تتعرض منظمة الدول المصدرة للنفط (اوبك) كلما ارتفعت اسعار مشتقات النفط مثل الوقود وغاز التدفئة في الغرب إلى حملة انتقادات واسعة من المستهلكين واجهزة الاعلام والسياسيين بل وحتى العامة الذين لا علاقة لهم بهذا الموضوع, وتتعالي اصوات هؤلاء مطالبة المنظمة بزيادة الانتاج. وتستند هذه الانتقادات إلى فهم يتمثل في ان اوبك هي المسئولة عن ارتفاع الاسعار. الا ان الامر ليس كذلك اذ ان المنظمة لا علاقة لها بارتفاع اسعار مشتقات النفط ومع هذا تكون هي دائماً كبش الفداء. ولندلل على صحة هذا الرأي نقول ان معظم المستهلكين يعتقدون ان هناك علاقة مباشرة او نسبية بين اسعار النفط الخام واسعار مشتقات النفط مثل وقود السيارات وغاز التدفئة. فإن ارتفعت اسعار هذه المشتقات فإن السبب في ذلك يكون اتجاه اسعار النفط الخام إلى الاعلى. وبعبارة اخرى ينظر هؤلاء إلى اوبك على اساس انها هي المسئول الاول عن الزيادات في الاسعار. وهذا ابعد ما يكون عن الحقيقة. وبالرغم من وجود علاقة بين اسعار الخام واسعار المشتقات, فإن هذه العلاقة ليست مباشرة ولا هي نسبية ايضاً, ويمكن ارجاع سبب ارتفاع اسعار المشتقات إلى كلمة واحدة فقط هي (الضرائب) وبطبيعة الحال فإن مستهلكي مشتقات النفط هم آخر من يعلم. وتجبي حكومات الدول المستهلكة للنفط ضرائب يتفاوت حجمها من بلد لآخر ومن منطقة لاخرى. وتوضح الرسوم التوضيحية من 1 إلى 3 تحليلاً يكشف من يحصل على ماذا من برميل نفط مكرر. ويكشف الرسم التوضيحي رقم 1 ان الاتحاد الاوروبي هو واحد من المناطق التي تفرض مستويات عالية من الضرائب, حيث تبلغ 68% من السعر النهائي في الوقت الذي لا تحصل فيه شركات التكرير ومرافق التوزيع سوى على 16% والدول المصدرة على 16% ايضاً. ويكشف الرسم التوضيحي رقم 2 الوضع في الدول الصناعية الكبرى حيث تشكل الضرائب مقدار 49% من سعر برميل النفط المكرر, بينما تذهب نسبة 26% لشركات التكرير ومرافق التوزيع ولا تحصل الدول المصدرة الا على نسبة 25% فقط. ويوضح الرسم رقم 3 الوضع في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ككل, حيث نجد ان الضرائب تشكل مقدار 48% من السعر النهائي, وشركات التكرير والتوزيع على 30% والدول المصدرة على 22%. وهكذا نجد انه وفي حالة من هذه الحالات فإن منظمة اوبك والدول المصدرة الاخرى تحصل اقل المبالغ. ويكشف الرسم التوضيحي رقم 4 عن مزيد من التحليل الذي يوضح من يحصل على ماذا من برميل النفط المكرر اذ يقدم تحليلاً دقيقاً للتكلفة الفعلية لبرميل النفط يعد تكريره والتي تتكون من اسعار النفط الخام وهامش الانتاج والضرائب. ويقدم الرسم معلومات تفصيلية وارقام دقيقة لهذه التكلفة في الدول الرئيسية المستهلكة للنفط خلال الفترة 1995 ـ 1999. وفي معظم الحالات يتضح ان الحصة الاكبر من تكلفة برميل النفط المكرر لا تذهب إلى الدول المصدرة بل مباشرة إلى خزائن حكومات الدول المستهلكة في شكل ضرائب. واذا تأملنا هذه الارقام عن كثب فإننا نجد اولاً انها توضح الفروقات الهائلة بين ما يدفعه مستخدموا السيارات نظير مشتقات النفط مثل الوقود في الدول الصناعية الكبرى. وعندما ترتفع اسعار الوقود تتلقى المنظمة سيلاً من الشكاوى عبر البريد الالكتروني في بعض الدول المستهلكة خاصة الولايات المتحدة الامريكية تتركز كلها حول