يجب ان تتوقف أسواق المال العالمية للحظة تأمل وترى ما يحدث بها من تغيرات غريبة وغير متوقعة. فأي مستثمر يستحق ان نسامحه اذا شعر بالارتباك والحيرة بسبب الاتجاهات التي تسود حاليا في أسواق المال والبورصات العالمية. لقد ظلت البورصة الأمريكية, قبل التغيرات والانخفاضات البسيطة الأخيرة, في ارتفاع مستمر رغم محاولات متكررة من البنك المركزي الامريكي بتهدئة الارتفاع فيها, ولم تنجح هذه المحاولات نسبيا إلا مؤخراً. في أوروبا ظلت العملة الأوروبية الموحدة تنخفض, باستثناء الارتفاعات البسيطة الأخيرة, ويلاحظ رجال السياسة والاقتصاد الأوروبيون اليورو ويراقبونه دون ان تأتي محاولاتهم بنتائج تذكر ويذكرون في نفس الوقت مواطن القوة في الاقتصاد الأوروبي. وانتشر ارتفاع اسهم شركات التكنولوجيا الفائقة والمعلومات إلى خارج الولايات المتحدة, والمستثمرون في اسهم هذه الشركات يدفعون الاصدارات المساهمة الجديدة الى آفاق مرتفعة برغم ان كثيرا من الشركات التي تم تعويم اسهمها لا يحتمل ان تحقق ارباحا قبل سنوات, إذا حققت ارباحا بالفعل. ولايزال عرض الاسهم الجديدة يسجل ارقاما قياسية حيث يتزاحم المستثمرون داخل البورصات سعيا وراء تبادل هذه الاسهم. وبلغ حجم الاصدارات الأولى الجديدة 205 مليارات دولار على مدى العام الماضي في انحاء العالم, ونصف هذه الاصدارات الأولى الجديدة من شركات تكنولوجيا فائقة وإعلام واتصالات. الآثار المترتبة كان لهذا الوضع اثران هامان, فقد فتح موارد جديدة لرأس المال بالنسبة للشركات الصغيرة, وحول المستثمرين الصغار الى مساهمين في رأسمال المساهمات الأولى للشركات بدلا من ان تقوم الشركات الاستثمارية ذاتها بهذا الدور, كما كان الوضع فيما سبق, حيث كانت هذه الشركات هي المصدر الرئيسي لرأس المال اللازم لنمو الشركات الجديدة في الوقت نفسه تقول الخزانة الأمريكية انها تنوي الاسراع في سداد الديون الفيدرالية, مما سيؤدي الى ضغوط على سندات الخزانة الأمريكية, حيث اشترى عدد كبير من المستثمرين هذه الاسهم طويلة الأجل. وقد اتجه الانتباه الى السندات الصادرة عن الهيئات الفيدرالية مثل مؤسسة تمويل غالبية الرهونات الأمريكية التي تعرف باسم فاني ماي وهي من اكبر المقترضين في سوق السندات الدولي, حيث ان اسواق الاسهم العادية تتعرض لضغوط. لكن حتى هذه السندات شبه الحكومية ليست ما يظنه البعض او ما توحي به. لقد كان رد فعل المستثمرين سيئا عندما اشارت الخزانة الأمريكية الى انها تريد تخفيف الارتباط بين الحكومة الفيدرالية وهيئات مثل فاني ماي. وأثار ذلك اسئلة بشأن الوضع الدقيق بشأن سندات الدين التي تصدرها هذه المؤسسات ومدى ملائمتها لوضع السعر القياسي للسندات. كما ادى ذلك الى ارتفاع تكلفة الاقتراض لهذه المؤسسات بدرجات متفاوتة. يقول المصرفيون ان البحث عن سعر استرشادي جديد قد يكون قضية شائكة خلال السنوات القليلة المقبلة في ضوء تقلص اسواق السندات الحكومية. وهناك كثير من الحكومات الأوروبية, تستمتع بارتفاع عجز الميزانية لأن عائدات الضرائب ترتفع في ضوء توسع القاعدة العمالية وارتفاع ارباح