انتقد الدكتور مهاتير محمد رئيس وزراء ماليزيا سياسة صندوق النقد الدولي في معالجة الازمة الاقتصادية لجنوب شرق آسيا, مشيرا إلى ان الصندوق قدم روشتة علاجه لهذه المنطقة دون مراعاة ظروفها الخاصة, وقال: ان الصندوق اخفق في تشخيص المشكلة, واضاف: ان ماليزيا تعاملت مع الازمة المالية بشكل خاص, ومع العولمة بشكل عام لمنهج يراعي ظروفها واولوياتها مشيرا إلى حرص الحكومة الماليزية على ان تضمن للمستثمرين الاجانب الجديدة ومن ضمنها العولمة. وقال في المحاضرة التي القاها في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة بدعوة من مركز الدراسات الآسيوية وحضرها الدكتور مفيد شهاب وزير الدولة للتعليم العالي والبحث العلمي والدكتور نجيب الهلالي جوهر رئيس جامعة القاهرة حول المنهج الماليزي في التعامل مع الازمة الآسيوية المستفادة بالنسبة لاثر العولمة على الدول النامية قال: ان موقفنا من العولمة يجب ان يكون مرنا وعمليا وليس عقائديا لان العولمة ليست هدفا وانما وسيلة لتحقيق هدف يتمثل في تحقيق حياة افضل لشعوبنا وضمان التحرر من الهيمنة الاجنبية. واشار إلى ان العولمة المطلقة قد تقود إلى الاضطراب تماما مثل الحرب المطلقة التي تؤدي إلى الفوضى وهذا كان واضحا في الازمة المالية الاخيرة لذلك على الدول النامية تجنب طغيان حرية السوق لان القوة ليست في استخدام البندقية وانما في فرض قائمة اشتراطات وعليها ايضا الا تؤمن بالرأي الذي يزعم ان نظام السوق معصوم من الخطأ لأن الاسواق لم تكن ابدا مثالية وانما تشهد مبالغات وتخضع لكثير من المناورات. النظام المالي واوضح ان من عدم الانصاف مطالبة الدول النامية بتحرير نظمها وفتح حدودها في نفس الوقت مع الدول الصناعية المتقدمة التي استغرقت اكثر من مئة عام للوصول إلى مستوى التنمية الذي بلغته قبل ان تقترح تبنى العولمة والليبرالية مشيرا إلى ان الازمة المالية الآسيوية اظهرت بوضوح المخاطر والتحديات التي تفرضها العولمة على الدول النامية خاصة صاحبة الاقتصاديات الصغيرة والمنفتحة مثل ماليزيا واشارت إلى ضرورة اصلاح هندسة النظام المالي العالمي ومناقشة المشكلات المرتبطة بالتدفق الرأسمالي التي ترتبط غالبا بأنشطة المضاربين على العمل واصحاب الاستثمارات قصيرة الاجل بالاضافة إلى تعرض صندوق النقد الدولي راعى النظام المالي العالمي للنقد بسبب عجزه عن ادارة الازمة واثيرت تساؤلات حول دور منظمة التجارة العالمية في المساهمات في الاستقرار العالمي بسبب الحاحها على الدول النامية لتبني سياسات تحريرية سريعة الايقاع. واضاف انه بعدما يزيد على عامين من سياسات التكيف المؤلمة والتقلبات الاجتماعية وتآكل الدخول وفقدان ماء الوجه بدأت الاقتصاديات الآسيوية المضارة في اندونيسيا وتايلاند وكوريا وماليزيا تسترد عافيتها وتحقق معدلات نمو تجاوزت المعدلات المسجلة قبل وقوع الازمة موضحا انه بعد التشكك في المنهج الماليزي الرافض لتوصيات واموال صندوق النقد الدولي وبعد رفض القرار الماليزي باستعادة السيطرة على سعر الصرف وضبط التدفق المالي قصير الاجل بدأت الدول الكبري تقبل هذا المنهج كأسلوب حيوي في معالجة الازمة بعد ان كان رد الفعل الدولي في سبتمبر عام 1998 يدين ماليزيا لأنها وضعت قيودا على حركة رأس المال وقيل ان ماليزيا ادارت ظهرها لنظام السوق الحر وان اجراءات تقييد حركة رأس المال سوف تؤدى إلى انتكاسة وانعدام كل صور الكفاءة وان ماليزيا تهدف بهذه الاجراءات