حكم قاض امريكي عام 1945 بأن شركة الألمنيوم الامريكية تحتكر بشكل غير قانوني سوق إحدى سبائك الألمنيوم وحكم القاضي الامريكي بانفيلد جاكسون الشهر الجاري بتقسيم شركة ميكروسوفت للبرمجيات لأنها تخالف قوانين مكافحة الاحتكار الامريكية. ويسود في الثقافة التجارية الامريكية ان امتلاك قوة اقتصادية لامنازع لها يحد من المبادرة ولا يشجع على الابتكار ويحبط العزيمة والهمة. والمناعة ضد المنافسة نوع من الادمان ويحفز على التحدي والتقدم الصناعي, في رأي آخر. لكن الامور اختلفت الآن مقارنة بعام 1945 خلال الفترة من صدور قانون مكافحة الاحتكار عام 1890 والحكم الصادر على ميكروسوفت في عام 2000. فقد تغير الاقتصاد القائم على الصناعات الثقيلة واستثمار رأس المال الى اقتصاد يقوم على استثمار الموارد البشرية وتكنولوجيا المعلومات, حيث من الصعب تحديد نطاق الاسواق ومن يتنافس مع من, كما يقول توماس كاوبر الذي يدرس قانون مكافحة الاستثمار في جامعة ميشيجان. غير ان الحكم بتقسيم ميكروسوفت يثبت ان المبادىء القانونية التي ادت الى تقسيم ستاندارد أويل عام 1911 وامريكان تلفون آند تلجراف عام 1984 ليست بالية, برغم ان هذه الكيانات الاقتصادية قديمة قدم التاريخ. لقد تغيرت المفاهيم والأولويات بالقدر الكافي. فعندما ظهرت بوادر الاحتكار في التبغ والبترول كما العدو الخفي هو الذي تهدف هذه الاحتكارات الى مكافحته هو تحديد الاسعار لكن الخوف الذي يحاربه حكم القاضي جاكسون هو القدرة على ممارسة الاحتكار لدرجة منع الابتكار او الحد منه. لكن من زاوية اوسع, الرسائل مختلفة في قياس مدى تهديد الاحتكار على مصلحة المستهلك, الذي تعد حمايته من الهدف الاسمى في تطبيق قوانين مكافحة الاحتكار في الاقتصاد القديم ولايزال قائما ايضا في الاقتصاد الجديد. ولا يوجد سبب يمنع انطباق القواعد القديمة على الاقتصاد الجديد القائم على التكنولوجيا الفائقة. وقد اصر مساعد المحامي العام جويل كالين, المسئول عن مكافحة الاحتكار على هذا الرأي. مجرد الحصول على موقع احتكاري في أي سوق عن طريق السبق في البدء, او تحقيق ما هو اكبر من مستوى المنافسة, لا يعني في حد ذاته انتهاك قوانين مكافحة الاحتكار. وكما قال القاضي ليرند هاند من 55 عاماً ان المنافس الناجح الذي وجد ما يحثه على المنافسة, لا ينبغي ان ينقلب ضدها عندما يفوز. وتقول ميكروسوفت التي تصور نفسها على انها ضحية لهوس سياسة مكافحة الاحتكار ان الحكومة تتحامل عليها. لكن القاضي جاكسون اختلف مع هذا الرأي وقال ان ما ارتكبته ميكروسوفت ليس فقط ان برامج التشغيل التي تنتجها تستخدم في 85% من الحواسيب الآلية في العالم, لكن في الطريقة التي تحاول الشركة بها الحفاظ على هذه المكانة بل وتوسيع نطاق احتكارها. وقال روبرت ليتان مدير الدراسات الاقتصادية في معهد بروكنجز ان القاضي جاكسون وجد ان ميكروسوفت شنت حملة باستخدام اسلحة غير شريفة وحيل قديمة. وقال ليتان الذي كان يعمل في ادارة مكافحة الاحتكار في وزارة العدل ان جور روكفلر استخدم كل الحيل من قبل مثل العقود الخاصة والقاء ثقل الشركة وراء التعاملات ومنع المنافسة. وهناك بعدان لقضايا مكافحة الاحتكار, هي المسئولية عن ذلك, وان ثبتت يكون البعد الثاني هو ايجاد الحل. من ناحية المسئولية هناك خط مستقيم يربط بين اقدم قضايا مكافحة الاحتكار وحكم القاضي جاكسون وهو تقسيم الكيان المتهم بالاحتكار إلى جزأين. لقد تم من قبل تقسيم شركات احتكارية سواء بحكم محكمة كما حدث في حالة شركة ستاندارد اويل او من خلال تسوية تفاوضية كما حدث في حالة شركة امريكان تلفون آند تلجراف. لكن التقسيم في القضايا السابقة, كان وفق خطوط واضحة. كان هيكل شركة امريكان من تلفون آند تلجراف يعكس التقسيم بين قسم الاتصالات الهاتفية الخارجية, الذي احتفظت به الشركة والخدمة الهاتفية المحلية, التي انفصلت لكن بيل جيتس رئيس ميكروسوفت كرر مرة اخرى يوم صدور حكم التقسيم انه لا توجد سابقة في التاريخ في تقسيم شركة موحدة مثل شركته. ان تقييم الحل في قضية ميكروسوفت الذي سعت اليه الحكومة والذي ترفضه ميكروسوفت تماماً, يتطلب مجموعة من الآراء وتخمينات خالصة عن مناخ سوق المعلومات والتكنولوجيا القائم على الانترنت, الذي تطور بسرعة فائقة حتى خلال العامين اللذين كانت تنظر خلالهما قضية ميكروسوفت, حيث انتقلت الانترنت من الحواسيب الآلية المكتبية إلى النطاق اللاسلكي والاجهزة المحمولة مثل الهاتف المتحرك. كما يتطلب الامر طرح اسئلة حول الحفاظ على تصدر البلاد واحتلالها مكان الصدارة في الاقتصاد العالمي إلى درجة لم تحدث من قبل في اي قضية مكافحة احتكار سابقة. لقد كانت قضية تقسيم شركة امريكان تلفون آندتلجراف ذات دلالات وتأثيرات عالمية. ويقول هار في جولد شميت استاذ مكافحة الاحتكار في كلية كولومبيا للقانون اذا كانت شركة امريكان تلفون آندتلجراف بقيت على حالها لما كان هناك عالم اتصالات ديناميكي نشط في العالم الآن, ولم نعرف حتى ما كنا نفتقر اليه. عن صحيفة هيرالدتريبيون