مر المجتمع الليبي بتحولات سياسية واقتصادية واجتماعية منذ ثورة 1969 وقد شمل التحول الاقتصادي المؤسسات الاقتصادية وعلاقات الانتاج, والتشريعات المنظمة للنشاط الاقتصادي بالاضافة الى دور القطاعات المكونة للنشاط الاقتصادي. وقد تزامنت هذه التحولات وتوافقت مع تطور حركة المجتمع والظروف التي مر بها الاقتصاد الليبي على مدى ربع ويتطلب التعرف على التطورات التي طرأت على هيكل الاقتصاد الليبي مسحاً شاملاً لواقع القطاعات والمؤسسات الاقتصادية وعرضا تحليلياً لمختلف التشريعات والسياسات الاقتصادية المطبقة, ومعرفة الدور الذي تلعبه هذه القطاعات والمؤسسات في النشاط الاقتصادي. ولكن سنحاول ان نسلط الضوء عليه من خلال عرض المحاور التالية: ـ هيكل النشاط الاقتصادي. ـ دور القطاع العام والقطاع الخاص في النشاط الاقتصادي. ـ التشريعات المنظمة للنشاط الاقتصادي وتطورها. يتصف اقتصاد ليبيا بكونه اقتصادا صغير الحجم نسبياً يعتمد على مورد طبيعي ناضب هو النفط كمصدر للدخل ومورد للصرف الاجنبي, كما يتصف بارتفاع معدل السكان ومحدودية القوى العاملة الوطنية خصوصاً العاملة الماهرة, ويعتبر اتساع الرقعة الجغرافية من الملامح المميزة لليبيا في ظل قلة عدد السكان, الأمر الذي اضفى الى تناثر السكان وتدني الكثافة السكانية في المناطق الداخلية والريفية من البلاد في الوقت نفسه تزداد الكثافة السكانية في المدن الرئيسية المطلة على الساحل وترتب على ذلك صعوبات وأعباء اضافية واجهت مجهودات التنمية وحدت من الاستغلال الافضل للامكانيات المتاحة, وقد ترتب على ذلك جملة من النتائج انعكست على جملة المتغيرات الهامة وهي: ـ الاستراتيجيات المتبعة في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية. ـ هيكل النشاط الاقتصادي ودور القطاعات المختلفة فيه. ـ هيكل الاستثمار والانتاج والاستخدام. ويوضح هيكل الناتج المحلي الاجمالي وانماط الاستثمار والاستخدام ومستوى الاداء في الاقتصاد الوطني, كما يعكس طبيعة المشاكل التي يعاني منها الاقتصاد. وقد وجهت جهود التنمية ورسمت استراتيجياتها بحيث تتحقق أهداف لتوسيع مصادر الدخل وتخفيف الاعتماد على النفط من خلال توجيه جل الاستثمارات نحو القطاعات الانتاجية كالزراعة والصناعة والعمل على اشراك المواطنين في تحقيق التحول الاقتصادي والاجتماعي وتحقيق تنمية مكانية متوازنة. ونلاحظ ان قطاع النفط والغاز يساهم بنحو 29% من اجمالي الناتج على الرغم من تدني الاهمية لقطاع النفط في هكيل الانتاج فيما بين 70 ـ 90 إلا انه ظل في المقدمة مع بقية القطاعات الاخرى, علاوة على كونه المصدر الرئيسي للصرف الاجنبي حيث تشكل الصادرات النفطية أكثر من 99% من اجمالي الصادرات. ـ تدني مساهمة القطاعات الانتاجية كالزراعة والصناعات التحويلية مقارنة بالنفط برغم ما حظيت به تلك القطاعات طيلة الفترة الماضية. ـ يأتي قطاع الخدمات والتشييد في الترتيب الثاني والثالث بعد النفط في الناتج المحلي باعتباره قطاع الخدمات المستخدم الرئيسي للقوى العاملة. ـ النقل والمواصلات والكهرباء والغاز والحياة 32% ـ الخدمات والتعليم والصحة 16% ـ الصناعة 15% ـ الاسكان 12% ـ الزراعة 12% ونلاحظ: ان ـ قطاعات النقل والكهرباء والتخزين حظيت بجل الاستثمارات فيما يشير الى الاهتمام الذي اعطي لبناء مشروعات البنية الاساسية للاقتصاد الليبي. ـ جاءت قطاعات التعليم والصحة ثانية بعد قطاعات البنية التحتية للاقتصاد حيث استحوذت على حوالي 16% من اجمالي الاستثمارات المنفذة. ومن المعايشة لواقع هياكل الاقتصاد نجد ان تميز قطاعات الخدمات بكونه المستخدم الرئيسي للقوى العاملةفي الاقتصاد حيث وصلت نسبة العاملين في هذا القطاع نحو 31% من اجمالي القوى العاملة. انخفضت اهمية الايدي العاملة في الزراعة الى 29% في 1970 الى 18% عام 1995م ويشير ذلك الى قلة الاعتماد في الزراعة على الايدي العاملة من خلال استخدام المكينة ونمو القطاع الصناعي وتوفير فرص عمل للقوى الوطنية العاملة بحكم النمو الاقتصادي الذي يشهده المجتمع, ولم يتجاوز نسبة الاستخدام في الصناعة التحويلية 8.9% بالرغم من التحسن الملحوظ في عام 1995 بمقارنة عام 1970. ـ اما دور القطاع العام والخاص في النشاط الاقتصادي: فقد اقتضت الضرورة قيام القطاع العالم بدور اساسي في النشاط الاقتصادي التحولي للمجتمع وتنامي هذا الدور وانحساردور القطاع الخاص. ـ فقد استهدفت جميع خطط التنمية الليبية تحقيق اهداف تنويع مصادر الدخل وتنوع القاعدة الانتاجية وتقليل الاعتماد على النفط وتحقيق الاكتفاء الذاتي وتقليل التباين بين دخل الافراد وتحقيق تنمية مكانية. ـ هناك خطط تحول اقتصادي من 1976 حتى 1986 دائرة عمل القطاع العام والقطاع الخاص من خلال هيكل التكوين الرأسمالي الثابت, وقد وزعت الاستثمارات بين القطاعين العام والخاص بحيث القطاع العام 86% من حجم الاستثمار الكلي الذي نفذ من عام 73 حتى عام 1995م بينما لم يحصل الخاص الاعلى 15%. ـ بلغ القطاع العام في الزراعة نحو 7.93% من حجم الاستثمارات بينما الخاص 9.6%. ـ اما في مجال الصناعة فقد استأثر القطاع العام بنحو 98% من حجم الاستثمارات وخص القطاع الخاص 2%. ـ أما في قطاع المواصلات والنقل بنحو 9.18% من اجمالي الاستثمار خص منها 3.15% للعام 6.3% للخاص وقد تم توزيع الاستثمارات في القطاعات الاخرى على نحو مشابه استحوذ القطاع العام على كل الاستثمارات التي نفذت في كل القطاعات وقد ترتب على ذلك. ـ تنفيذ البنية التحتية من طرق ومحطات كهرباء وشبكات ووسائل اتصالات وموانىء ومطارات. ـ بناء العديد من المصانع والمنشآت الانتاجية والخدمية في مختلف المجالات. ـ صارت الخزانة العامة هي الممول لكل الانشطة الاقتصادية في الدولة بالاعتماد على النفط. ـ صار القطاع العام هو المستخدم الرئيسي في المجتمع الامر الذي رتب جملة من الاعباء المالية التي تنامت مع زيادة السكان. ومنذ اواخر الثمانينات ومع انحسار عوائد النفط صارت الدول النفطية تواجه مشاكل تمويل حدت من قدرتها على استكمال برامجها التنموية, كما تدنت ايرادات الخزانة