ليس هناك شيء كحرية اللوائح والقوانين في دفع وتحفيز الابتكار. هذا هو المبدأ الذي قامت عليه الانترنت وهو الذي يؤمن به المتحمسون لها. لكن الانترنت الآن قد نضجت الى الحد الذي جعل الناس تتساءل, من الذي يديرها ولمصلحة من؟ ومع انتشار الشبكة الالكترونية حول العالم وتزايد عدد المستخدمين لها, واتباع الانشطة التي تجرى عليها وبواسطتها, اصبح هناك حاجة لتنظيم هذه العمليات, خاصة مع ظهور مشكلات مثل جرائم الانترنت وقال احد المدافعين عن حرية الانترنت ان الشبكة الرقمية تعتبر الرقابة عملا مدمراً وتقييدا لها. لكن فكرة ان الانترنت ازدهرت فقط بسبب الحرية التي تصل الى الفوضى, لم تعد قائمة الآن بعد التطورات المذكورة. لكن الفوضى مجرد خرافة, لأن الانترنت فائقة التنظيم وهناك من اللوائح التي تحكمها ايضا وليس فقط على المستوى التقني. الشيء الفريد في الانترنت ليس انها محررة من اية لوائح اوتنظيمات, بل ان تنظيماتها ظهرت من القاعدة الى القمة, وليس من القمة الى القاعدة. ويقول جوزيف ريجال المحلل في مؤسسة W3C الهيئة المسئولة عن لوائح الانترت وقواعدها ان قوة الانترنت الحقيقية كمؤسسة هي انها تعكس خصائص تشكيل السياسة التي تتفق مع الشعور بالحرية. ان عملية تشكيل السياسات على الانترنت ليست معروفة لغالبية الناس. وضع سياسات الانترنت كثير من المستخدمين للشبكة الالكترونية لا يعرفون شيئا عن وضع سياسات الانترنت. فهناك هيئة W3C او المجموعة الدولية, وهناك فريق هندسة الانترنت الخاص الذي يطور المعايير التقنية للانترنت مثل اتفاقيات الاتصالات وهناك مجموعة قيادية في هذا الفريق تنسق هذه المعايير وتوافق عليها. وهناك ايضا مؤسسة الانترنت للاسماء والارقام المحددة التي تشرف على نظام الاسماء على شبكة الانترنت مثل عبارات (دوت كوم) و(org) في اشارة الى المنظمات التي لها مواقع على الانترنت. هذه المؤسسات تشترك في بعض الخصائص, فهي التي انشأت نفسهاوتحكم نفسها بنفسها. وهي مفتوحة العضوية وباب النقاش والجدل فيها مفتوح, وتدعي انها تستمع الى كل الاصوات والاراء. وهي تقوم على مبدأ الاغلبية في قراراتها. وهي تعمل عى الأقل حتى الآن في يسر وسلاسة, وتجاوزت حتى مشكلة الاعلانات التجارية على الانترنت. ضغوط جديدة غير ان توسع الانترنت وانتشارها العالمي شكل ضغوطا وقيوداً جديدة على نظام اللوائح التي تتطور من القاعدة الى القمة, فلم كل هذه المشكلات في مخيلة مجموعة الخريجين الجدد, الذين بدأوا في بداية الستينات تطوير شبكة معلومات لصالح وكالة المشروعات المتقدمة التابعة لوزارة الدفاع الامريكية؟ بل على العكس, كانت هذه المجموعة تخشى اختراق كبار المهندسين الذين كان يفترض ان يتولوا الانترنت عند مرحلة معينة (لكنهم لم يفعلوا). لقد قامت هذه المجموعة بتسجيل مناقشاتها وقراراتها بشكل مكثف لاسباب ليس اقلها ان يتعرضوا للمساءلة او التجريم فيما بعد. ويقول ستيفن كروكر احد هؤلاء الخريجين انه قضى ليالي طويلة بلانوم لإعداد الصياغة الملائمة لملاحظات الفريق. وكانت القواعد الاساسية هي ان كل فرد فيهم يستطيع ان يقول ما يشاء وان كل ما يقال ليس بصفة رسمية. ولايزال هذا الحذر يسود بين مؤسسات الانترنت المذكورة آنفا خاصة فريق هندسة الانترنت الخاص الذي يعتمد مبدأ الاغلبية في قراراته. وقد ادى هذا المبدأ الى ايجاد ما يسمى احدى اولى عمليات قانونية لاتخاذ القرارات الدولية, كما يقول مايكل فرومكين بجامعة ميامي. ويقول ان كل فرد يستطيع ان يكون عضوا في هذا الفريق بدون بطاقات عضوية وبدون رسوم وبدون اتصالات سرية, بل بمجرد ان يشترك من خلال البريد الالكتروني لموقع الفريق الهندسي الخاص, حتى مهندسي الانترنت يحتاجون في النهاية لأن يتقابلوا معاً بشكل فعلي. الاكبر والافضل ليس معنى هذا ان كل الاعضاء في الفريق الهندسي الخاص متكافئون بالطبع مساهمات البعض تكون ذات اهمية خاصة ولها وزنها ليس لانه تم انتخاب هؤلاء الاعضاء لانهم يتمتعون باحترام كبير. المثال على ذلك هو جون بوسل, الذي توفى عام ,1998 وكان يشرف على نظام الارقام في عناوين الصفحات على الانترنت. غير ان اي شخص يستطيع ان يقترح معايير على فريق الهندسة الخاص للانترنت, وهنا تبدأ عملية على مستوى رسمي يسمح بالاستماع إلى الجميع, لكنها ليست رسمية لدرجة ان تعرقلها البيروقراطية. ومجرد ان تتوصل مجموعة عمل إلى قرار, تدفع به إلى مجموعة التوجيه في الفريق الهندسي الخاص للانترنت, من اجل البحث العام والعلني ثم الموافقة عليه. ولابد لاي تكنولوجيا جديدة ان يكون لها منتجان يعملان على الانترنت حتى تصبح معياراً يحظى بالموافقة ولا تتخذ القرارات في مجموعات العمل عن طريق التصويت الرسمي, لكن عن طريق اجماع الاغلبية, الغالبية المطلقة وليس الاغلبية البسيطة, لكن ليس الاجماع الكامل وتتحقق موافقة الاغلبية بأي طريقة تختارها مجموعة العمل والذين يشعرون ان المجموعة تجاهلت رأيهم, يستطيعون الشكوى لمجموعة التوجيه. وليست المجموعة الهندسية الخاصة للانترنت هي المثال الوحيد على هذه العملية. فهناك مجموعات تطوير البرمجيات التي تحتوي احياناً على آلاف المبرمجين من انحاء العالم, وتنظم نفسها بنفس الطريقة, لكنهم يعتمدون على مجموعات العمل بشكل اقل رسمية, بل يزيد اعتمادهم على مديرين متطوعين في الوصول إلى الاتفاق الجماعي. وهناك مثال على ذلك هو مجموعة لينوكس وهم من المجموعة المحيطة بالمبرمج الفنلندي لينوس تورفالدز, وهو اول من كتب نسخة من البرمجيات. وعندما يكتب المتطفلون والمعتدون على الانترنت يتم فحص وتدقيق البرامج من خلال مجموعات عبر الانترنت ايضا. ويقرر تورفالدز نهائياً اي الاجزاء التي تدخل في البرنامج. روح الجماعة لكن لماذا تعمل هذه المجموعات على الانترنت بطريقة افضل من المجموعات المماثلة خارج الانترنت, السبب واضح وهو انهم يتشابهون في العقلية والفكر. فهناك ثقافة مشتركة بين مهندسي الانترنت او مبرمجي لينوكس وهناك اهتمامات مشتركة بينهم ايضا, حتى لو كانوا يعيشون في قارات متباعدة وغالباً