مجموعة المدن التالية: لوس انجلس وديترويت (أمريكا), باريس (فرنسا), لندن (انجلترا), تويوتا سيتي (اليابان), ثم بومباي (الهند).. هي مدن وعواصم بارزة على المستوى العالمي لكنها تشهد منافسة متواصلة بين بعضها البعض قصد التربع على العرش في مجال تألقها والتمركز في المرتبة الأولى. * باريس ولندن: عواصم الموضة وعروض الازياء اذا تساءلنا عن اسباب الاهتمام الملح لاكبر دور الموضة وتصميم الازياء الراقية (هوت كوتور) بالتواجد في باريس بطريقة دائمة او بالحضور في الدورات الرئيسية لعروض الازياء, سوف نجد ان العاصمة الفرنسية تتصدر طليعة العواصم العالمية للموضة مثل نيويورك, ميلانو ولندن. خاصة وان هذه الاخيرة اظهرت في السنوات الماضية تطورا ملموسا مما جعلها تنافس باريس. ذلك ان برون جيل جديد من مصممي الازياء في لندن يعتبر مؤشرا مهما لدى الاوساط المختصة, رغم ان المؤشر الاهم هو ان البعض من هذا الجيل المتألق يعمل لحساب اشهر دور الازياء الفرنسية الباريسية (مثل جيفنشي, كريستيان ديور..) ولكن ورغم شدة المنافسة فان باريس تبقى نسبيا في الصدارة بتوافد مبدعي الازياء الراقية اليها وحتى الاجانب منهم مثل كيسننو, كارك لاجرفيلد وكذلك بتشبث الفرنسيين منهم بالبقاء في باريس مثل: ايف سان كوران, جان بول فوتيه وكريسيان لاكروا. * ديترويت وتويوتا سيتي في عالم السيارات. ديترويت او مدينة المحركات استعادت مكانتها من جديد في الخريطة العالمية لتصنيع السيارات. خاصة وانها تضم العمالقة الثلاثة (رمز القوة الامريكية) في الميدان. ان اعادة الهيكلة والاصلاحات التي مر بها قطاع السيارات في بداية الثمانينات من القرن الماضي كان لها دور كبير في العودة القوية لهذه المدينة التي تتواجد فيها شركات (جنرال موتورز) , فورد (وكرايزلر) . ورغم انها كانت مهددة في تلك الفترة من قبل مجموعة بارزة من الشركات اليابانية على رأسها تويوتا. ولا يخفى على احد ان تمركز هذه الاخيرة في قواعدها (بتويوتا سيتي) يجعلها اكبر المنافسين لديترويت والثلاثي الممتاز (جنرال موتورز, فورد وكرايزلر) الذي يمثل اكثر 5000 مليار دولار في قطاع السيارات. ولكنه من الواضح ان صناعة السيارات الالمانية دخلت المعركة التنافسية بين اليابان وامريكا بقوة في السنوات القليلة الماضية خاصة من قبل فلوكس فاجن ومرسيدس وباستراتيجياتهم التوسعية وشراء بعض الشركات الاجنبية. وهو ما جرى بين (مرسيد) و(كرايزلر) وكذلك بين (فولكس فاجن) و(رولزرويز) . * هوليوود رغم انتاج غزير لبوليود. هوليوود مدينة السينما والشاوبز وهي التي فاقت شهرتها في بعض الاحيان شهرة الممثلين والمخرجين السينمائيين الذين صنعوا تألقها. ضاحية هوليوود تقع في مدينة (لوس انجلس) الامريكية ويقيم بها ألمع نجوم السينما من ممثلين ومخرجين ومنتجين. وتضم كذلك اكبر استديوهات السينما العالمية مثل (وارنر) , (فوكس) , (يونفرسل) , (ام جي ام) و(برماونت) . في سنة 1997 كان 95 فيلما من ضمن الـ100 فيلم الاضخم ايرادات في العالم من انتاج هوليوود. ويوفر قطاع السينما والشاوبز القوت لما لا يقل عن 80 الف ساكن بالمدينة السحرية. حيث كانت الايرادات الاجمالية لعام 1997 اكثر من 14 مليار دولار.. ورغم هذه الاموال الطائلة فاننا نجد ان المنافسة لهوليوود تأتي من العالم الثالث ومن بلد فقير نسبيا. وبالتحديد من مقاطعة (بوليود) من مدينة بومباي في الهند التي تفتخر بلقب اعظم منتج سينمائي في العالم من حيث عدد الافلام الذي يتعدى 700 شريط. لكن اشعاع السينما الهندية على المستوى العالمي يبقى محدودا ومنحصرا في نطاق اقليمي يتمثل في شبه القارة الهندية وبعض البلدان