يشهد العالم حالياً موجة اقتصادية جديدة تعتمد من قلبها على محدد رئيسي هو تقنية المعلومات التي أصبحت تشكل العمود الفقري للاقتصاد العالمي الجديد الذي بات يعرف بالاقتصاد الرقمي أو اقتصاد المعلومات. وفي ظل هذه الموجه ظهر العديد من الظواهر التي أخذت في النمو مع مرور الوقت ومن بينها سعي الشركات الاجنبية الى امتلاك شركات التقنية الامريكية التي تتركز في يدها مقاليد أمور تقنية المعلومات حيث أصبحت دعائم هذا الاقتصاد الجديد والمحددة لمسيرته. وقد أعلن مؤخراً عن نجاح شركة (تيرا نيتوركز) الاسبانية المتخصصة في مجال تقديم خدمات الانترنت في الفوز بصفقة شراء بوابة الشبكة الامريكية الشهيرة (ليكوس) مقابل 12 مليار دولار حيث جاءت هذه الصفقة كآخر حلقات مسلسل شراء الشركات الاجنبية لشركات التقنية الامريكية والتي بلغ مجموع صفقاتها خلال الجزء المنصرم فقط من العام الجاري الى 271 شركة أمريكية تم بيعها الى شركات اجنبية وهو رقم ضخم يدلل على قوة موجة الشراء العالمي لهذه الشركات. ويعد ذلك الرقم لصفقات امتلاك الشركات الامريكية المتخصصة في مجال التقنية المعلوماتية ضعف نظيره الذي تم تسجيله خلال الفترة نفسها من الاشهر الخمسة الأولى من العام المنقضي 99 وذلك طبقاً لما جاء في الدراسة التي نشرتها مؤخراً مؤسسة طومسون لبيانات الائتمان المالية. وترى الدراسة ان هذا التوجه لم يكن وليد اللحظة انما جاء نتيجة العديد من التراكمات التي خلفها معدل النمو السنوي الذي تراوح خلال تلك الفترة ما بين 8% الى 66%. ويعلل هنريك آسلاكسن مدير ادارة الاندماجات والتحالفات لشركات التقنية بمؤسسة ميري لينش البريطانية هذه الظاهرة بقوله انها مسألة بديهية لاتدعو للتعجب حيث ان الولايات المتحدة تعتبر أهم المناطق في العالم في مجال تقنية المعلومات وهي البوتقة التي ينصهر فيها العديد من الخبرات القوية في هذه التقنية. ويرى المحللون ان شركات الاتصالات الأوروبية خاصة الكبرى منها مثل شركة تليفونيكا الاسبانية ودويتش تيليكوم الالمانية سوف تتلقف شركات تقنية المعلومات الأمريكية خاصة المتخصصة في مجال خدمات الانترنت وذلك من اجل دعم توجهاتهم في اثبات الذات في مجال خدمات الشبكة. فقد أعلنت شركة دويتش تيليكوم الالمانية مؤخراً عن إعتزامها لالقاء مزيد من الوزن وراء جهودها الساعية الى توسعة تواجدها العالمي خاصة بعد أن اخفقت في الفوز بالصفقة الخاصة بشراء شركة تيليكوم الايطالية مؤكدة نيتها التركيز على جانب خدمات الانترنت من بين عدد من القطاعات الاخرى التي تسعى لتعزيز تواجدها فيها. ومن جانبه أعرب ستيوارت فرانسيز المدير العام لمجموعة التقنية العالمية لمؤسسة (ليهمان برازرز) عن اعتقاده في ان الشركات العاملة في مجال الربط الشبكي تعد أكثر قطاعات الشركات استعداداً أمام موجة الشراء الاجنبي وأقواها جذباً لهذه الموجه معزياً اعتقاده هذا الى حقيقة مؤداها ان العديد من الشركات حالياً تحاول دمج شركات خدمات الانترنت مع شركات استضافة المواقع على الانترنت ومن هنا كانت الحاجة الى توسيع دائرة التواصل من خلال الربط الشبكي وهي المنطقة التي يرى فرانسيز انها ستكون النصيب الأكبر من صفقات البيع للشركات الأوروبية والاجنبية الاخرى. فالى جانب الأوروبيين فان المجال أيضاً متاح أمام اللاعيبن من منطقة اسيا للدخول في هذا السباق أيضا. فاذا نظرنا