يحدث مع أي منا أن يأتيه قريب أو صديق أو شخص يعرفه, ربما معرفة سطحية, طالبا منه المساعدة لحل مشكلة أو معضلة مادية معقدة تنغص عليه حياته أو تهدد استقراره الحياتي, فترق قلوبنا وتتأثر جوارحنا ونرى أنفسنا نندفع وكأننا نقوم بعمل استشهادي ملبين نداء الاستغاثة هذا.. ولكن من دون أن نترك الفرصة للمنطق والعقل ليجد له مكانا في هذه المعادلة التي غالبا ما تنتهي معقدة ومن دون نتيجة واضحة. فنجد أننا ـ في النهاية ـ حللنا المشكلات والتساؤلات.. وربما ضيق ذات اليد أيضا. الخطأ ليس في الإقدام على المساعدة.. ولكنه في عدم السيطرة على هذه المسألة وإيجاد الضوابط العقلية لها, فهذا فقط ما يحقق لنا البقاء في الجانب الآمن. ما من شيء أحب إلى نفس الإنسان من تقديم العون والمساعدة للآخرين, خاصة أولئك القريبين منه ومن نفسه. وتختلف أشكال المساعدات بحسب مواقف طالبيها, فهناك مساعدات معنوية وأخرى فنية وثالثة مالية وغيرها من أشكال المساعدات. إلا أن المساعدات المالية تظل الأكثر طلبا في هذا العصر الذي أصبحت الماديات تسيطر فيه على جوانب الحياة كافة. وقد يكون طالب المساعدة قريبا أو صديقا أو زميل عمل, وقد يقدم الإنسان المساعدة المطلوبة طواعية ومن دون أن يتخذ أية إجراءات احترازية. ومع ذلك فهناك كثير من التعقيدات والمخاطر التي تكتنف تقديم المساعدة المطلوبة. وقبل أن نستعرض بعض الإجراءات التحوطية نحكي قصة الشاب الطيب الذي رق قلبه لحال صديقه الذي عانى صنوفا من العذاب لكي يقيم مشروعا تجاريا صغيرا. طرق الصديق أبواب البنوك التجارية ومؤسسات التمويل ليستدين بعض الأموال التي تساعده في إطلاق مشروعه الحلم, وبدورها كانت إدارات التمويل بتلك البنوك والمؤسسات تشترط ضرورة تقديم ضمان مالي على شكل عقار أو كفالة أي عميل لديها. ولم يجد الصديق أمامه إلا ذلك الشاب طيب القلب, فقصده وشرح له تفصيلات المشروع التجاري ومدى حاجته لرأس مال, وأكد الصديق أن المشروع سيكون مربحا من الناحية المالية. وبعد أن استفاض في شرح مميزات المشروع طلب من الشاب أن يكفله لدى البنك الذي يتعامل معه. تردد الشاب فترة من الوقت, إلا أنه وافق في نهاية المطاف. وكيف لا يوافق وصديقه في أمس الحاجة لمساعدته, والمشروع يبدو ناجحا ويحقق أرباحا سريعة, خاصة وهو موجه نحو شريحة محددة من المجتمع؟ المشروع الصغير كان عبارة عن محل للخياطة والتطريز ولا يحتاج إلا لبضع ماكينات لا تتجاوز تكلفتها الإجمالية خمسين ألف درهم. ذهب الشاب طيب القلب مع صديقه إلى البنك التجاري الذي يتعامل معه, وبعد استكمال البيانات التي كانت تحتوي عليها استمارة طلب القرض وضع الشاب توقيعه وأصبح ضامنا لقرض مقداره خمسون ألف درهم.. فقط لا غير. وبدأ الصديق بإدارة المشروع الجديد بعد أن قام بشراء المعدات والأجهزة المطلوبة واستأجر عددا من الخياطين, ومضى شهر وجاء موعد أول قسط مستحق للبنك. رن جرس الهاتف.. أمسك الشاب طيب القلب بالسماعة وجاءه من الطرف الآخر صوت الموظف المسئول عن القروض لينقل إليه خبرا كان له وقع الصاعقة: (لقد تم خصم مبلغ كذا من حسابك لدينا وفاء للقسط الأول, لأن المقترض لم يسدد المبلغ وأنت ضامنه الوحيد) . وضع الشاب سماعة الهاتف وهو يشعر بغضب ممزوج بخوف شديد, فالمبلغ كبير, وها هو ذا صديقه يخذله من أول تجربة. هدأ الشاب من انفعالاته ورفع سماعة الهاتف وأدار القرص ليستوضح الموقف الغريب من صديقه. وهاله أن صديقه تحدث معه بكل برود وكأن الأمر لا يعنيه في شيء, ولم يشفع له لسانه إلا بكلمات قليلة أكد من خلالها بأنه سيقوم بإيداع قيمة القسط في حساب الشاب. إلا أنه مر يوم ثم يومان ثم أسبوع ولم يجد الشاب أي أثر للمبلغ في حسابه. وذات صباح, وبينما هو منكب على أداء