يعتقد كثيرون انه لايوجد فرق يذكر بين المصالح والأهداف. وفي حقيقة الأمر فان هاتين الكلمتين ما هما إلا وجهان لعملة واحدة. وعلى الرغم من ذلك فان القدرة على التفريق بينهما والنظر الى كل منهما على أساس أنها تشكل شيئاً مستقلاً تماماً تعتبر من الأمور المهمة خلال جلسات المفاوضات. اذن ما الفرق بين هذين المفهومين؟ الواقع انه يمكن ايضاح هذا الفرق على النحو التالي: ـ المصالح هي عبارة عن الأولويات على المدى البعيد التي نقوم بتحديدها واعادة فحصها ومراجعتها بين الحين والآخر أيا كانت الظروف السائدة. ـ الأهداف هي تلك الأشياء المحددة التي ننشدها والتي يمكن ان تخدم مصالحنا وعلى هذا الأساس فهي ضرورية لتحديد مصالحنا نظراً لأننا نضع أهدافنا استناداً اليها. ولتوضيح الفرق بين المصالح والأهداف على قدر أكبر من الدقة نفترض ان أحد الأشخاص قرر بيع مسكنه لانه لم يعد مريحاً. هكذا فان المال في هذه الحال لايشكل الهدف الوحيد من وراء عملية البيع ولنفترض أيضاً ان هذا الشخص كان من المضاربين ولايهتم كثيراً بنوعية المسكن وكل ما يود فعله هو بيع المنزل. ان عملية البيع هي الهدف في الحالين كليهما ولكن المصالح تختلف ففي المثال الأول كان سبب البيع هو ان المنزل لم يعد مريحاً وفي المثال الثاني كانت المضاربة هي الدافع وراء البيع. ويجب دائماً ان نضع مصالحنا نصب أعيننا في كل خطوة نخطوها وذلك نظراً لسببين أساسيين هما: ـ القدرة على وضع الأهداف بطريقة أفضل. ـ امكانية تعديل هذه الأهداف إذا لم تكن منسجمة مع مصالحنا الحقيقية. ان التحديد الواضح للمصالح والأهداف الذاتية ومحاولة جمع أكبر قدر ممكن من المعلومات حول مصالح وأهداف الطرف الآخر يساعدان كثيراً في خروجنا منتصرين من قاعة المفاوضات. ولكن كيف يمكن تحديد هذه المصالح والأهداف؟ للاجابة عن هذا السؤال نرجو ان يعود كل منا لآخر مفاوضات مهمة شارك فيها ويحاول الاجابة عن هذين السؤالين: ـ هل قمت بكتابة أهدافي؟ ـ ان لم أفعل هل كان يمكن ان اكتبها في جمل بسيطة واضحة؟ وان كنت قد سطرت الأهداف التي تنشدها قبل دخولك قاعة المفاوضات لكانت النتائج ايجابية أما ان لم تفعل فلا تستغرب لماذا جاءت النتائج على عكس ما كنت تتمنى. ومن الغريب ان العديد من الناس يجلسون خلف طاولات المفاوضات وهم يحملون أفكاراً ضبابية عن أهدافهم ويبدأون التفاوض بحماس بالغ واصرار عجيب على الخروج بأكبر قدر ممكن بدون ان يدركوا تماماً ما هو هذا (القدر الأكبر الممكن) . وهذا هو السبب الذي يجعل معظم المفاوضات تتركز حول المال وذلك لأنه هدف سهل التحديد والجميع يريد الحصول على أكبر قدر منه. إلا انه وفي واقع الأمر فان هذا جانب واحد فقط للتفاوض. ان هناك علاقة مباشرة بين تحديد الأهداف بطريقة سليمة والنجاح في المفاوضات ويجب قضاء ما يكفي من وقت لوضع هذه الأهداف والتخطيط لبعض البدائل أيضاً وذلك استجابة للقانون الآخر للمفاوضات والذي يقول: (ان الأمور نادراً ما تحدث بحسب ما يخطط لها) , ان الخطوة الأولى لتحديد الأهداف هي طرح اسئلة اولية عنها واضعين في الاعتبار ان هناك عادة نوعين من الأهداف خلال أي تفاوض من المفاوضات ويمكن صياغة هذه الاسئلة كما يلي: ـ ما هو أفضل ما يمكن ان أحصل عليه من هذه المفاوضات؟ ـ ما هو الشىء الذي يتعين علي الحصول عليه من هذه المفاوضات؟ ـ ما هي البدائل المتاحة ان لم يتم التوصل لأي اتفاق؟ ـ ما هو أسوأ شىء يمكن ان يحدث ان لم يتم التوصل لأي اتفاق؟ والان دعونا ننظر الى هذه الاسئلة بمزيد من التفصيل. ان السؤال الأول هو بمثابة الحصول على نجمة لامعة والتطلع لبلورة وتحقق الأحلام السعيدة. ان الأحلام والرغبات ما هي إلا أمور نتمناها إلا أنه يمكن التخلي عنها إذا لزم الأمر وذلك لأنها ليست إلا حوافز اضافية فقط يكون تحقيقها أمراً ممتعاً كما يمكننا العيش بدونها أيضاً. انها تتشكل في طلباتنا كأمنيات أكثر منها احتياجات وبعبارة اخرى فاننا على استعداد للتضحية بتلك الأهداف الأمر الذي يعني اننا لن نسمح بانهيار المفاوضات إذا لم نحصل عليها. وعلاوة على هذا يمكننا تحديد سعر لهذه التضحية وذلك بأن نطلب من الطرف الآخر التنازل عن أهداف محددة أيضاً. ومن الناحية الاخرى وعندما يتيقن الطرف الاخر من أهدافك المثالية فانه سوف يعلم عندها كيف يجعل عرضه مغريا ولايمكن مقاومته خاصة اذا كنا نتأرجح بين قبول الاتفاق ورفضه. ان وضع الأهداف المثالية يتيح مساحة للمناورة في المجالات التي يمكن ان نقدم فيها بعض التنازلات بدون التراجع عن اي شىء مهم. ومن هنا يجب ان نضع أهدافاً تتضمن الشىء الكثير وتكون معقولة في الوقت ذاته. كما يجب أيضاً ان نحدد الاشياء التي يمكننا الحصول عليها بدون تجاوز حدود المعقولية وذلك نظراً لان الطلبات غير المعقولة وغير الواقعية يمكن ان تؤدي لانهيار المفاوضات. فعلى سبيل المثال عندما يواجه الطرف الآخر بمطالب غير واقعية قد يطرح هو أيضاً طلبات غير مقبولة بل ومستحيلة في بعض الآحيان الأمر الذي يقود الى نفق مسدود. ان هناك علاقة وثيقة بين مستوى التطلعات وفرص النجاح وقد اوضحت الدراسات انه كلما كانت الأهداف متسمة بالطموح كانت النتائج جيدة وعلى العكس من هذا فكلما كانت التوقعات متواضعة كانت النتائج سيئة. ولهذا فان القاعدة التي تقول: (كن واقعياً ولكن فلتكن الأعالى هدفك) يعتبر المفتاح الأول للنجاح في المفاوضات. أما السؤال الثاني فهو الحد الادنى أو بعبارة اخرى (هذا أو الجحيم) . وبدون الحصول على الشيء (الذي يجب الحصول عليه) فانه لاجدوى من التفاوض ويفضل وقف المناقشات. ويحس كثير من البشر بالسعادة لأنهم حددوا أهدافهم المثالية إلا أنهم يتجاهلون تماماً تحديد الحد الادنى نظراً لأنهم يعتقدون ان هذا دليل على الضعف أو على قبول للفشل. ان هذا خطأ شنيع وذلك نظراً لانه يوجد دائماً هامش فرق بسيط بين الأهداف المثالية والحد الادنى من الطلبات الأمر الذي يوفر مساحة للمناورة وعندما يتم تحديد الحد الادنى يمكن ادراك انه طالما كنا نتفاوض على مستوى اعلى من الحد الادنى فان هناك ما يستحق عدم وقف التفاوض. ولنفترض ان الطرف الآخر قام بتقديم عرض لايستجيب لأهدافنا المثالية الأمر الذي أصابنا بالاحباط. ولكن ولأننا واقعيون فقد قررنا الاستمرار في التفاوض وفجأة اكتشفنا اننا لم نضع الحد الادنى من طلباتنا. كيف سيكون الوضع؟ ان هذا يعني أننا سوف نتفاوض حول موضوع لم نكن مستعدين جيداً له وذلك لسبب بسيط وهو أننا لم نحدد مسبقاً عدد التنازلات التي يمكن ان نقدمها. ويفضل في هذه الحالة وقف المفاوضات نهائياً بدلاً من الاتفاق على شىء لايستجيب للحد الادنى ويجب هنا ان نتذكر دائماً القوانين الثلاثة التالية: ـ الحد الادنى هو تقويم ذاتي يتفاوت من شخص لآخر. ـ لايتعلق الحد الادنى دائماً بالمال أو الربح. ـ يعلب الموقف الذي نجد أنفسنا فيه لحظة اتخاذ قرار بالتفاوض دوراً مهماً. والآن ماذا عن السؤال الثالث الخاص بوضع البدائل؟ ولتحديد أهمية البدائل في المفاوضات نفكر في هذه الاسئلة: ـ ماذا سأفعل اذا انهارت المفاوضات؟ ـ هل يمكنني ان أصل لاتفاق مع شخص آخر؟ ـ هل أنا واثق من انني سأحصل على صفقة جيدة في مكان آخر؟ ـ هل درست موقفي التنافسي؟ والآن نحاول تصور كل البدائل ونقوم كل منها ونقارنها بالحد الادنى من طلباتنا وننظر ان كان كل منها يمكن ان يكون: ـ أقل من الحد الأدنى. ـ يتساوى مع الحد الأدنى. ـ أفضل من الحد الأدنى. وبطبيعة الحال فان كان هناك بديل أفضل من الحد الادنى تتعين اعادة تقويم الموقف. وبشكل عام فان هذا البديل سيوفر لنا قوة اضافية تدعم موقفنا التفاوضي. ولنفترض على سبيل المثال ان أحد الموظفين كان يتفاوض حول وضعه الوظيفي وحدد تعيين سكرتيرة خاصة واضافة اسبوع للاجازة السنوية التي يستحقها كشرطين لاستمراره في العمل بالمؤسسة. إلا ان الحد الادنى الذي حدده )بينه وبين نفسه( هو تعيين سكرتيرة فقط. وفجأة اتصل به رجل اعمال قام بتأسيس شركة جديدة وعرض عليه وظيفة ووافق على تعيين سكرتيرة خاصة. ان هذا البديل يعزز الوضع التفاوضي لهذا الموظف ان أمامه الان فرصتين إما ان يرفع من مستوى الحد الادنى لطلباته الخاصة بتحسين وضعه الوظيفي في المؤسسة التي يعمل بها ليشتمل على السكرتيرة الخاصة وأيضاً زيادة أسبوع للاجازة السنوية أو يضع شروطاً لقبول الوظيفة المعروضة عليه بما يضمن التفاوض حول شروط خدمة أفضل بكثير مما توفره المؤسسة التي يعمل بها. وهكذا كلما كانت البدائل كثيرة ومتنوعة وجذابة تعزز الموقف التفاوضي مهما كان الطرف الآخر قوياً. السؤال الرابع ما هو إلا أسلوب آخر لتطوير البدائل التي تعزز من فرص النجاح في المفاوضات. ويجب التفكير فيما سنفعله اذا كانت المفاوضات عبارة عن كارثة ولن تتوصل الى اي شيء. ويجب علينا مواجهة مثل هذه الاحتمالات حتى يتسنى لنا ايجاد الحلول الابداعية. وفي الواقع فإننا عندما نجد أنفسنا وظهورنا الى الحائط فإننا غالباً ما نجد القوة التي تجعلنا نقفز فوق. وان كانت هناك نصيحة يمكن ان نقدمها فهي: (من الافضل ألا نتفاوض مطلقاً بدلاً من التوصل لاتفاق سيء) . اننا نتردد بعض الاحيان في التفكير في الأسوأ متصورين انه قد يقود لموقف انهزامي. وينظر البعض الى عملية التفكير في الأسوأ على أساس انها تفكير سلبي إلا انه من المهم دائماً تقويم جميع البدائل المحتملة بما فيها الاسوأ لأن هذا من شأنه ان يجنبنا المفاجآت غير اللطيفة. ان التكفير الايجابي لايستبعد الواقعية. ويتعين ان تكون الأهداف المثالية أو الطلبات التي نطرحها خلال المفاوضات مرنة ومعقولة وذلك للأسباب التالية: ـ ان الأهداف والمصالح ليست دائماً الشيء نفسه وعليه فمن المهم ان نغض الطرف عن بعضها خاصة اذا كان ما يقترحه الطرف الآخر يستجيب لتطلعاتنا أكثر من الأهداف التي رسمناها. ـ قد تكون بعض البدائل والخيارات المطروحة جذابة مثل الأهداف التي حددناها. ـ اذا تمكسنا بأهدافنا بصورة صارمة فإننا سوف نخاطر بوضع انفسنا في موقف ضعيف وغير مثمر خاصة اذا كان الطرف الآخر قد اتخذ الموقف نفسه. ان المفاوضات عادة ما تكون مجهدة ومرهقة اذا تمسك الطرفان بموقفيهما وقد تتجه نحو الانهيار التام. وأخيراً يتعين ألا ننسى ما يلى عند اتخاذ قرار بالدخول في مفاوضات مهمة: (سجل الأهداف كتابة وبحسب درجة أهميتها, ضع أهدافاً مرنة ولاتتخذ موقفاً متشدداً) .