استعرت عدوى اندماج شركات الطيران بين أوروبا وأمريكا. فقد يلي اندماج شركة يونايتد ايرلاينز مع يو. اس للطيران اذا تمت الموافقة على الصفقة, التي اعلن عنها مؤخراً اندماجات اخرى بين شركات اخرى. يقع الضغط الذي سينتج عن هذه الصفقة في امريكا الشمالية على شركتي دلتا وامريكان اير لاينز, وقد يفكران في الاندماج ايضا لمواجهة العملاق الكبير الذي على وشك الولادة سواء بينهما, او ان يبحث كل منهما او كلاهما عن الاندماج مع كونتيننتال او نورث وست للطيران, حتى تستطيعا الحفاظ على نصيبهما في السوق وتغطية الرجلات بين ساحلي الولايات المتحدة من ناحية والرحلات الدولية الخارجية من ناحية اخرى, وقد زاد موقف شركة يونايتد ايرلاينز قوة لانها ساعدت اختها الصغيرة المملوكة لها ايركندا على شراء كنديان ايرلاينز, شريكة امريكان ايرلاينز الامريكية. ليس الوضع كذلك في امريكا الشمالية وحدها, بل في أوروبا ايضا, فهناك حديث مؤكد عن اندماج الخطوط الجوية البريطانية مع كيه. إل. إم الهولندية, عقب فشل عملية الاندماج بين كيه إل. إم واليطاليا الايطالية. ويرى المراقبون ان افضل صفقة هي ان تشتري الخطوط الجوية البريطانية اسهم الهولندية ثم يتم دمج العمليات من اجل خفض التكاليف في الشركة الهولندية. لكن تاريخ صناعة الطيران مليء بالاحلام الكبيرة بالاندماج والتحالف بين الشركات, لكن غالبية هذه الاحلام لم تتحقق سواء بسب الصعوبات في ابرام صفقات يحبذها اصحاب الاسهم والواقع المحرج للسياسة او بسبب سلطات مكافحة الاحتكار. في حالة الخطوط الجوية البريطانية, حاولت في عام 1989 ان تقيم تحالفا مع يونايتد ايرلاينز الامريكية, لكن الصعوبات هذه المرة جاءت من جانب الشركة الامريكية ولم يتم التحالف. ثم في عام 1992 حاولت البريطانية الاندماج مع كيه. إل. إم على أن يكون لاصحاب الاسهم في الشركة الهولندية 30 ـ 40% من الاسهم في الشركة الجديدة. لكن الخلافات حول تقيم اسعار الاسهم, افشلت الصفقة وقد يحدث ذلك مرة اخرى هذه المرة. ومرت الخطوط البريطانية ايضا بتجربة سيئة حيث تملك نسبة 24.6% من اسهم يو اس للطيران, التي كانت تسمى في ذاك الوقت يو. اس. إير وانتهى الامر بنزاعات قضائية وانفصال عندما اعلنت البريطانية عن صفقة تحالف جديد كبيرة مع امريكا اير لاينز حتى هذه الصفقة الجديدة واجهت صعوبات من سلطات مكافحة الاحتكار حيث طلب الاتحاد الأوروبي ان تتخلى الشركة عن مزيد من الحقوق في مطار هيثرو, لكن الشركة لم توافق. ورغم ان البريطانية وامريكان ايرلاينز اعضاء في الاتحاد الدولي لشركات الطيران الا انه ليس مسموحا لهما بالاشتراك في برامج طيران عبر الاطلسي متوافرة, بما يعني ان شراكتهما ليس لها مغزى. الحقيقة ان اكبر نجاح حققته الخطوط الجوية البريطانية هو في حصولها على نسبة 25% من اسهم شركة كانتاس الاسترالية للطيران. احتمالات الاندماج الجديد الآن يلوح في الافق احتمال نجاح الاندماج بين الخطوط الجوية البريطانية وكيه. رل. إم كل من شركتي الطيران ترفضان التعليق على المحادثات الجارية والواضح انه ليس هناك ما يؤكد او يشير الى شكل الاندماج الجديد. ففي الوقت الذي كان امام الشركتين الفرصة للسيطرة على السوق الأوروبية عندما كانا ينويان الاندماج عام 1992 فقد تغيرت الأمور منذ ذاك العام كثيراً. فقد تم خصخصة شركة لونتهانزا الالمانية وايرفرانس الفرنسية (رغم ان الحكومات لا تزال تملك نسبة من الاسهم) واصبحتا منافستين قويتين في السماء الأوروبية. الحقيقة ان اخطر منافسة تأتي من جانب ايرفرانس التي اعلنت عن تحقيق ارباح بلغت 2.3 مليار فرنك فرنسي (362 مليون يورو) خلال العام الماضي في مارس في الوقت الذي اعلنت فيه الخطوط البريطانية عن خسائر بلغت 24.2 مليون استرليني (393 مليون دولار) خلال نفس الفترة. من ثلاثة اعوام فقط كانت ايرفرانس بالكاد لا تخسر ولا تسجل ارباحا ايضا في الوقت الذي كانت البريطانية تسجل 640 مليون استرليني سنويا وتدعى انها اكثر شركات العالم تحقيقا للابراح. ثم بدأت ايرفرانس في اعادة الهيكلة من خلال برنامج يتكلف 20 مليار فرنك فرنسي بدعم من الحكمومة التي عانت الكثير من انتقادات من بروكسل والخطوط البريطانية ضد هذا الدعم. استعانت الحكومة بستيفن ولف كرئيس للشركة, وهو الذي انقذ شركة يونايتد ايرلاينز من قبل, ويرأس حاليا يو. اس للطيران, واستطاع تحويل مطار شارل ديجول, قاعدة ايرفرانس الرئيسية الى مركز نقل جوي اقليمي على غرار المراكز الامريكية. كما اقامت الشركة تحالفا مع شركة دلتا للطيران من خلال اتفاقية سماوات مفتوحة بين فرنسا وامريكا, بما يعني ان الشركة الفرنسية تستطيع ان تشغل رحلات مباشرة الى بعض المدن الامريكية. مقابل بعض النقاط المتفرقة على الساحل الشرقي الأمريكي في السابق, وليس هناك أي مآخذ بخصوص مكافحة الاحتكار على اير فرانس, كما هو الحال بالنسبة لشركة لوفتهانزا الالمانية ويونايتد الامريكية. وقد اقتنع الكثيرون خاصة في الولايات المتحدة بأنه ليس من الضروري ان يمر المسافرون من الولايات المتحدة لأوروبا عبر مطار هيثرو المزدحم جدا, وان مطار شارل ديجول الأحدث أصبح أفضل من حيث الهدوء, ونتيجة ذلك ان عائدات ايرفرانس من رجال الأعمال الذين يستخدمون مركز شارل ديجول كنطقة انطلاق الى اوروبا ارتفعت بنسبة 24% سنويا (أي ضعف متوسط ارتفاع الارباح في الطيران على مستوى العالم). وقد حققت الشركة ذلك عن طريق تنظيم الرحلات القادمة والخارجة في خمس موجات يوميا, مع دعم وتعزيز هذه الموجات في أوقات الذروة, بدلا من ترك المسافرين أو الركاب لفترات انتظار طويلة مملة انتظارا لرحلات الى أماكن اخرى في اوروبا. وقد أمكن تحقيق ذلك في مطار شارل ديجول لأن المطار به طاقة استيعاب كبيرة, وعندما تعمل شركة طيران بهذه الطريقة فهي توفر خدمة أفضل عبر شبكتها فضلا عن تخفيض زمن الانتقال الى تحقيق الارباح العالية وزيادة معدل الاستفادة من الطائرات وتحسين اقتصاديات التشغيل. هذا هو سبب ارتفاع ارباح ايرفرانس ومعاناة الخطوط الجوية البريطانية من الخسائر, وتسجل الخطوط البريطانية أغلب عائداتها الآن من الطيران الى الولايات المتحدة, في الوقت الذي تخسر فيه نحو 300 مليون جنيه استرليني في السوق الاوروبي. مطار هيثرو شديد الازدحام لدرجة ان الطيران فيه يعتبر موجة واحدة مستمرة دون توافر طاقة استيعاب في أوقات الذروة لخفض وقت انتظار الرحلات الاخرى, لذلك