تجنب ادخال تغيرات مالية واقتصادية وان حكومة ماليزيا تخشى من الاطاحة بها مثلما حدث في اندونيسيا وانها تعادى صندوق النقد الدولي لاسباب غير معلومة. فشل الصندوق واكد رئيس الوزراء الماليزي ان ماليزيا تبنت في بداية الازمة سياسات مشابهة لتلك التي يتضمنها صندوق النقد الدولي مشيرا إلى انه تم ابلاغ ماليزيا بأن سياسات الصندوق الخاصة بالتقشف المالي من شأنها ان تعيد الثقة في السوق وتحقق الاستقرار لكن هذه السياسات لم تفشل فقط في اعادة الثقة وانما زادت من تفاقم الازمة لان خفض الانفاق الحكومي ادى إلى تقليص الطلب المحلي بينما كانت معدلات الفائدة العالية والضغط على الائتمان مجهزين على موازنات الكثير من الشركات والبنوك. وقال عندما وجدنا السياسة المالية التقشفية تزيد الركود في الدول التي اخذت بنصيحة الصندوق وكذلك في ماليزيا قررنا البحث عن بديل آخر لاستعادة الاستقرار الاقتصادي مشيرا إلى ان صندوق النقد الدولي اخفق في توصيف المشكلات في آسيا وحاول تطبيق نفس الحلول التي اقترحها من قبل في امريكا اللاتينية بالاضافة إلى ان الصندوق يركز على عناصر الاقتصاد الكلي ويتناسى الخصوصيات الصغيرة التي تميز الدول المأزومة وتزر إلى الازمة الآسيوية على انها مشكلة صغيرة ومؤقتة ولم يصدق خبراء الصندوق ما يقال عن صناديق الاستثمار وقوتها واطماعها ولذلك قللوا من اهمية خفض قيمة العملة. واشار إلى ان الازمة الآسيوية بسبب انشغال صندوق النقد الدولي بسداد الديون المستحقة للبنوك التجارية على الدول التي تعرضت للأزمة.. بجانب ان برامج الصندوق لم تأخذ في اعتبارها الظروف الخاصة بكل دولة من الدول المضارة من الازمة مثل حجم الاقتراض الاجنبي لكل من الحكومة والقطاع الخاص موضحا ان توصيات الصندوق تبني اسعار فائدة اعلى اضعفت قدرة الحكومات وقطاعات الاعمال الخاصة على سداد الديون بالاضافة إلى عدم اهتمام صندوق النقد بتأثير توصياته على النظام المالي, فقد ادى الاغلاق الاجباري لبعض البنوك إلى فقدان الثقة في البنوك التي ظلت تعمل وتحطم آليات النظام وادت السياسات التي الغت الدعم بشكل تعسفي إلى زيادة التكلفة وعرضت نظام التوزيع للاضطراب وارتفع التضخم إلى مستويات غير مسبوقة. الديون المعدومة واضاف ان صندوق النقد الدولي لم يتفهم العلاقات القوية بين سوق العملات الاجنبية والبورصة واللذين يدعم كل منهما الآخر من حيث خفض سعر الصرف وخفض قيمة معاملات البورصة فقد ادى انخفاض اسعار البورصة إلى وقوع الكثير من الافراد والشركات في الديون واخفاق كثير من البنوك القائمة وانخفاض رأس المال المتداول في السوق إلى نسبة ضئيلة من قيمته الاصلية وهذا نتج عنه خسائر كبيرة فتفاقمت مشكلة الديون المعدومة. ومما زاد الامر سوءا ان الصندوق خفض مدة احتساب الديون المعدومة من ستة شهور إلى ثلاثة شهور وهذا كان له اثر مدمر على البنوك والنشاط الاقتصادي. وقال رئيس الوزراء الماليزي ان معدلات سعر الصرف الثابتة ليست متناقضة مع السوق الحر مشيرا إلى ان قرار ماليزيا بتثبيت سعر صرف الرينجت مقابل الدولار ليس معناه التخلي عن السوق الحر لان ماليزيا دولة تجارية ولا تستطيع ان تفعل ذلك. فهي من الدول التجارية رقم 17 في العالم, ورغم ذلك فإن تثبيت سعر الصرف سهل التجارة وساهم في علاج الازمة وتحقيق النمو السريع لان هذا التثبيت كان بهدف الحفاظ على العملة بعيدا عن ايدي المضاربين واتخاذ اجراءات لانعاش الاقتصاد دون خوف من انخفاض