مهامه داخل مكتبه, رفع رأسه فجأة ليجد أمامه صديقه. رحب به وطلب منه الجلوس, وبدأ الصديق يقدم اعتذارا وراء آخر ويطمئن الشاب بأنه سيفي بكل التزاماته المالية تجاهه كضامن, فقط عليه أن ينتظر لشهر أو شهرين حتى يتمكن المشروع من جمع بعض العوائد المالية. ومر شهر وثالث ورابع.. ولم يحدث شيء. وقع الشاب في حيرة كبيرة بعد أن فشلت جميع مساعيه مع صديقه, ولم يبق أمامه إلا خيار واحد, بعد أن قام البنك بخصم خمسة أقساط من راتبه الذي يكاد يكفيه بالكاد. استجمع الشاب قواه الخائرة واتجه نحو مخفر الشرطة وهو يحمل مستندا من البنك يؤكد فيه أن صديقه فشل في سداد الأقساط المستحقة على القرض, وأن الشاب ظل يتحمل تلك الأقساط لمدة تجاوزت الخمسة أشهر, ويطلب فيه من الشرطة الحجز على محل الخياطة وبيع الموجودات لتسديد قيمة القرض زائدا الفوائد. اصطحب الشاب مجموعة من رجال الشرطة إلى محل الخياطة, وهاله عدد الخياطين والزبائن, فقد كان المحل يبدو وكأنه خلية نحل. شاهد صديقه يجلس داخل مكتب زجاجي صغير, وقبل أن يترك له فرصة الاستفسار عن الأمر وضع أمامه أمرا بحجز الموجودات. حاول الصديق إقناع الشاب بتغيير رأيه, إلا أن السيف سبق العذل, وخرج الصديق من المحل وهو يطأطئ رأسه وتبعه الخياطون والزبائن وهم في حيرة بالغة. وبطبيعة الحال لم تكن قيمة بيع المعدات والأجهزة لتكفي لسداد القرض بكامله, وتحمل الشاب طيب القلب عواقب فعلته, ولم يكن أمامه سوى أن يرضى بما حدث. إلا أنه تعلم درسا مفيدا وهو عدم تقديم أية مساعدة لشخص يعاني ضائقة مالية حتى ولو كان ذلك الشخص قريبا من نفسه, فعندما يطلب منك أحد أفراد العائلة أو الأصدقاء أن تساعده ماليا, سواء بإقراضه بعض الأموال أم بالتوقيع على قرض بنكي أم الاستثمار في مشروع تجاري, فإن موقفك سيكون حرجا للغاية. ويقع الإنسان في مثل هذا المأزق لأنه يشعر بأن من واجبه إصلاح أمور الآخرين, إلا أن المشكلة أن مثل هذه المساعدات قد تعود بالضرر على من يقدمها. ويقول مدير إدارة القروض بأحد البنوك التجارية إن كل المعايير التي يستخدمها في أداء واجباته المهنية تهرب من النافذة إذا كانت المساعدة المالية المطلوبة تتعلق بصديق أو قريب. ويضيف أنه بالنسبة للصفقات التجارية فإن كل الإجراءات يجب أن تتم بصورة رسمية, أما بالنسبة للأصدقاء وأفراد العائلة فإنني أفترض أن المساعدة التي قدمتها ما هي إلا هدية لن أسترجعها أبدا. وفي الوقت الذي تكون فيه التعاملات المالية مع الأقارب والأصدقاء شديدة التعقيد, إلا أن هناك دائما أساليب لإدارتها بطريقة ذكية. وهناك سبعة قوانين للإقراض الذكي, نعرضها كما يلي: * استخدام العاطفة والعقل, معا, في تقديم المساعدة المطلوبة, أي وبعبارة أخرى النظر إلى الموقف بموضوعية وتجرد والتفكير فيه بعقلية مدير إدارة القروض وبعاطفة القريب أو الصديق. فإذا كان طلب المساعدة منطقيا ومعقولا وهز مشاعرك وعواطفك فقد تكون الاستجابة إليه عملا إنسانيا جيدا. وإذا اتفق العقل والقلب معا على فعل شيء فلن يحدث خطأ في تقديم المساعدة, أما إذا اختلفا فقد تحدث مشكلة. * استشارة طرف ثالث, حيث إن استشارة خبير مالي أو موظف بنك قد يكون لها بالغ الأثر في القرار الذي تتخذه. فعلى سبيل المثال, إذا طلب منك أحد الأصدقاء قرضا أو التوقيع على قرض بنكي, فإن الطرف الثالث يمكن أن ينظر لطلب المساعدة بمنظور آخر ويحدد ما إذا كانت المساعدة ستحل مشكلة ولا تتسبب في مشكلات أخرى, كما يمكنك أيضا استشارة صديق آخر أو أحد أفراد العائلة من الذين تستعين بآرائهم. * عدم الإحساس بالحرج من رفض تقديم المساعدة, حيث لا يجوز التردد في الرفض إذا كان الموقف ينطوي على أية مخاطر, ويمكن أيضا تقديم أشكال أخرى من المساعدات. فعلى