تكون قراراتهم واضحة ومستقيمة, فمن السهل القول ان اتفاق للانترنت او جزء من برنامج يعمل افضل من غيره. كما ان الانترنت تسمح بالاتصال المباشر العلني اكثر من الاتصال في عالم الواقع. وتنتشر المعلومات المزيفة بسرعة رهيبة. وبما ان اي شخص يستطيع الحصول على كل الاقتراحات ويرسل برسالته إلى مجموعة المناقشة, فإنه من الصعب جداً التلاعب في عملية اتخاذ القرار. ومن السهل ايضا على المشاركين ان يخرجوا من النقاش في اي وقت يرغبون. وبالتأكيد هذه العملية في اتخاذ القرارات تهم علماء الاجتماع لكن المشككين يقولون انها لا تصلح في عالم الواقع. فماذا يحدث اذا تعرضت القضايا التقنية للفساد بسبب المصالح التجارية, واليس من الصعب الوصول للاغلبية عندما يأتي الامر لقضايا سياسية يمكن ان تؤثر في اعمال قيمتها مليارات الدولارات؟. حتى الآن عملية اتخاذ القرارات بشأن الانترنت لا تزال تسير بنجاح يعادل نجاح الانترنت نفسها. وقد ادهش ذلك الكثيرين. لكن هناك اشارات على قرب وقوع متاعب ومشكلات. مثلاً نشب نزاع كبير عندما ناقش اعضاء الفريق الهندسي الخاص إلى اي مدى يجب ان تساعد هيئتهم هيئات تنفيذ القانون من اجل ضبط سلوك التطفل على الانترنت. شعرت الشركات التي تنتج معدات الاتصال بالقلق خوفاً من ان يطلب منها ان تتوافق معداتها مع قوانين التجسس الفيدرالية. لكن آخرين اعتبروا أن هيئات تنفيذ القانون صديقة وينبغي التعاون معها. وقررت مجموعة الهندسة الخاصة للانترنت عدم التوافق مع متطلبات التجسس السلكي. واضطر أحد مؤسسي المجموعة الهندسية الخاصة لتشكيل مجموعة اجتماعية خاصة للانترنت لمناقشة القضايا الاجتماعية والاقتصادية التي تنشأ من إتساع انتشار الانترنت. مشكلات تلوح في الأفق وهناك مشكلات تواجه هيئة W3C أيضا حاولت هيئة W3C ان تتجنب مشكلات تضارب المصالح التجارية, ورغم انها تطور معايير الانترنت وغالبية المناقشات بداخلها تتم عن طريق البريد الالكتروني, فهي أبعد ما يكون عن مجموعة انترنت تقليدية. غالبية اعضاء الهيئة التي تأسست عام 1994 على يد تيم برنرز لي, الذي اخترع الشبكة الدولية, هي شركات تدفع كل منها نحو 50 ألف دولار سنوياً لقاء عضويتها في الهيئة. حاول برنرز لي في البداية ان يتم وضع معايير الانترنت عن طريق المجموعة الهندسية الخاصة للانترنت, لكن التقدم في عمل المجموعة كان بطيئاً. ولهذا السبب كون برنرز لي مجموعته الخاصة. لذلك فان هيئة W3C تختلف عن المجموعة الهندسية الخاصة للانترنت, رغم انها تتبنى قاعدة اتفاق الأغلبية فالنظام فيها ينطلق من القمة الى القاعدة, حيث يتولى برنرز لي موقع المدير المتطوع, غير انه مع مرور السنوات أصبح العمل داخل المجموعة مقنناً الى الحد الذي يقول عنه برنرز لي ان عملية التوثيق أكثر أهمية منه هو شخصياً. وطورت هيئة W3C أكثر من 20 تعريفاً تقنياً. وأعلنت في مؤتمر عقد مؤخراً ما يشبه التوصيات حول بعض التكنولوجيا الهامة خاصة لغة W3C التي تمكن الحواسيب الآلية من معالجة البيانات