سجلت أسعار المحروقات في الولايات المتحدة الأمريكية أكبر قفزة لها للاسبوع الرابع على التوالي, في الوقت الذي تترقب فيه أسواق النفط الدولية ما سيسفر عنه اجتماع منظمة الدول المنتجة والمصدرة للنفط (أوبك) اليوم. فقد ارتفع سعر التجزئة للوقود الخالي من الرصاص مقدار 5 سنتات ليرتفع سعر الجالون الى 70.1 دولار بحسب ما أشارت اليه النشرة الاسبوعية ادارة معلومات الطاقة. وارتفع سعر الوقود في محطات التعبئة 65 سنتا متجاوزا السعر الذي وصل اليه العام الماضي ومحققا أعلى مستوى منذ ان بدأت المنظمة الدولية للطاقة ترصد أسعار الوقود كل اسبوع قبل عقد من الزمان, وبينما سجلت أسعار المحروقات في الولايات المتحدة أعلى مستوياتها على الاطلاق, الا ان هذه الاسعار تقل بمعدل عدة دولارات عما يدفعه المستهلكون في بعض الدول الاوروبية والآسيوية. وتعرضت أوبك خلال هذا الصيف الى جملة انتقادات واسعة وضغوط شديدة مارستها عليها الولايات المتحدة وبعض الدول المستوردة الأخرى لزيادة الانتاج بما لا يقل عن 500 الف برميل في اليوم أو بمعدل 2%, الا ان المحللين يعتقدون انه وبالرغم من توصل أوبك في وقت سابق من العام الى آلية معينة لزيادة الانتاج ان هذه الزيادة سوف لن تؤدي الى خفض أسعار المحروقات في السوق الأمريكية في أي وقت قريب. ويقول هؤلاء انه ومهما كان القرار الذي ستتوصل اليه المنظمة فإن موسم الصيف سيكون موسما صعبا لمستخدمي السيارات في الولايات المتحدة. وبرزت قبيل اجتماع المنظمة اليوم عدة وجهات نظر متضاربة, فهناك بعض الدول مثل المملكة العربية السعودية والمكسيك وفنزويلا تتخذ موقفا مرنا حيال الزيادة بينما تعارضها دول اخرى. وهناك دول اخرى مثل نيجريا واندونيسيا دعت صراحة الى زيادة الانتاج بالمعدل الذي تم الاتفاق عليه ابان الاجتماع الذي عقدته في شهر مارس الماضي. الا انه وقبل ان تتخذ المنظمة أي قرار يتعين عليها أولا معالجة مسألة تضارب البيانات حول الاحتياجات الفعلية للسوق, فمن جهة يدعي أعضاء المنظمة انها حققت التوازن المطلوب بين العرض والطلب ولا مبرر لأية زيادة في الانتاج. ويبدو ان المنظمة الدولية للطاقة تدعم هذا الرأي حين أعلنت في وقت سابق من الشهر الجاري ان مخزون النفط الخام في الدول الصناعية الفنية ارتفع بمعدل 75.1 مليون برميل في اليوم خلال شهر ابريل, وان الانتاج العالمي لخام النفط قد سجل ارتفاعا كبيرا خلال شهر مايو, وتؤكد المنظمة عدم وجود أي انخفاض في امدادات النفط الخام. وبالاضافة الي هذه الآراء المتضاربة نجد موقفا شديد التعقيد في النرويج حيث هدد عمال النفط بالاضراب عن العمل واغلاق آبار النفط إن لم تتم الاستجابة لمطالبهم .وبالرغم من ان النرويج ليست ضمن اعضاء منظمة أوبك الا انها ثاني أكبر منتج للنفط في العالم بعد المملكة العربية السعودية. ومن جهة اخرى, فإن أية زيادة في انتاج النفط الخام لن تؤدي الى خفض اسعار المحروقات في الولايات المتحدة, إذ تستغرق رحلة ناقلات النفط من الشرق الأوسط الى الموانىء الأمريكية أكثر من 45 يوما. وفي الوقت الذي تصل فيه هذه الامدادات الى مرافق التكرير فإن فصل الصيف سيوشك على الانتهاء وسيتزايد الطلب على وقود التدفئة. وأضافت أوبك بدورها المزيد من التعقيد الى الموقف المعقد أصلا عندما أحجمت هذا الشهر عن تنفيذ الآلية التي اتفقت عليها والتي تقضي بزيادة الانتاج بمعدل 500 الف برميل في اليوم عندما تتجاوز الاسعار 28 دولارا للبرميل, وفضلت بدلا من ذلك ارجاء الأمر لحين انعقاد اجتماعها اليوم. وقد توصلت أوبك خلال شهر مارس الماضي الى آلية كانت تأمل ان تعزز استقرار الأسعار عند حدود 22 الى 28 دولارا للبرميل, الا ان المتشائمين وصفوا تلك الآلية بأنها غير منطقية وصعبة التطبيق, ومع ذلك طالب المركز الدولي لدراسات الطاقة المنظمة بتنشيط هذه الآلية طوال الوقت على أساس انه اذا أحست الاسواق ان المنظمة ستتجاوب سريعا مع مؤشرات الاسعار فإن أسعار النفط ستكون أقل استقرارا. والمنظمة تتطلع الى أسعار مستقرة حتى تتمكن حكومات الدول الاعضاء من استقراء أسعار النفط لاتخاذ القرارات الخاصة بانفاقها الداخلي على مشروعات التنمية وغيرها. وان بلغت الاسعار مستويات عالية, فإن الدول غير الاعضاء في المنظمة مثل روسيا والمكسيك قد تنتهز الفرصة لفك ارتباطها بالمنظمة وزيادة انتاجها. ويمكن ان يؤدي هذا الى زيادة كبيرة في الانتاج واغراق الاسواق بكميات هائلة من الخام قد تخفض الاسعار الى مستويات العام 1998. وقد لاحظ المحللون ان منظمة أوبك قد تجاوزت الانتاج الذي توصلت اليه بنحو نصف مليون برميل, وان أية زيادة رسمية قد لا تفعل أكثر من تقنين المستوى الحالي لتجاوزات المنظمة. ومن جهتها تضغط الولايات المتحدة تجاه زيادة بمقدار مليون برميل في اليوم, الا ان أعضاء المنظمة يعانون من ضعف في الطاقة الانتاجية الفائضة, ومن هؤلاء الاعضاء ايران ثاني أكبر منتج في المنظمة والمؤيد المتشدد لفرض أسعار عالية. ويبدو ان المشهد العام يعاني برمته من مناطق مظلمة وتعقيدات كثيرة, فزيادة الانتاج سوف لن تؤدي تلقائيا الى خفض أسعار المحروقات, ومنظمة أوبك لا تجد ما يبرر زيادة الاسعار, وتقول صراحة انها غير مسئولة عن ارتفاع أسعار المحروقات, ودول من خارج المنظمة قد تنتهز الفرصة وتغرق الاسواق بالنفط الخام. انه مشهد شديد التشابك والتعقيد لن تستطيع أوبك ان تفك تعقيداته حتى وان اتخذت قرارا بزيادة الانتاج, فالشكاوى والضغوط لن تتوقف, وكأن المنظمة هي الجهة الوحيدة المسئولة عن رفاهية المستهلكين في الولايات المتحدة والدول الاوروبية والآسيوية.