قيمة العملة في ظل المضاربة. المضاربات وأكد ان الدول الآسيوية الاخرى لم تلجأ مثل ماليزيا الى السيطرة على سعر الصرف لأن ذلك كان سينتج عنه خسائر ضخمة للمضاربين لكن المضاربين قللوا من مضارباتهم لأن المضاربات اصبحت بشكل مفاجيء لعبة خطرة حتى بالنسبة للدول الغنية مشيرا الى ان الوضع في ماليزيا كان شديد الخصوصية فقد كان لديها نظام تبادل حر للرينجت وهذا اوجد اسواقا خارجية لها ورغم ان ماليزيا اوقفت القروض بالرينجت من اجل تمويل تجارة العملة فإن الرينجت كان متاحا من قبل البنوك في سنغافورة بمعدلات اعلى بنسبة تتراوح ما بين 20% و30% ولم تعالج ماليزيا ذلك بزيادة معدلات الفائدة لأن هذا من شأنه احداث اثر عكسي على الاعمال ولمنع هذا النزيف تم وقف تحركات الرينجت عبر الحدود وهذا اجبر من كان بحوزتهم العملة الماليزية من الاجانب على العودة الى ماليزيا خلال شهر واحد وقد اوقف هذا الاجراء تدفق الرينجت الى سنغافورة وحرم تجار العملة من المضاربة عليه. ومع تدفق الأموال على البنوك كان من الممكن خفض معدلات الفائدة وبالتالي خفض كلفة التوسع في قطاع الاعمال وقد حققت ماليزيا فائضا تجاريا ضخا خلال الازمة مكنها من تغطية قيمة الواردات. وأكد ان السيطرة على التدفقات المالية قصيرة المدى تم من خلال تحديد مدة مؤقتة لعام واحد لمنع خروج الاستثمارات قصيرة المدى لأن الارباح وعوائد بيع اصول الاستثمارات الأجنبية المباشرة كانت تذهب الى خارج البلاد. وهذا ادى الى تحسن السوق بسرعة وتحقيق ارباح بنحو 200% مشيرا الى ان ماليزيا كانت واعية بقرارها بالتحكم في أسعار الصرف رغم ردود الفعل الغاضبة من المؤسسات المالية الدولية ومن الولايات المتحدة الأمريكية لأنهم رأوا ان ماليزيا خيبث آمال المستثمرين الذين استثمروا رؤوس أموال طائلة في صناديق الاستثمار وكانوا يحصلون على أكثر من 30% كعوائد على استثماراتهم. وقال ان ماليزيا ادركت المخاطر التي احاطت بسياساتها لكنها لو استسلمت لكان مصيرها اسوأ ولفقدت استقلالها وكرامتها مشيرا الى اته رغم الاهتمامات بأن ماليزيا بالغت في الانفاق على المشروعات العملاقة فإنها كانت ولاتزال قوية من الناحية المالية. فكل من الحكومة والقطاع الخاص لم يفكرا في الاقتراض الاجنبي ولكنهما اعتمدا على معدلات الادخار العالية التي وصلت الى 40% من الناتج المحلي الاجمالي. وهذا لن يجعل ماليزيا تضطر الى الاستجداء لأن لديها كميات ضخمة من الرينجت والاحتياطي الاجنبي. بوادر النجاح واشار الدكتور مهاتير محمد الى ظهور بوادر نجاح السياسات والاجراءات الماليزية فقد فاض النظام البنكي بالسيولة وساعد خفض معدل الفائدة على تحسين اداء قطاع الاعمال وتحسنت البورصة وزادت الفوائض التجارية وساهمت في زيادة الاحتياطي وقلل تثبيت سعر الصرف من مخاطر صناديق الاستثمار وتقليل نفقات الأعمال وزيادة الارباح. وحقق الناتج المحلي الاجمالي الذي تقلص بنسبة 7% في عام 1998 نموا قدره 6.5 في عام 1999 وزاد الاستهلاك المحلي واصبح التضخم في حدود معقولة هذا بالاضافة الى ان ماليزيا ليس لديها مشكلة بطالة وتستورد العمالة وقد تاثرت العمالة الأجنبية بالازمة اما الماليزيون القليلون الذين تم تسريحهم فقد حصلوا على فرص عمل جديدة. وقال انه رغم ذلك كله ونتيجة للركود الاقتصادي فإن العديد من الافراد والشركات مازالوا يواجهون صعوبات مالية بسبب زيادة الديون المعدومة من 3% قبل الازمة الى 17% اثناء الازمة مشيرا الى