الموجودة على صفحة الانترنت بدقة شديدة وكيفية هذه المعالجة. غير ان هيئة W3C يثور حولها الجدل الان أيضا لان قراراتها لها آثار تتجاوز الجانب التقني. يقول منتقدو هذه الهيئة أنها أصبحت في مرتبة من يضع السياسة العامة, ولابد ان تتصرف على هذا الاساس وتفتح الباب في عضويتها للجميع وتعقد اجتماعاتها ومناقشاتها في العلن. اثير هذا الانتقاد عقب ظهور برنامج يسمح للاباء والمدارس بالسيطرة على المواقع التي يستطيع الأطفال الوصول اليها أي برنامج يشبه الشريحة الالكترونية التي تتحكم في البرامج التي يستقبلها جهاز التلفاز. وكانت هيئة W3C تنوي طرح بديل تقني لقانون سلوك الاتصالات لعام 1995 الذي يجرم بث مواد غير اخلاقية على الانترنت لصغار السن, وهو تشريع كبير غير واضح المعالم خشي الكثيرون ان يحد من حرية التعبير على الشبكة الرقمية. وأعلنت المحكمة العليا الامريكية ان القانون غير دستوري. ومن المفترض ان تجعل التكنولوجيا الجديدة (المزمعة) اي قانون من هذا القبيل غير ذي معنى ولا ضرورة له لان المواقع الالكترونية سوف تنظم نفسها بنفسها. ويستطيع الاباء من خلاله منع الوصول الى المواقع غير الاخلاقية مثلاً. لكن المدافعين عن حرية التعبير خشوا ان تؤدى التكنولوجيا الجديدة الى العكس تماماً, بغض النظر عن ضرورة أو عدم ضرورة التشريع, وتجعل الرقابة أسهل حتى انها تسمح للانظمة الديكتاتورية بحجب أي مواد غير مرغوب فيها. ويعترف الكبار من أصحاب الخبرة في الانترنت ان القضايا السياسية أصبحت على أهمية القضايا التقنية, ويقول برنرز لي ان التكنولوجيا يجب ان تكون مسئولة في المجتمع, لكنها لاينبغي ان تؤدي الى السيطرة على العالم. هل هناك ضرورة؟ يتضح مما تقدم ان هناك هيئات ومنظمات تحكم عمل الانترنت وتنظمه هي هيئة W3C والمجموعة الهندسية الخاصة للانترنت ومجموعة التوجيه ومؤسسة الانترنت للارقام والاسماء. لكن كل هذه الهيئات تطوعية وقراراتها غير خاضعة لهيئة قانونية أو قضائية. وقد سمعنا عن انتشار جرائم الانترنت من اعتداءات على الشبكات واطلاق الفيروسات التخريبية واساءة استخدام البيانات وانتحال الشخصيات. وليس من المعروف الان الى أي حد سوف يصل مستوى هذه الجرائم ومدى خطورتها على الاقتصاد العالمي والشركات وحتى الحكومات والدول, وقد اعلنت وزارة العدل الامريكية انها ستطارد المخربين الذين يعتدون على الشبكات الرقمية العالمية. لكن هذا الأمر يحتاج الى تشريعات, وليس الأمر يتعلق بالولايات المتحدة وحدها, فقد أصبحت الشبكة عالمية بحق وتحتاج مثل هذه التشريعات الى اتفاق ومشاورات دولية, والاهم من ذلك انه ينبغي ان تكون هناك على المستوى التقني والفني وايضا على المستوى القانوني والتشريعي, وسائل لحماية الافراد والشركات والدول والحكومات من الهجمات والاعتداءات عبر الانترنت من اجل تجنب الخسائر الاقتصادية, التي قد تؤثر على الاقتصاد العالمي بالكامل نظراً للانتشار الواسع للشبكة الرقمية, التي أصبحت عالمية بكل معنى الكلمة.