الشركات, مثلها مثل الحكومة الامريكية, وقد اوضحت هذه الحكومات انها سوف تستخدم مزيدا من الاموال لخفض مستويات الدين العام وليس لخفض الضرائب او رفع الانفاق العام. تتزامن هذه التطورات مع الاثر العميق للتكنولوجيا الفائقة على طريقة سير وادارة الاسواق التقليدية. ولا تزال الانترنت حتى الآن بطيئة من حيث تنفيذ الاوامر والصفقات التجارية فوريا, لنها اصبحت أداة مفيدة في قضايا بيع وتوزيع الديون العالمية. ومن ناحية اخرى تتطور انظمة تجارية الكترونية لأسواق السندات الثانوية والهدف من ذلك هو تحقيق نوع من الشفافية التي تعتبر شرطا لسوق اسهم جيدة التنظيم, لكنها قد تظل مجمدة وغير واضحة برغم الحجم الكبير اذا لم تتوافر هذه الشفافية. البورصات وبورصات الأوراق المالية ايضا تواجه فترة من التغيرات الهائلة حيث ان نفس ضغوط انخفاض تكاليف الصفقات الذي ادى الى اختفاء تجارة الاسهم فوق الطاولة فعليا ودخول تجارة الاسهم الكترونيا في الاسواق الثانوية, قد انتشرت هي الاخرى في اسواق الاسهم والسندات في التسعينات. ويعد الاندماج المقترح بين بورصتي لندن وفرانكفورت لتشكيل بورصة أوروبية عامة كبيرة, رد فعل للتهديد الذي يواجه البورصات التقليدية بسبب تطور انظمة تجارية الكترونية جديدة حرمت بورصة نيويورك ومؤشر ناسداك من سيطرتهما التامة في الولايات المتحدة. بهذا المنطق يعتبر انشاء بورصة أوروبية موحدة من بورصتي لندن وفرانكفورت نوعاً من الدفاع ليس إلا لكنها ايضا أول خطوة كبيرة لانشاء بورصة عالمية لتجارة الاسهم والسندات. وينضم مؤشر ناسداك الى البورصة الأوروبية الجديدة التي تعرف بإسم آي. إكس لإعادة ابتكار بورصة نيوير الألمانية لأسهم التكنولوجيا والانترنت. وقال كل اطراف هذا الاتفاق انهم يعتقدون ان بورصة اسهم وسندات عالمية هي النتيجة الطبيعية والمنطقية لترتباتهم وهو ما يطلبه المستثمرون ويسعون اليه. والتشتت بين البورصات القديمة والجديدة له اثر عميق على أسواق المال عموماً, رغم ان الفرق ليس واضحا الآن لكن الفكرة لا تزال عالقة بأذهان المستثمرين. وعدم الاستقرار يصل الى الضعف في أسواق التكنولوجيا أو أسهم شركات التكنولوجيا مثل ناسداك ونيوير الألمانية مقارنة بأسواق اسهم الشركات القديمة, أو الاقتصاد القديم تصل نسبة عدم الاستقرار في مؤشر ناسداك مثلا الى 70% خلال 30 يوما, مقابل نسبة تغير (عدم استقرار) 30% في مؤشر داو جونز للشركات الصناعية الممتازة في الولايات المتحدة. ويقول أحد الخبراء المصرفيين ان الاضطرابات الأخيرة في البورصات العالمية ليست اختبارا للسوق بقدر ما هي عدم استقرار في الاسعار الاسترشادية. ويقول الخبراء المصرفيون ان التقلبات التي شهدها مؤشر ناسداك خلال العام الجاري, ليست عبارة عن اشارة على ان هناك فقاعة على وشك الانفجار, لكنه ملمح دائم في مناخ جديد لابد أن يتعلم المستثمرون كيف يتعايشون معه. ويشير المحللون الى ارتفاع درجة الجمود في اسواق السندات والاسهم حيث تتركز الاستثمارات على نطاق ضيق من الأهداف, سواء كانت اسهم شركات الانترنت او سندات الخزانة الامريكية طويلة