تشير الاحصائيات الى ان الناتج الاجمالي لأعضاء أوبك (11 عضوا قد كان في مارس الماضي 78.26 مليون برميل يوميا ارتفع في ابريل الى 70.27 مليون برميل في اليوم ثم الى 35.28 مليون برميل في اليوم في مايو الماضي. بيد ان نسبة التزام الاعضاء بالحصص المتفق عليها في تدن مستمر, وتدرس المنظمة حاليا زيادة الانتاج من 500 الى مليون برميل يوميا وذلك تحت ضغوطات شديدة من الدول المستهلكة الرئيسية للنفط, ويبدو ان السؤال الذي يطرح ذاته هو أين ذهب الطلب العالمي المتنامي على النفط عندما كان هناك فائض في الانتاج وتدهور في الاسعار, أي قبل مارس 2000 وخلال عام 1999 الذي عانت فيه دول اوبك من تدهور اسعار النفط.. فلماذا لا يزداد الطلب العالمي وفقا لقانون الطلب والعرض عندما انخفضت أسعار النفط ووصلت الى 11 دولاراً للبرميل الواحد؟ ولماذا ترتفع الاسعار بهذه السرعة بهذا المعدل خلال فترة ثلاثة أشهر زاد فيها الانتاج الرسمي المعلن بمقدار 57.1 مليون برميل يوميا من دول اوبك بالاضافة الى الزيادة غير المعلنة (أي غير الرسمية) التي تتم بتجاوز الحصص المقررة لبعض الاعضاء والتي قد تصل الى حجم الزيادة الرسمية تقريبا. في الحقيقة ان كل ذلك يؤكد لنا ان حركة أسعار النفط الخام والغاز الطبيعي لا تخضع لآلية العرض والطلب وإنما تخضع لعوامل اخرى استراتيجية ترتبط بالمصالح الاقتصادية للدول المستهلكة للنفط الخام بشكل رئيسي وهي الدول الصناعية الكبرى فهي المتحكم الرئيسي بالطلب ولديها طرق معينة لتخزين النفط الخام واستخدامه كصمام أمان لضبط السوق عند الحاجة, وهي المتحكم الحقيقي بالانتاج كذلك. فمن الناحية التكنولوجية والاقتصادية تمكنت الدول الصناعية من الرقي بصناعة النفط الى المستويات التي نراها اليوم وجعل الانتاج مرنا الى درجة عالية جدا تستطيع من خلاله التحكم بالعرض بسهولة ويسر. أما من الناحية السياسية والاستراتيجية فقد تمكنت بالفعل من بناء علاقات مع الدول المنتجة بدرجة من القوة تجعل الدول المنتجة حريصة على مصالح الدول المستهلكة كحرصها على مصالحها ذاتها. والحقيقة ان الحركة التي تشهدها أسواق النفط الخام اليوم تبدو وكأنها حركة غير طبيعية وسريعة, حيث تبدو حركة أعضاء أوبك الرسمية وغير الرسمية سريعة غير معتادة واجتماعاتهم كثيرة جدا وتصريحاتهم متناقضة, فهناك من يصرح باستقرار السوق وعدالة الاسعار وتوازن العرض والطلب وهناك من يصرح بغير ذلك. وقد يلجأ ذات العضو الى تصريحات متناقضة في فترة قصيرة جدا دون حدوث مستجدات اقتصادية تبرر تغير الآراء. ان كل تلك الحركة السريعة توحي بعدم الاستقرار والاضطراب الناجم عن عدم اتفاق الاعضاء وضبابية مستقبل المنظمة. فلنتفاءل ولنقل انها فترة مخاض وليست فترة احتضار. ويبرر البعض الخوف من بقاء الاسعار مرتفعة لفترة طويلة بأنه قد يؤدي الى دخول منتجين جدد الى سوق النفط من خارج أوبك مما يؤدي معه الى زيادة الانتاج بشكل كبير وتدهور الاسعار من جديد. بيد ان المدى الطويل الذي قد يؤدي الى دخول منتجين جدد الى السوق هو مدى لن يقل عن عام كامل وليس ثلاثة أشهر. ان الاضطراب الذي يبدو ظاهرا جليا يعكس حالة من التمزق الحقيقي داخل المنظمة.. فهل تنجم عن حالة المخاض الحالية ظهور منظمة جديدة على انقاض المنظمة الحالية يستبعد منها الاعضاء الذين لا يبدون انسجاما واتفاقا في وجهات النظر مع التوجه العام لأعضاء المنظمة. لا شك ان ذلك احتمال وارد وقوي في الظروف الاقتصادية والسياسية والأمنية الحالية خاصة وان دخول أوبك قد برهنت على انها لم تعد قادرة على بناء اقتصاديات قوية دون الاعتماد على النفط الخام أو الغاز الطبيعي أو كليهما. د. محمد ابراهيم الرميثي