سبيل المثال, استدان أحد الأصدقاء مبالغ هائلة عن طريق بطاقة الائتمان وفشل في سدادها, يمكنك مساعدته في تقديم بعض النصائح والإرشادات المتخصصة. ولابد من أن يكون الرفض للطلب نفسه وليس للشخص الذي يقدمه, إضافة إلى التشديد على أن قرار الرفض يتعلق بالمال وليس بالصداقة. * التفكير المتأتي قبل التوقيع على شهادة قرض بنكي أو رهن عقاري أو بطاقة ائتمان, حيث لا يتردد كثير من الآباء والأزواج في استصدار بطاقات ائتمان تابعة لأبنائهم وزوجاتهم متجاهلين بذلك حقيقة أنهم سيتحملون المبالغ المسحوبة إذا فشل هؤلاء في سدادها. وإذا وقعت على رهن عقاري باسم أحد أقربائك وفشل في سداد الدفعات المستحقة فإن الجهة المقرضة سوف تطالبك بدفع المبالغ المستحقة. وأفضل وسيلة لمساعدة الأقارب والأصدقاء هي إقراضهم بعض الأموال مباشرة وليس عن طريق طرف ثالث مثل البنوك ومؤسسات التمويل. * اعتبار القرض هدية لن ترد, وهذا هو ما يفعله معظم الأشخاص حتى يتجنبوا الوقوع في المصيدة. فعلى سبيل المثال, يمكنك أن تقول للشخص الذي أقرضته بعض الأموال إن القرض مجرد هدية وإنك تتوقع منه هدية مماثلة عندما تتحسن أوضاعه المالية. إن عدم توصيف المال كقرض يمكن أن يعزز من قوة العلاقات الإنسانية إذا تفاقمت الأوضاع المالية للأصدقاء والأقرباء. * اتخاذ كل الإجراءات الرسمية عند تقديم القروض, أي تحديد حجم القرض وطريقة الدفع وبرنامج تسديد المبلغ بالكامل, إضافة إلى توقيع الطرفين وشاهدين على مستند يوضح تفصيلات القرض. * التعامل بحذر مع حسابات التوفير الخاصة بالأطفال, فهناك آباء كثيرون يودعون مبالغ مالية في حسابات بنكية بأسماء أطفالهم لادخار بعض الأموال التي قد تساعدهم في تمويل دراساتهم العليا. وهنا لابد من الحذر من الجانب القانوني الذي يخول هؤلاء الأطفال حرية التعرف على الأموال المودعة في حساباتهم عند بلوغهم سن الرشد, وإذا رغبت في إيداع أموالك في مثل هذه الحسابات فيتوجب عليك التحدث صراحة مع الطفل لتؤكد له أن الأموال المودعة ليست أموالك أنت, ولا هي أمواله هو, بل هي أموالكما معا, وذلك حتى لا يقوم بسحب جزء منها. ولأن الأموال لا تأتي لتذهب فقط, بل لتتكاثر وتتراكم, لذا يجب أن تجد هذه الأموال ما يليق بها من احترام. إلا أنه وبكل أسف فإنها تتطاير من خلال الشيكات وأجهزة الصرف الآلي. ويكتشف الإنسان فجأة أنه لم يتبق له ما يمكن أن يدخره, ناهيك عما يمكن أن يقرضه للاخرين من الأصدقاء والأقرباء, ويجد نفسه أمام مجموعة هائلة من الأسئلة الحائرة مثل أين هي تلك المبالغ التي قررت أن أستثمرها أو أدخرها؟ وأين ذهبت؟ ليكتشف في نهاية الأمر أنها لم تعد هناك, فقد تبخرت هي الأخرى. إن أكثر الأشياء سهولة في هذه الحياة إنفاق الأموال, ومع كل زيادة في الأجر تأتي زيادة أخرى في المصروفات, على الرغم من الرغبة العارمة في ادخار جزء منها. وفي الوقت الذي يبدو فيه الإصرار على سداد جميع الديون ومختلف أنواع الفواتير قبل توجيه جزء من الأموال نحو الاستثمار أو أوعية الادخار نوعا من الأفكار النبيلة, إلا أنه وفي واقع الأمر سلوك مالي قد يضع صاحبه في مأزق مالي. إن الإقراض والاستدانة من أكبر أعداء الأموال. فبدلا من أن يتم توجيه المبالغ المقرضة إلى مجالات نافعة يتم تحويلها إلى (هدايا) قد لا ترد أبدا, وبدلا من الاكتفاء بالموارد المالية المتاحة يسعى الإنسان إلى مختلف المؤسسات المالية لكي يستدين منها معرضا ميزانيته بذلك إلى خلل خطير. وكما تقول الحكمة القديمة (عض بالنواجذ على أموالك) , فإنه يتعين على كل من يحاول تقديم مساعدة مالية لأي إنسان أن يفكر مليا في عواقب الاستجابة لتقديم تلك المساعدة. وقد رأينا كيف أضرت هذه الاستجابة بصاحبنا الشاب طيب القلب.