العامة بالاضافة الى ذلك فقد واجه الاقتصاد الليبي حصارا تقنيا فرض عليه من الخارج حال دون حصول المشروعات الصناعية على التقنية الحديثة والمعدات ولذلك كان لابد من التحول الى الانتاج وايجاد بدائل للنفط واعادة النظر في الكثير من المشروعات العامة وتقييم اوضاعها والتوجه نحو بيع وتمليك المشروعات للعاملين بها في اطار الملكية الجماعية ثم النظر في الاسس العامة للنشاط الاقتصادي والتوجه نحو القطاع الخاص (الفردي) . وقد وضعت التشريعات المنظمة للنشاط الاقتصادي الى ثلاث مراحل. ـ المرحلة الأولى: اتسمت بالتوجه نحو تحرير الاقتصاد الليبي من هيمنة الشركات العالمية. المرحلة الثانية: تميزت بترسيخ حلول الدولة والشركات المملوكة للمجتمع محل الافراد في ممارسة النشاط الاقتصادي عامة والتجاري خاصة وفي تلك المرحلة صدور قانون تأميم التجارة الخارجية وقصر نشاط الاستيراد على الشركات العامة من 79 حتى ,1986 وتم خلال ذلك منع التجارة والسمسرة والغاء ملكية الارض. المرحلة الثانية: وهي مرحلة تحول نحو الانتاج الاقتصادي في ظل الافراد والسماح للقطاع الخاص بمزاولة الاعمال الانتاجية صناعية وزراعية وحرفية ذات الطابع الانتاجي مع السماح بتأسيس شركات (تشاركيات) والهدف من ذلك زيادة القدرة الانتاجية للمجتمع دون استغلال الغير. وسمح للاشخاص بعد ذلك في مزاولة الانشطة الاقتصادية التي توسعت اكثر في مجال الانتاج والخدمات كالتعليم والصحة, الزراعة والتجارة والصناعة وحدث ذلك في القانون رقم 9 لسنة 1992م من خلال شركات مساهمة ومؤسسات وشركات عامة وصدور القرارات من مؤتمر الشعب العام التي تنظم عمل تلك المؤسسات الجديدة. المرحلة الرابعة: وهي التحول الاقتصادي الذي يهدف إلى رفع كفاءة الاداء الاقتصادي والتحول نحو الملكية الجماعية والفردية وتهدف إلى تنوع القاعدة الانتاجية والتخفيف من حدة الاعتماد على النفط كمصدر وحيد للدخل, واشراك اكبر عدد من المؤسسات والافراد في النشاط الاقتصادي وتخفيف العبء عن الخزانة العامة وتحقيق التخصص الافضل للموارد الاقتصادية في الاقتصاد الوطني وتحقيق اقصى عائد. ومن خلال النظام الجماهيري الشعبي ومن قبل نظام الشعبيات والغاء المركزية الحكومية وقيام كل شعبية بتوسيع الخدمات الاقتصادية وتمليك المشروعات الصناعية والزراعية التي تقع في نطاقها للافراد وحددت لجان شعبية لعمليات التمليك وحددت قيمة السهم 100 دينار. ومن المتوقع ان تؤدي هذه النتائج إلى تحقيق زيادة معدلات التشغيل في الشركات والمصانع المملوكة للافراد وايجاد قاعدة انتاجية تسهم بتوفير مصدر بديل للدخل ومشاركة الافراد في بناء الاقتصاد الليبي بشكل افضل والتخلص من الشركات التي كانت ترهق كاهل الخزانة مما يؤدي إلى توفير موارد تمويلية تستخدم في قطاعات اخرى, وزيادة موارد الخزانة عن طريق الضرائب التي تجبى من الشركات الجديدة وكذلك الوفر الذي يطرأ نتيجة لرفع الدعم الذي كانت تتحمله الخزانة وخلق فرص عمل جديدة والتخلص من البيروقراطية التي تعاني منها شركات القطاع العام.