فإن زمن التغيير بين الاتجاهات يكون أطول كثيرا. محاولات اخرى لم تحقق ارباحا كما ان استراتيجية الخطوط البريطانية في انشاء خط طيران خاص في ألمانيا وشراء طائرات فرنسية صغيرة للعمل عليه تحقق أرباحا, بل بدأت الخطوط البريطانية تشغيل خط طيران خاص بها بتكاليف منخفضة من مدينة ستانستيد شمالي لندن. كما تقوم الشركة بالتخلص من طاقة الاستيعاب الزائدة وتركز على النقل المنتظم بدلا من ركاب العطلات الذين يبحثون عن التخفيضات, هذا يعني التركيز على النقل الجوي الى أماكن من والى مطار هيثرو. هذه الاستراتيجية وصفقة (كيه.ال.ام) كيف تتوافق هذه الاستراتيجية مع صفقة شراء أسهم في شركة (كيه.ال.ام) ؟ لا يبدو عند الوهلة الأولى ان هناك تناغما بين هذه الصفقة واستراتيجية الخطوط البريطانية, فكيف تتمشى سياسة خفض الطاقة الزائدة مع امتلاك شركة خطوط طيران أصغر لها تكاليفها؟ وليس المركز الاقليمي لمطار شيفول بالنسبة لشركة (كيه.ال.ام) يصلح لأن يكون بديلا جذابا لمطار هيثرو, كما كان الوضع من قبل, لأنه أصبح الآن أكثر ازدحاما. يقول خبراء الخطوط الجوية انه في حال سقوط الامطار وهبوب العواصف يعمل مطار شيفول بنصف طاقته بالكاد التي تبلغ 72 اقلاعا وهبوطا في الساعة. لكن أحد خبراء الطيران يعتقد ان صفقة (كيه.ال.ام) قد تتوافق مع استراتيجية الخطوط البريطانية اذا استخدمت امستردام كمركز اقليمي لها في اوروبا, وتستفيد من انخفاض زمن تغيير الاتجاه وموجات الربط بين الرحلات الأخرى مثل الذي تفعله ايرفرانس في مطار شارل ديجول. محاولة مرة أخرى يقول اندرو لايت المحلل في بنك سالمون سميث بارني في لندن ان الخطوط البريطانية يمكن ان تستفيد من القيام برحلات جوية على خطوط (كيه.ال.ام) ويمكنها ان تعطي التذاكر المخفضة التي لم تعد تريدها للشركة الهولندية لنقل ركابها, لأنها تفعل ذلك بالفعل حاليا. الحقيقة ان ثلث ركاب كيه.ال.ام الذين يمرون بمطار شيفول يأتون من رحلات اوروبة بهدف السياحة والاستفادة من التخفيضات للمسافات الطويلة ولذلك تسجل كيه.ال.ام نسبة اشغال مقاعد 100%, لكن المشكلة ان عائدات الشركة منخفضة لأن الأرباح تصل الى 29 مليون يورو (30 مليون دولار) من أصل عائدات 3.6 مليارات يورو. لذلك يمكن ان تقوم استراتيجية الخطوط البريطانية على النقل على خطوط كيه.ال.ام بدلا من ان يحصل المنافسون على 10% عائدات هذه الخطوط, مثل ايرفرانس ولوفتهانزا. لكن لسوء الحظ فإن تكاليف كيه.ال.ام مرتفعة كما هو الحال بالنسبة للخطوط البريطانية, وبعد الاندماج لابد ان يتم خفض التكلفة بنسبة كبيرة. ويرى رئيس الخطوط البريطانية ان صفقة كيه.ال.ام فرصة لحل مشكلات تعانيها الخطوط البريطانية من عملياتها في اوروبا, ولاسيما التخلص من أحد المنافسين في السوق الاوروبية, لكن هذه الفكرة بالتأكيد سوف تخطر على عقول سلطات مكافحة الاحتكار في بروكسل وفي أماكن أخرى. وفي الوقت الذي يحاول فيه المنافسون وقف صفقة يونايتد ايرلاينز ويو.اس للطيران في امريكا, سوف تظهر ايضا اعتراضات في اوروبا من جانب كل من فيرجين اتلانتيك ولوفتهانزا وايرفرانس, وربما تحتاج الخطوط البريطانية الى دراسة العواقب قبل ان تقدم على هذه الصفقة.