تمثل الضغوط المتزايدة من أجل الاصلاح الصارم في قطاع البنوك الالماني (المكتظ بالبنوك) , أحد أعراض التغيير الذي يجتاح حاليا قطاع الاعمال في البلاد. فالدخول في التغيير المؤسسي في ألمانيا كان نتاج تحرك جديد للمديرين التنفيذيين في مجالس الادارة الذين قاموا, في مجال البنوك, بلعب دور رائد في التوجه الرامي إلى إعادة تشكيل وصياغة الصناعة. وخلافا لمدرسة البنوك الالمانية القديمة, فإن الجيل الجديد من رجال البنوك في ألمانيا لديه إحساس أقوى بالثقافة المؤسساتيه الانجلو ـ الامريكية, كما أنه أقل التزاما وتمسكا بأسلوب الادارة الذي يحركه الاتفاق الاجماعي, وهو الاسلوب الذي ظل يسيطر على صناعة البنوك الالمانية منذ الحرب العالمية الثانية. ويعكس ذلك أيضا التطلع البنكي الالماني الكبير إلى الدخول إلى منطقة الارباح العالمية للاستثمارات البنكية, حيث قال أكبر بنك ألماني وهو دويتشه بنك الشهر الماضي أن حوالي نسبة ستين بالمائة من رأس ماله مخصص للاستثمار البنكي. وفي إطار خططه للتغيير, قام دويتشه بنك مؤخرا بتعيين اثنين من خبراء الاستثمار البنكي ممن تدربوا في وول ستريت )البورصة الامريكية( كأعضاء في مجلس إدارته الرئيسي وهما ادسون ميتشل ومايكل فيليب. ويعتبر الرجلان أول أمريكيين ينضمان على الاطلاق إلى مجلس إدارة البنك. ونفس الوضع ينطبق أيضا على شركة التأمين الالمانية العملاقة أليانز التي ظلت على مدى طويل القوة التي تحرك الخيوط من خلف الكواليس في عالم المؤسسات الالمانية, حيث ظهر باول أتشلايتنر المدير المالي للمجموعة والمدير التنفيذي السابق لشركة جولدمان ساكس الامريكية كشخصية بارزة رئيسية لاليانز. والمعروف أن أليانز هي أيضا أكبر مالك لاسهم دريسدنر بنك, وهو ما حدا بالمحللين إلى الاعتقاد بأن أتشلايتنر يقوم بلعب دور هام ورئيسي في محادثات الاندماج الجارية بين كومرزبنك ودريسدنر بنك والتي تأكدت رسميا خلال هذا الاسبوع. إلا أن دريسدنر بنك الذي مازال مجروحا كما يبدو من الاخفاق الذي منيت به خطط اندماجه الاخيرة مع دويتشه بنك, يثبت أنه رافض للسقوط أمام عروض كومرزبنك. فقد أكد الرئيس التنفيذي لدريسدنر بنك بيرند فارهولتس خلال هذا الاسبوع أنه لا يتعين على أي شخص أن يتوقع نتائج سريعة للمحادثات مع كومرزبنك. وقال فارهولتس لمحللي صناعة البنوك في لندن (إن هذه المحادثات في مرحلة مبكرة للغاية) . وذكر فارهولتس الذي لم يمض في موقعه كرئيس تنفيذي للبنك سوى حوالي ثلاثة أشهر خلفا لسلفه بيرنهارد فالتر الذي أجبر على الاستقالة في أعقاب فشل اندماج دريسدنر-دويتشه, ذكر (إن الامر سيستغرق وقتا) . ومع ذلك يبدو أن كومرزبنك ليس لديه وقت يتحكم فيه, وذلك بسبب مالك الاسهم الجديد المزعج, كوبرا. فالاخير ظهر فجأة كأكبر مالك لاسهم البنك ويطالب البنك بأن يجد لنفسه شريكا وبأن يدعم أسعار أسهمه. وذكر أندرياس كيل محلل الاسهم في دويتشه بنك بفرانكفورت في تعليقه على ضرورة رد كومرزبنك على مطالب كوبرا المتزايدة (إن