يتناول هذا العرض مسألة النفط عربيا بشكل عام, وخليجيا بشكل خاص, من زوايا تأخذ بعدا مستقبليا يهم هذه الدول المدعوة إلى الإسراع بتطوير القطاعات النفطية والاقتصادية عموما كي تكون جاهزة في المستقبل في ظل التوقعات بزيادة الطلب العالمي, مما يرفع من حصة دول المنطقة العربية من حجم الصادرات العالمية في مجال الطاقة. فما الذي يجب على الدول العربية ـ ومن بينها الخليجية ـ عمله في هذه المرحلة والمراحل المقبلة؟ وما مبررات ذلك؟ هذا ما يجيب عنه نقولا سركيس في عرضه لوجهة نظره الخاصة في هذا المجال. مرت صناعة الغاز والنفط في الدول العربية بثلاثة تطورات رئيسة في العام الماضي وفي الأشهر الأولى من العام الحالي, وكان من شأن هذه التطورات إيجاد ظروف مواتية لتنفيذ عدد كبير من المشروعات النفطية في مختلف القطاعات والدخول في مجالات أوسع من التعاون مع شركات الطاقة العالمية. وأول هذه التطورات تمثل في قوة الدفع الكبيرة التي تسببت فيها الانتعاشة الملحوظة لأسعار النفط والغاز منذ مارس 1999, وهو الأمر الذي أدى إلى زيادة كبيرة في إيرادات النفط في الدول العربية بنسبة وصلت إلى 5.38%, حيث بلغت هذه الإيرادات 5.112 مليار دولار امريكي بعد أن انخفضت إلى 2.81 مليار دولار العام 1998. وعلى الرغم من أن هذه الإيرادات تظل متواضعة بالمقارنة بالاحتياجات المالية لهذه الدول, إلا أن هذه الزيادة في الإيرادات زادت من إمكانية تنفيذ هذه الدول للمشروعات التي تطمح إليها في مجال الغاز والنفط والبتروكيماويات, وهي المشروعات التي يفترض الآن أن تستقبل استثمارات تصل إلى 5.117 مليار دولار امريكي في الفترة ما بين العامين 2000 و2004. وثاني هذه التطورات الكبرى يتمثل في النجاح الذي تم تحقيقه باتجاه فتح هذه الدول ـ بما فيها المملكة العربية السعودية ـ لقطاعات النفط والغاز الموجودة فيها أمام المستثمرين الأجانب, وكذلك الخطوات التي تمت بشأن الإسراع بعملية الخصخصة وخفض احتكار الدولة للعديد من المجالات. وبوجه عام توجهت هذه الدول بشكل كبير إلى العمل على تحرير اقتصاداتها. وفي هذا النطـاق نجد أن الدور المتزايد والكبير الذي بدأ إسناده إلى القطاع الخاص أصبح معترفا به بشكل واسع على أنه وسيلة أساسية وحيوية لزيادة الاستثمارات وضمان عودة جزء من الإمكانات والقدرات المالية العربية الموجـودة في الخـارج إلى أوطـانهـا والتي تقدر بما يزيد على 520 مليار دولار أمريكي. والتطور الثالث والأخير في هذا الشأن يتمثل في أنه إضافة إلى كون الدول العربية تنتمي إلى الدول المنتجة والمصنعة الرئيسة للنفط في العالم, فإنها أصبحت الآن أيضا من العناصر الرئيسة في إنتاج الغاز الطبيعي على مستوى العالم وتقوم بتنفيذ مشروعات عديدة لتوفير متطلباتها المحلية من الطاقة وزيادة صادراتها. ومما لا شك فيه أن جميع هذه التطورات سوف تؤدي إلى زيادة ملموسة وكبيرة في حصة الدول العربية من الصادرات العالمية في مجال الطاقة والنفط. ففي العام الماضي بلغت حصيلة صادرات هذه الدول النفطية 8.36% من صادرات العالم النفطية, في حين بلغت صادرات هذه الدول من الغاز نسبة 6.14% من الصادرات العالمية. وهذه الحصص تظل منخفضة وقليلة للغاية إذا ما قورنت بما تتمتع به هذه الدول من قدرات هايدروكربونية كبيرة, حيث تمتلك هذه الدول تبعا لآخر الاحصاءات التي تمت في يناير هذا العام 2.61% من الاحتياطات العالمية للنفط و4.21% من احتياجات الغاز في العالم. والسؤال المعلق الذي يبرز على الساحة بشدة هو: هل ستكون أسعار الطاقة في الأعوام المقبلة كـافية لحث دول الشرق الأوسط وشمالي أفريقيا على الإسراع في زيادة ودعم عمليات الإنتاج والبحث والتنقيب في مجال الطاقة, أم لا؟ مما لا شك فيه أن مثل هذا السؤال يشكل قضية شائكة وحيوية بالنسبة للدول المعنية به. وواقع الأمر يشير إلى أنه في ضوء تطورات قدرات وإمكانات هذه الدول فإنها تواجه مطالب مالية كبيرة تدعوها إلى تطوير صناعاتها التكريرية والبتروكيماوية والإسراع في دعم مشروعات الغاز الطبيعي والعمل على تطوير القطاعات الاقتصادية الأخرى بشكل عام. وربما يبدو السؤال على قدر الأهمية والحساسية نفسها بالنسبة للدول المستوردة. فطبقا لآخر التوقعات التي قامت بها الهيئة الدولية للطاقة وإدارة معلومات الطاقة التابعة لوزارة الطاقة الامريكية, فإن دول الخليج وحدها في حاجة إلى أكثر من مضاعفة إنتاجها من النفط في الفترة التي تمتد من الآن إلى العام ,2010 وذلك حتى تتسنى لها مواجهة النمو في الطلب العالمي على الطاقة بوجه عام. د. نقولا سركيس ـ رئيس المركز العربي للدراسات البترولية بباريس