المجاورة ويبقى كذلك الايرادات محدودة نسبيا رغم هذا الانتاج الغزير (700 الى 800 فيلم في السنة). واذا اردنا فهم الاسباب التي جعلت هذه الاقطاب العالمية تتميز بصفة خارقة لعادة فنجد ان من اهم هذه الاسباب ينحصر في تراكم العناصر التالية: ـ تواجد عدد كبير من الشركات العملاقة التي مرت بفترات نمو وتطور في غاية من السرعة ثم دخلت في سباق عمليات الدمج والاندماج بين بعضها البعض بحثا عن الحجم الذي يمكنها من السيطرة المطلقة على الاسواق العالمية. الارقام التالية تؤكد مدى النمو الذي عرفته مثل هذه الشركات حيث ان الـ500 شركة الاولى في العالم شهدت ايراداتها ارتفاعا بنسبة 100% منذ 1980 اي ان الايرادات تضاعفت في فترة 20 عاما. ـ ارتفاع نسق العولمة في السنوات الاخيرة ساعد بدوره في بروز هذه المدن لتصبح عواصم عالمية. ولعل من اهم الدلالات في هذا المضمار هو ان بعض المدن اخذت تطبق استراتيجيات مماثلة لتلك التي تطبقها الشركات ذات الجنسيات المتعددة الشيء الذي مكنها من التأقلم مع النظام العالمي الجديد (مظاهر العولمة وشمولية المبادلات التجارية) وخلق مجالات تخصص تجعلها متمركزة بقوة وقادرة على تسويق وترويج تلك الخصوصيات مع استقطاب المشاريع العملاقة ذات الجدوى الاقتصادية والتكنولوجية المرموقة على المستوى العالمي. ـ ومن جهة ثالثة نجد ان تفاقم ظاهرة التخصص والتسابق المستمر في هذا التوجه على مستوى البلدان وكذلك على المستوى الاقليمي يشكل حافزا مهما ساهم هو الآخر في تميز بعض المناطق وخاصة بعض المدن. ولاشك ان السباق العالمي نحو التخصص يبدو واضحا على الخارطة الاقتصادية العالمية بصفة جلية وبدرجة عالية لم يسبق من قبل. بعد هذه القراءة السريعة للخارطة الحالية للعواصم الاقتصادية العالمية يمكن لنا ان نستخلص مايلي: ـ ان 5 منها موجودة في الولايات المتحدة الامريكية وهي نيويورك, بوسطن, هوليوود, بالو آلطو وديترويت هذا بصرف النظر عن مدن مثل سياتل صناعة الطائرات وشيكاغو (المجال الزراعي).. ـ تواجد (4) مدن اوروبية وهي دافوس, ميلانو, باريس ولندن ضمن العواصم العالمية ما يؤكد تراجع القارة الأوروبية في هذه الخارطة. وتجدر الاشارة هنا الى غياب أوروبا في المجالات التكنولوجية الحديثة التي تبقى تحت سيطرة امريكا. ـ وتأتي اسيا في المرتبة الثالثة بمجموع 4 مدن تعتبر عواصم عالمية اقتصادية وهي طوكيو, تشينزن, تويوتا سيتي وبوليوود. ان هذا لخير دليل على تألق القارة الآسيوية التي يعتبرها بعض الملاحظين قارة المستقبل ويتوقع ان تصبح مركز اهتمامات الاقتصاد العالمي خلال القرن الحالي. ـ على عكس القارات الاخرى التي توصل تطورها ونموها نحو الافضل فان القارة الافريقية تبقى غارقة في الفقر والجوع وبراكين الحروب الاهلية والعرقية الشيء الذي يعكر الجو امام جل محاولات العمل الجاد. وفي النهاية يبقى تساؤل يطرح نفسه وهو يتعلق بموقع العالم العربي على هذه الخارطة العالمية للعواصم الاقتصادية. فغياب المدن العربية من هذه القائمة يمثل غيابا بارزا خاصة ونحن في مطلع قرن جديد والفية جديدة. فالمدن العربية من المحيط الى الخليج لم تتمكن حتى الآن من استقطاب انظار العالم واهتمامات الاقتصاديين ورجال الأعمال في مجال تخصص عالي المستوى والاداء. فهل يأتينا الجواب من (دبي) وهي المدينة التي كما يعلم الجميع اصبحت لها مكانة اقليمية بعد القفزات العملاقة التى قامت بها في السنوات القليلة الماضية وحققت بعض الانجازات المحترمة على مستوى البنية الاساسية والخدمية وكذلك عددا من المشاريع السباقة التي يمكن ان تفتح لها ابواب العالمية بمزيد من الجهد والعمل الجاد؟. حاتم عطاء الله