الضغط موجود) . غير أن الظهور الاخير لكوبرا التي تعتبر الذراع الالماني لشركة ريبون القابضة التي تتخذ من هولندا مقرا لها, على سجل الاسهم بالبنك بما تملكه من نسبة وصلت إلى سبع عشرة بالمائة, يعتبر مؤشرا آخر على أن قطاع الاعمال الالماني يدخل عهدا جديدا. ويعد هذا مؤشراً أكبر من مجردإ زاحة الرئيس التنفيذي لكومرزبنك مارتن كولهاوسين ورفاقه المديرين. ومع تفرق العلاقات الحميمة التي ظلت قائمة طوال فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية بين الصناعة والبنوك الالمانية تعتبر كوبرا ظاهرة نادرة في المؤسسات الالمانية والشبكة المميزة لمحافظ الاوراق المالية المتقاطعة التي تربطها سويا. إن كوبرا تعتبر, كما يبدو, نوعا من المهاجم أو المغير المؤسساتي. وقد سجلت كوبرا التي يرأسها هانزجيورج هوفمان الرئيس التنفيذي السابق لدريسدنر بنك, سلسلة تحركات هجومية بالفعل على الشركات الالمانية مقتنصة حصة لنفسها في هذه الشركات قبل بيعها أو الاستيلاء عليها. ويشعر حملة أسهم بنوك رئيسية أخرى بنفس نفاذ الصبر من أجل التغيير, حيث تشير شركة أليانز أيضا إلى أنها تبحث عن مشتر لتخليصها من نسبة الاثنين والعشرين بالمائة التي تمتلكها حاليا في بنك دريسدنر. وقد راقبت أليانز مسار المحادثات بشأن اتفاق الاندماج بين دويتشه بنك ودريسدنر بنك. وتعتبر المخاطر كبيرة بالنسبة لهذه الشركة التأمينية التي تتخذ من ميونيخ مقرا لها, حيث تحاول رسم نهج لنفسها وسط موجة التغيير الحالية في قطاع صناعة البنوك في ألمانيا. ومن أكثر ما يقلق أليانز حالة عدم اليقين المحيطة بصناعة البنوك في ألمانيا, والتي قد تعطي لمنافسي الشركة الاوروبيين فرصة إحتلال مكان في السوق المحلية الالمانية. ومن ضمن هؤلاء المنافسين المثيرين للقلق, أكبر شركة تأمين أوروبية وهي شركة أكسا التي تتخذ من فرنسا مقرا لها. إلا أن صفقة الاندماج بين كومرزبنك ودريسدنر بنك قد تعطي أيضا لمنافس آخر لشركة أليانز, وهي شركة أسيكورازيونى جنرالي الايطالية للتأمين فرصة دعم وجودها في سوق الاستهلاك الالمانية العملاقة. وفي متاهة مبادلات المحافظ المالية في قطاع الاعمال المالي الاوروبي, تستحوذ شركة أسيكورازيونى على نسبة خمسة بالمائة من كومرزبنك بنك. وأكثر من ذلك فإنه مع ضغط الحكومة الالمانية لاقرار خطتها الضريبية الرامية إلى مساعدة البنوك على التخلص من محافظها المالية الصناعية والرامية كذلك إلى إصلاح نظام المعاشات وإجراء تغييرات في القانون المتعلق بالاستيلاء على مؤسسات البلاد, فإن التوجه الاصلاحي الاقتصادي لحكومة برلين سيساعد في تسليط الاضواء على أوضاع الصناعة البنكية. ويذكر أن الكثير من الاسهم الصناعية بيد البنوك والتي تقدر قيمتها جميعا بما يزيد على مائة مليار يورو, لم تتغير على مدى عقود. وكنتيجة لذلك فإن احتمالات تخلص بيوت المال الكبرى من أوراقها المالية ستطلق, كما هو متوقع, العنان لموجة جديدة من إعادة هيكلة المؤسسات في ألمانيا. ـ د.ب.أ