من منظمات دولية من تدهور حالة المدارس العراقية والنقص الحاد في الكتب المدرسية والأدوات التعليمية, وقد كانت هناك عقود بشأن تصدير أقلام رصاص للعراق ولكنها توقفت بحجة أن مادة الجرافيت الموجودة في أقلام الرصاص يمكن استعمالها في تصنيع أسلحة ممنوعة. ووراء فشل هذا البرنامج في الإسهام بفعالية في تخفيف معاناة الشعب العراقي تكمن ثلاثة عوامل هي: العامل الأول هو أن نصف قيمة صادرات العراق من النفط تقريبا تم استعمالها لتمويل الإنفاق على أشياء أخرى ليست لها علاقة بالغذاء أو احتياجات العراق الأخرى, فهذه الأموال تم استقطاعها لتعويض ضحايا الغزو العراقي للكويت العام 1990 وتمويل برنامج نزع الأسلحة العراقية والأنشطة الأخرى لمختلف الوكالات التابعة للأمم المتحدة المسؤولة عن مراقبة صادرات العراق النفطية وتطبيق بنود برنامج النفط مقابل الغذاء. أما العامل الرئيس الثاني في هذا الشأن فهو أن العقوبات المفروضة على العراق تسببت في وجود قدر هائل من البيروقراطية يكلف العراق الكثير من الأموال المهدرة, فمجرد تنفيذ عقد خاص بتوريد السكر والأدوية للعراق تسبب في مشكلة كبيرة تعاني منها الشركات الأجنبية. أما بالنسبة لمرتبات ومصاريف موظفي الأمم المتحدة المسئولين عن المراقبة الشاملة لبرنامج نزع الأسلحة العراقية, فإنها تقدر حاليا بنحو 400 مليون دولار سنويا, وهو ما يعادل أكثر من ربع القيمة السنوية لواردات العراق من المواد الغذائية. العامل الثالث والأخير هو سبب سياسي, فطبقا لأحدث إحصاءات الأمم المتحدة في ما يتعلق بالملف العراقي تم تعليق ما لا يقل عن 1180 عقدا خاصا بمد العراق بمواد إنسانية, وذلك بحجج مختلفة, فكان كافيا أن يعرب عضو واحد فقط من اللجنة (661) عن تحفظاته بشأن عقد واحد كي يتم تعليق هذا العقد وإيقاف تنفيذه. وقد أشعل المدير التنفيذي للبرنامج العراقي في الأمم المتحدة بينون سيفن الموقف تجاه هذه العقود عندما أدان العدد الكبير والمتزايد من العقود التي يتم تعليق تنفيذها من قبل اللجنة المذكورة, ودعا أعضاءها ليتوقفوا عما أسماه بـ(اللغو السياسي) في تعاملهم مع المشكلات الإنسانية العراقية. ومن وجهة نظر هذا الدبلوماسي فإن تعبير (اللغو السياسي) أصبح هو اللفظ المهذب والملطف الذي يعكس عمق الخلافات والهوة السحيقة التي تفصل بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة, من جهة, وباقي أعضاء مجلس الأمن الدولي, من جهة أخرى, وتلك الخلافات تتعلق بالشروط التي يتم تنفيذ برنامج النفط مقابل الغذاء في نطاقها, وكذلك الشروط الخاصة برفع الحظر الدولي عن العراق. وفي الوقت نفسه فإن جو (اللغو السياسي) هذا, والذي في حقيقة الأمر يخفي اعتبارات معينة عادة ما لا تكون لها علاقة بأزمة الخليج )1990 ـ 1991(, يبدو وأنه سيستمر, وأن نهاية النفق لم تظهر بعد. وسواء شئنا أم أبينا فإن العقوبات الدولية, لاسيما تلك المفروضة على العراق, أصبحت بمثابة سجون تفرض من قبل الدول المستبدة, والدخول إليها أسهل كثيرا من الخروج منها. د. نقولا سركيس ـ رئيس المركز العربي للدراسات البترولية بباريس