الأجل. وبرغم الاحجام الهائلة لأسواق المال لابد ان يحدث انكماش إذا كان هناك كثير من المال يطارد قليلا من الأصول, أو المعروض المالي هائل الحجم بالنسبة للمعروض من الاسهم. ويقول المصرفيون ان السيولة في الاسواق عند ادنى معدلاتها تاريخيا, رغم ان الأحوال والظروف الآن افضل مما كانت عليه خلال الازمتين الروسية والآسيوية, او قرب حافة الانهيار لأموال تغطية الاستثمار على المدى الطويل. أثر اختفاء السيولة لكن اثر نضوب السيولة النقدية واضح في كل ارجاء العالم وعلى الاقتصاد العالمي. وانتشار انظمة التجارة هو احد عوامل نضوب معين السيولة النقدية وتشتت النقد. وفي الوقت نفسه تجد كثير من الشركات الكبيرة, ومنها اعداد من الشركات القيادية التي تمثل جوهر استثمارات المحافظ التقليدية, انها تحت ضغوط كبيرة من انخفاض اسعار الاسهم الناتج عن تحول اهتمام المستثمر في البورصات. هذا يزيد ما يطلق عليه المحللون ارتفاع مستوى المخاطرة الطارئة, حيث يكون هناك أثر لتطورات الشركات على المواقف النقدية لها. واقرب مثال على ذلك هو شركة جنرال موتورز التي اعلنت في وقت ما انها توزع نحو عشرة مليارات دولار نقدا على اصحاب الاسهم. كان هذا نبأ سارا بالنسبة لأصحاب الاسهم, لكنه ليس جيدا بالنسبة لأصحاب السندات (المؤسسين). فقد عانى اصحاب السندات عندما صنفت مؤسسة ستاندارد اندبورز شركة جنرال موتورز على انها في موقف أقل من حيث الائتمان طويل المدى بدرجة واحدة مما كانت عليه (الموقف الائتماني يعني الملاءة المالية للشركة). الاختلاف بين الاقتصاد القديم والجديد عندما أعلنت مؤسسة باركليز كابيتال في تقرير في مارس الماضي عن الاسواق الائتمانية ان التباعد والاختلاف بين أداء أسهم شركات الاقتصاد القديم والاقتصاد الجديد أدى الى ضغوط كبيرة على ادارات الشركات ذات الاداء الضعيف حتى ترفع من أولوية قيمة أصحاب الاسهم اتضح ان اعادة شراء الأسهم وتزايد استخدام النقد في امتلاك الشركات يمثلان عنصرا سلبيا بالنسبة لأصحاب السندات. لكن سواء كان المستثمر من حملة الاسهم أو السندات, فإن أسواق اليوم في حاجة الى المستثمر الشجاع المستعد لتحمل المخاطرة, وحتى المستثمرين الاذكياء يمكن ان يتعرضوا لأثر تغير المشاعر والحالة النفسية التي تبدو هي الملمح السائد حاليا في المناخ الاستثماري. التكنولوجيا تدفع البورصات شهدت أسواق المال والبورصات الاوروبية خلال العام الماضي أكبر كمية من طرح الاسهم الأولى الجديدة للشركات ولا تستطيع البورصة الاوروبية في الغالب ان تنافس البورصة الامريكية من حيث حجم الصفقات, غير ان الأسهم الأولى الجديدة في البورصات الاوروبية العام الماضي كانت الأكبر في العالم, وكان منها الاسهم الأولى الجديدة لشركة اينل الايطالية للكهرباء بقيمة 18 مليار يورو. غير ان خصخصة الشركات في العقد الماضي. ورغم انه سيتم خصخصة بضع شركات اخرى, فإن أسهم الشركات الخاصة تسيطر حاليا على البورصات, وهي التي تجمع المال من أجل التوسع. هذا التحول من الخصخصة الى الشركات الخاصة هو أحد الملامح الرئيسية في البورصات الاوروبية. ويقول