ارتفاع الاسعار والمفارقة التي ينبغي التوقف عندها هنا وهي ان اسعار الوقود في الولايات المتحدة هي الارخص بين الدول الصناعية. ولكي نتحقق من هذا يكفي فقط ان نقول ان تكلفة برميل النفط المكرر في الولايات المتحدة بلغت 9.43 دولارا امريكيا في الوقت الذي تضاعفت فيه في اليابان )4.91( وبلغت فيه ارتفاعاً شديداً في دول الاتحاد الاوروبي )1.95( وعليه وحتى داخل الولايات المتحدة نفسها حيث تقل الضرائب عن نظيراتها في الاتحاد الاوروبي واليابان, نجد ان مستوى الضريبة للبرميل الواحد لا يزال مرتفعاً )8.13 دولارا(. ثانياً لابد وان مستخدمي السيارات في اوروبا واليابان لاحظوا انه وعندما تنخفض اسعار النفط الخام, كما حدث خلال الفترة 9989 ـ 1999 حيث انخفضت إلى 10 دولارات للبرميل, فإن اسعار الوقود لم تنخفض بنسبة مشابهة, كما هو متوقع منطقياً. وفي واقع الامر فإن تلك الاسعار تستمر في الارتفاع. ويوضح هذا الرسم التوضيحي لماذا يحدث ذلك, فعندما تنخفض اسعار الخام تقوم بعض الدول الصناعية بانتهاز الفرصة لزيادة الضرائب على الوقود, وهكذا تحافظ على استمرار الاسعار في نفس المستويات ان لم يكن اعلى. واذا اخذنا المملكة المتحدة كمثال ويوضح الرسم التوضيحي رقم 4 اسعار النفط الخام بـ 3.17 دولاراً للبرميل العام ,1995 ارتفعت إلى 1.21 دولار العام ,1996 ثم انخفضت إلى 6.12 دولاراً العام 1998 قبل ان تعاود الارتفاع مرة اخرى إلى 6.17 دولاراً العام 1999. وهنا يجب ان نتوقع انه اذا كانت هناك علاقة مباشرة بين اسعار الخام واسعار المشتقات, فإن اسعار الوقود كان يجب ان تتأثر بتذبذب اسعار النفط الخام الا ان ذلك لم يحدث! وتوضح لنا اسعار برميل النفط المكرر في المملكة المتحدة الارتفاع المتواصل لتكلفة البرميل المكرر خلال الفترة نفسها من 1.109 دولاراً العام 1995 إلى 1.127 دولاراً العام 1997 ثم إلى 5.141 دولاراً العام 1999. والسبب واضح وهو ان حكومة المملكة المتحدة دأبت عل زيادة الضرائب التي تفرضها على برميل النفط المكرر من 6.64 دولار العام 1995 إلى 1.80 دولار العام 1997 وإلى 1.96 دولاراً العام 1999. واخيرا اذا اعتقد البعض ان اسعار الوقود وغاز التدفئة مرتفعة, فلينظر إلى الرسم التوضيحي رقم 5 الذي يتضمن ارقاماً اعدها خبير امريكي في شئون النفط ليوضح تكلفة برميل النفط الخام والوقود مقارنة باسعار سلع استهلاكية اخرى مثل الحليب والمياه الغازية. وكشفت هذه الارقام عن حقيقة غريبة وهي ان اسعار الوقود ارخص كثيراً مقارنة باسعار معظم السلع الاستهلاكية التي يقبل عليها المستهلكون. وعليه وبينما يجأر المستهلكون بالشكوى عندما ترتفع اسعار الوقود, يشعر هؤلاء المستهلكون انفسهم بالغبطة والسرور من دفع اسعار مقابل سلع اخرى هي في واقع الامر, وبحساب سعر تكلفة برميل النفط المكرر اعلى بكثير مما يدفعونه لشراء الوقود. وتبقي النقطة الجوهرية التي لا مناص لانكارها ان حكومات بعض الدول الصناعية تحصل على ضرائب من النفط تساوي ثلاثة اضعاف ما تحصل عليه الدول المصدرة من واردات تلك الدول من النفط. وحتى وان تزايدت كميات النفط الخام في الاسواق, فإن اجراء خفض كبير في هذه الضرائب المرتفعة هو العنصر الوحيد الحاسم لخفض اسعار الوقود والمشتقات الاخرى. وكلنا الآن يعرف على ملعب من توجد الكرة فلنفكر معاً.