الى الهند على سبيل المثال سنجد ان هناك العديد من شركات خدمات تقنية المعلومات مثل (انفوسيس تكنولوجيز) تسعى أيضاً وراء موجة التملك. ويضيف كارل فيل المسئول عن متابعة شئون اندماجات شركات الانترنت والتقنية المتطورة (بدويتش بنك) قائلاً ان شركة باسيفيك سينشري سيبروركز والتي تتولى إدارة نظام ربط ضخم من خلال الاقمار الصناعية والكوابل والذي تصل خدماته الى نحو 110 ملايين مشاهد في آسيا تحاول الان ان توسع نطاق نشاطها بتطوير المحتوى المقدم من خلال بثها. ويرى خبراء الاقتصاد ان الشركات الاجنبية الضخمة المدرجة على قوائم بورصات الولايات المتحدة هي صاحبة الفرصة الأكبر من الاستفادة من تلك الموجة من التملك للشركات الامريكية العاملة في مجال تقنية المعلومات حيث ان هذه الشركات هي القادرة على توفير العملة التي تستخدمها الشركات المشتراه انفسها وهي الدولار الامريكي. وعلى الرغم من زيادة عدد الشركات الاجنبية الساعية وراء تملك الشركات الامريكية مؤخراً إلا ان خبراء الاستثمار في البنوك العالمية يعتقدون ان الفرصة محدودة حالياً والمجال ضيق أمام المزيد من هذه الصفقات من الشراء والتملك لشركات التقنية الأمريكية في ظل انخفاض اسواق المال والبورصات العالمية. ويؤكد هؤلاء الخبراء أننا اذا ما نظرنا لحركة الشراء هذه فإننا سنجد ان معظم الصفقات قد تم التوصل اليها خلال الربع الأول من العام الجاري في الوقت الذي سادت الأسواق العالمية حالة من الانتعاش والحركة التي افعمت بها البورصات حيث تم خلال تلك الفترة الاعلان عن ابرام 182 صفقة بزيادة قدرت بحوالي 168% عن العام الماضي في حين لم يتجاوز عدد الصفقات التي تم اعلانها خلال الفترة الممتدة بين ابريل الماضي وحتى الثامن من الشهر الجاري 89 صفقة بزيادة قدرها 33% فقط مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي. وقد اعرب أحد خبراء الاستثمار الدوليين عن اعتقاده في انه على الرغم من ان الانخفاض الذي أصاب أسواق المال قد أدى الى اتاحة الفرصة بشكل أكبر لشراء الشركات الامريكية إلا ان حملة أسهم تلك الشركات يلتزمون جانباً كبيراً من الحذر هذه الأيام من قبول شراء شركاتهم على أساس الأسهم الاجنبية المغالى في تقدير قيمتها. ومثالاً على ذلك فقد حققت اسهم شركة (تيرانيت وركز) الاسبانية ارتفاعاً هائلاً وصل الى ثلاثة أضعاف سعر السهم في نوفمبر الماضي عندما بدأت الشركة في تقديم خدمات الانترنت للمرة الأولى حيث سجل السهم الواحد 5.54 دولارا قبل ان يغلق اليوم الأول له من الارتفاع عند حد 25.38 دولارا للسهم. وقد أكد المراقبون ان صفقة شراء تيرا الاسبانية (لليكوس) الامريكية تتجاوز حدود صفقة أسهم عادية والتي يرى انها لن تتكرر في وقت قريب مقبل إلا انها أيضاً تتضمن أيضاً التزامات بعائدات قامت شركة بيرتلمسان الالمانية العملاقة للنشر حيث وقعت خطاب نوايا مع شركة (تيليفونيكا) الاسبانية صاحبة النصيب الأكبر من أسهم (تيرانيت وركز) والذي يقضي يتكوين شركة مابين (تيرا ليكوس) من ناحية و(بير تلسمان) الالمانية من ناحية اخرى وذلك لانشاء خدمة اعلامية ضخمة عبر الانترنت. وقد تعهدت عملاقة الطباعة الالمانية (بير تلسمان) بمقتضى الخطاب الذي تم توقيعه بين الجانبين بدفع مليار دولار في استثمارات الاعلان للشركة الجديدة على مدار السنوات الخمس المقبلة. كتب محمد عبدالمنعم