رئيس احدى الشركات الكبرى ان أسهم الشركات الحكومية أو شبه الحكومية كانت تسيطر على البورصات الأوروبية في التسعينات, حيث كان كثير من المجموعات الكبرى يتخلص من بعض الأصول ويغير هيكل الملكية التي سادت طوال فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية, لكننا نرى الآن ولأول مرة في تاريخ أوروبا سيلا من الشركات الخاصة التي تطلق أسهمها للتبادل في البورصات. وبلغ حجم الاصدارات الأولى الجديدة للشركات الاوروبية 29 مليار دولار امريكي خلال العام الجاري مقابل 5.25 مليار دولار في الولايات المتحدة. ومن المتوقع ان يصل حجم هذه الاصدارات ما بين 100 الى 120 مليار دولار حتى نهاية العام. والتكنولوجيا الحديثة هي التي دفعت الى ارتفاع هذه الاصدارات بهذا الشكل, لأن غالبية الشركات, إن لم يكن جميعها, التي أطلقت هذه الاصدارات هي شركات تكنولوجيا معلومات وإعلام واتصالات, ومثلت هذه الشركات 70% من اصدارات الأسهم الجديدة في الأسواق الاوروبية. لكن حجم هذه الاصدارات يجعل السوق الاوروبية للأسهم عرضة للتقلبات التي شهدها مؤشر ناسداك الامريكي هذا العام, فقد كان لانخفاضات ناسداك هذا العام بنسبة تصل الى 25% أثر كبير على اوروبا حيث أجل كثير من الشركات اصداراتها الأولى الجديدة. فقد كانت النكسات التي عانتها شركات التكنولوجيا والاعلام والاتصال الاوروبية قوية, فقد أدى عدم التوازن بين العرض والطلب (في الأسهم) الى تغير القيمة السوقية للشركات بلا ضابط أو رابط, غير ان التقلبات التي وقعت وضعت الشركات (التكنولوجيا والإعلام والاتصال) على مستوى أساسياتها المالية. ويقول المصرفيون ان التوقعات المستقبلية لعائدات الشركات عامل هام يؤثر على القيمة السوقية لأسهم الشركات, غير ان المستثمرين يولون اهتماماً أكبر للتدفقات النقدية والارباح. فالمستثمرون يريدون ان يعرفوا ما اذا كانت الشركة سوف تحقق عائدات نقدية ايجابية, ليس عن طريق عرض نسبة من الاسهم للبيع. إلا ان سوق الاسهم لاتزال هي المصدر الرئيسي للنقد والتمويل للشركات الجديدة لاستشارات الانترنت. ورغم ان كثيراً من هذه الشركات تعوم 10 ـ 15% فقط من الاسهم في البورصة, فان كثيراً منها أيضاً تفعل ذلك على أمل العودة بكل الاسهم الى البورصة في غضون اشهر قليلة. وتجد كثير من الشركات صعوبة في جمع رأس المال إذا لم يكن اداء اسهمها في البورصة على مستوى عال. وقد عززت ثورة التكنولوجيا أيضا من نمو طبقة من المستثمرين الفرادى في أوروبا, يمثلون نحو 50% من حجم مشتروات اسهم الاصدارات الأولى الجديدة. وبرغم هذا النمو فإن حصول المستثمرين الفرادى على اصدارات الأسهم الأولى الجديدة خصوصاً في انحاء أوروبا كان محدوداً. وقد قامت احدى المؤسسات المصرفية بانشاء سوق الكترونية لتوزيع الأسهم الجديدة والاسهم الخاصة على المستثمرين الفرادى من اجل تأمين احتياجاتهم منها والوفاء بطلبهم عليها. وقالت المؤسسة إن هذا النظام يمكن المستثمرين الفرادي من شراء الأسهم الأوروبية في انحاء القارة, وهو ما لم يستطيعوا ان يفعلوه من قبل انشاء هذا السوق. كتب المحرر الاقتصادي