كنا ومازلنا نعيش في مرحلة زراعة وصناعة وتعليب الاغذية النباتية والحيوانية التي تم تزويدها بالاسمدة الكيماوية اذا كانت نباتية وبالهرمونات المنشطة اذا كانت حيوانية ورشها بالمبيدات الكيماوية اثناء مراحل الانتاج المختلفة. ولقد اثار هذا الموضوع جدلا واسعا على مستوى دول العالم. واجريت حوله الابحاث والدراسات العديدة من كافة جوانبه الاقتصادية والتجارية والدراسات العلمية المتخصصة في جوانبه الفنية كيميائيا وفيزيائيا وبيولوجيا وبيئيا وصحيا. ففي حين يبرر المنتجون والاقتصاديون بأن هذه التقنيات الحديثة تعمل على زيادة الانتاج وزيادة العرض بالسرعة المطلوبة التي يتطلبها الطلب المتزايد على الغذاء نتيجة لزيادة عدد السكان بمعدلات مرتفعة على مستوى العالم يضع الفنيون المتخصصون ضوابط وانظمة تضبط عمليات استخدام تلك المواد الكيماوية والهرمونية والمبيدات الحشرية اثناء مراحل الانتاج. غير ان الكثيرين من المزارعين والمربين للحيوانات والدواجن يجهلون تلك الضوابط وتلك الانظمة المحكمة واذا وجد لديهم المهندسون والمرشدون الزراعيون الا انهم لا يدركون تماما حجم المسئولية وحجم الضرر الذي يترتب على مخالفة تلك الضوابط وتجاوز تلك الانظمة. أو ان الطمع والجشع وتغليب هدف الربح والمصلحة المادية قد يغطي على بصائرهم فيدفعهم الى تجاوز الانظمة بهدف تسريع وزيادة الانتاج وتخفيض التكاليف مما يترتب عليه اضرارا بالغة على الانسان والحيوان والبيئة بشكل عام. ولاتكاد الدول النامية تفوق من هذه الصاعقة التي مازالت قيد الدراسة والتمحيص وتشديد الرقابة وتحديد النسب المثالية للكيماويات والهرمونات والمبيدات والزام المزارعين ومربي المواشي والدواجن وتجار الاعلاف وصناع الاغذية بها, فلا تكاد الدول تفوق من ذلك حتى تفاجأ من جديد بصاعقة جديدة وهي الاغذية المحسنة جينيا والمعدلة وراثيا بغرض تغيير الغذاء وتهجينه وتغيير معادلة تركيب القيمة الغذائية التي يحتويها او تغيير نوعه وجنسه الى جنس جديد. ويبدو ان هذا النوع من الغذاء بدأ بالفعل يغزو الاسواق منذ عام 1944م وانتشر بشكل واسع بعدما اقرت بعض الدول صلاحيته للاستهلاك البشري. والحقيقة اننا في دول الخليج العربية نرى الاسواق مليئة بالاغذية التي كتب عليها باللغة العربية انها قد تم صناعتها في احدى الدول الصناعية المتقدمة وهي في الحقيقة لم تر أجواء تلك الدولة على الاطلاق, فيتم استغلال المستهلك واستغبانه وتضليله. ويقصد المنتج من ذلك بأن هذه السلعة تخضع لمواصفات الغذاء الخاصة بتلك الدولة فيصدق المستهلك المسكين ذلك وتنطلي عليه الأكذوبة. وقد يكون بعض تلك السلع بالفعل قد تم صناعته في تلك الدول الصناعية, غير انه لا يوجد ما يضمن خضوع ذلك المنتج الى الفحص من قبل تلك الدول واعتماد مواصفات الغذاء المعتمدة لديها عليه. فنحن جميعا ندرك ان ما يصنع للتصدير يختلف عما يصنع للاستهلاك المحلي في كافة دول العالم وهناك صناعات متخصصة في التصدير فقط وخاصة في المناطق الحرة. ويلعب فضول المستهلك ونزعته القوية للاستهلاك وتوفر القوة الشرائية لديه دوراً بارزاً في تدعيم الطلب على تلك المنتجات ومن ثم تشجيع المنتجين على زيادة انتاجهم استجابة للزيادة المضطردة في الطلب, غير ان سلوك المستهلك هذا لا يمكن السيطرة عليه الا بنشر التوعية العامة لدى المستهلكين والحد من نزعتهم الجامحة تجاه الاستهلاك. وان ذلك اصبح صعباً للغاية. ان السيطرة الحقيقية والتي تكمن كافة ازرار التحكم بها في يد الحكومة هي الرقابة المركزية على الغذاء. وهذا الامر يتطلب بالفعل تطوير مختبرات البلديات الى مختبر مركزي ذي فروع مرتبطة الكترونياً وتزويده بالخبراء من كافة التخصصات التي يعنيها الأمر وذلك من اجل إحكام الرقابة على كافة مصادر الغذاء وفروعها ومتابعة طرقها حتى تصل الى المستهلك النهائي لها. د. محمد ابراهيم الرميثي