ان الحكومة اسست شركة لادارة الاصول اشترت الديون المعدومة مما مكن الشركات المتعثرة من الاقتراض والبنوك من العودة الى الأعمال والشركات الأقل تأثرا بالازمة الى اعادة هيكلة ديونها وتمويل البنوك من خلال صندوق مالي اسسته الحكومة.. وهذه الاجراءات ساعدت الشركات المتعثرة في تحسين اوضاعها وتحقيق الربح والاضافة الى خزانة الدولة من خلال الضرائب. وأكد ان صندوق النقد الدولي كان يهدف الى فتح السوق الماليزي حتى تتمكن الشركات الأجنبية من السيطرة على ادارة الاعمال المحلية وكذلك تشجيع الخصخصة لتمكين الأجانب من شراء الشركات التي يريدونها لأن المواطنين الماليزيين لم يكونوا قادرين على شراء هذه الشركات او المساهمة فيها مشيرا الى ان عدم احتياج ماليزيا الى صندوق النقد الدولي مكنها من ابعاد المستغلين الأجانب لكنها تهاجم الآن من العولمة والتجارة الدولية. الدعاية الغربية وأضاف ان الدعاية الغربية تجعل كل من لا يوافق على الافكار والايديولوجيات الجديدة يشعر بالذنب فالديمقراطية والسوق الحرة وعالم بلا حدود والحقوق الليبرالية للعمال وعمالة الأطفال وغيرها قد ابتكرتها الدول الغنية وتريد فرضها على الدول الفقيرة مما يخلق نوعا من عدم الاستقرار ويجعلها تحت رحمة الاغنياء. ويضرب مثالا بمفهوم السوق الحر الذي تؤيده ماليزيا لكن البعض يشير الى ان الحكومات لم تعد ضرورية لأن السوق الحر سوف يحدد مستوى وأسلوب النمو الاقتصادي وكأن السوق سوف ينظم سلوك الحكومات ويجعلها أكثر عرضة للمحاسبة وأقل فسادا وأكثر شفافية مع ان الاسواق وجدت لتمكن المستثمرين من كسب المال وتعظيم الارباح وليس من اجل صياغة احتياجات الشعوب ورفاهية المجتمع فرجال الاعمال ليسوا منتخبين من جانب الشعب لكي يهتموا برفاهيته. وقال ان السوق الحر في مفهوم الغرب اصبح وكأنه دين يجب على جميع الشعوب ان تقبله وأي نقد يوجه لدور السوق في صياغة التنمية اصبح فكراً غير مقبول موضحا ان السوق الحر ليس اكثر من اسم جديد للرأسمالية فالاتجار في العملة يوازي اكثر من 20 ضعفا من حجم التجارة العالمية وهذا الحجم الضخم من الأموال يؤدي الى اضطراب الاعمال وعندما تستخدم هذه الاموال لبيع وشراء العملات فإن الاقتصاديات تتعرض لاضطراب شديد مما يؤدي الى انغماس واثراء المضاربين وافقار الشعوب واغراقها في الفتن والحروب وإشاعة الفوضى. ودعا الدول النامية الى ان تدرك ان هناك من يغويها بجنة طريقها ليس اكثر من كلمات معسولة ووعود وشعارات ونظم وايديولوجيات جديدة مشيرا الى ان هذه الدول لم يعد في امكانها العودة الى الاقتصاد المركزي المخطط الذي كان سائدا في ظل الاشتراكية والشيوعية لكن هذا ليس معناه ان ترسم الدول الغنية والقوية الطريق للدول النامية من خلال السوق الحر الذي يفرض هيمنة الأغنياء. واختتم حديثه بالقول ان ماليزيا جربت عولمة رأس المال وكادت ان تدمر بسببها لكن لحسن الحظ كنا قادرين على تطوير اسلوبنا الخاص بالدفاع عن انفسنا وإعادة بناء اقتصادنا.. واضاف نحن نعلم ان نجاحنا قد لا يكون كاملا لكننا لن نسمح لأحد ان يبيعنا افكارا وايديولوجيات وشعارات دون ان نفحصها جيدا ولو كان هناك ادنى شك في ان اجندة بعينها تفرض علينا فسوف نقاوم وندافع بضراوة عن بلدنا ورفاهية شعبنا. القاهرة ـ ضياء الدين أحمد
مهاتير محمد: السوق الحر ليس أكثر من اسم جديد للرأسمالية، صندوق النقد الدولي فشل في علاج الأزمة الآسيوية ولابد من اصلاح النظام المالي العالمي
